مقدمة المصنف

٨ فقرات، ج ١ ص ٥٩

  1. وبه العَوْنُ والتَّوْفِيق (١)

    ج ١ ص ٥٩
  2. الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، الرحمَنِ الرحِيم، مَلِكِ يوم الدِّين، الذي خَلَق الإنسانَ مِن طِين، وجعل نَسْلَه مِن سُلالةٍ مِن مَاءٍ مَهِين، ثم سوَّاه ونَفَخَ فيه مِن رُوحِه، وجَعَل لهُم السَّمعَ والأبْصَارَ والأفْئِدَةَ، وبَعَثَ فيهم الرُّسُلَ والأَئِمَّةَ مُبَشِّرينَ بالجَنة مَن أَطَاع اللهَ، ومُنْذِرينَ بالنَّار مَنْ عَصَى الله، وخَصَّنا بالنَّبيِّ المُصْطَفَى، والرسولِ المُجْتَبى: أبي القَاسِم، مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ ... عَبْدِ المُطَّلِب صَلَّى اللهُ عَليه وعَلَى آلِه، الذين هَدَاهُم اللهُ واصْطَفَاهُم مِن بَنِي هَاشِم والمُطَّلِب، أَرْسَلَه بالحَقِّ إلى مَن جَعَلَه مِن أَهْل التَّكْلِيف مِن كَافَّة الخَلْق، بَشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسِراجًا مُنيرًا، وأنزلَ معه كِتابًا عزيزًا، ونُورًا مُبينًا، وتَبْصِرةً وبَيانًا، وحِكمةً وبُرهانًا، ورَحمةً وشِفاءً، ومَوْعِظةً وذِكرًا، فَنَقَل به -مَن أَنعَم عليه بتوفيقه- مِنَ الكُفر والضَّلالة إلى الرُّشْد والهِدَايَة، وبَيَّن فيه ما أَحَلَّ وما حَرَّم، وما حَمِدَ وما ذَمَّ، وما يَكون عِبادَةً وما يكون معصيةً، نَصًّا أو دِلالَةً، ووَعَد وأَوْعَد، وبَشَّر وأَنذر، وَوضَعَ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - مِن (٢)

  3. دِينِه مَوضِعَ الإبَانَة عنه، وحِينَ قَبَضهُ إليه (٣) قَيَّضَ في أُمَّتِه جَمَاعَةً

    ج ١ ص ٦٠اجتهدوا في معرفة كتابه، وسُنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، حتى رَسَخُوا في العلم، وصاروا أَئِمَّةً يَهدُون بأمره، ويُبَيِّنون ما يُشْكِل على غيرهم من أحكام القرآنِ وتفسِيرِه.

  4. وقد صَنَّف غَيرُ واحدٍ من المُتَقَدِّمينَ، والمُتَأخِّرين في تفسير القرآن ومَعَانِيه، وإعْرَابه ومَبَانِيه، وذَكَر كُلُّ واحدٍ منهم في أحكامه ما بَلَغه عِلْمُه، وربما يُوافِقُ قَوْلُه قَوْلَنا، وربما يُخَالِفُه؛ فَرأيتُ مَن دَلَّت الدلالة على صِحَّة قوله، أبا عبدِ اللهِ محمدَ بنَ إدرِيس الشَّافِعيَّ المُطَّلِبيَّ ابنَ عَمِّ مُحَمَّدٍ (١) ... رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله، قد أتى على بيان ما يجبُ علينا مَعرِفَتَه مِن أحكام القرآن.

  5. وكان ذلك مُفَرَّقًا في كُتُبِه المُصَنَّفة في الأُصُول والأَحْكَام، فَمَيَّزتُه وجَمَعْتُه في هذه الأجزاء على ترتيب (٢) المُخْتَصَر (٣) ، ليكونَ طلبُ ذلك منه على مَن أراد أَيْسَر، واقْتَصَرتُ في حكاية كلامِهِ على ما يَتَبَيَّن منه المُراد دونَ الإطْنَاب، ونَقَلْتُ مِن كَلامِه في أصولِ الفِقْه، واسْتِشْهَادِه بالآياتِ التي احتاج إليها مِنَ الكِتَاب، على غَاية الاخْتِصَار، ما يليق بهذا الكتاب.

  6. وأنا أسألُ اللهَ البَارَّ الرَّحيمَ، أَنْ يَنْفَعَنِي والنَّاظِرين فيه بما أَوْدَعْتُه، وأن يحسن جزاءَ مَن اقتدينا به فيما نَقَلتُه، فقد بالغ في الشرح والبيانِ، وأدَّى النصيحةَ في التقريب والبَيان، ونَبَّه على جهةِ الصَّوابِ والبُرهان، حتى أَصْبَح مَن اقتَدَى به على ثِقَةٍ مِن دِين رَبِّه، ويَقِينٍ مِن صحةِ مَذْهَبه.

  7. والحمد لله الذي شَرَح صَدْرَنا للرَّشاد، ووفَّقَنا لصحَّة هذا الاعْتقاد، وإليه الرَّغبة -عَزَّت قُدْرَتُهُ- في أن يُجريَ على أَيدينا مُوجِبَ هذا الاعتقاد ومُقْتَضَاه، ويُعِينَنَا على ما فيه إِذْنُهُ ورِضَاه، وإليه التَّضَرُّع في أنْ يَتَغَمّدنا برحمته، ويُنْجِيَنا مِن عُقوبَته، إنه الغَفُورُ الوَدُود، الفَعَّالُ لِما يُريد، وهو حَسْبُنا ونِعْم الوَكِيل.

    ج ١ ص ٦١
  8. (١) أخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو الوليد حَسَّانُ ابنُ محمدِ الفَقِيه، أخبرنا أبو بكر أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بن عُبَيْدَة، قال: كُنَّا نَسْمَعُ مِن يُونُسَ بنِ عَبدِ الأَعْلى (١) تَفْسِيرَ زَيدِ بن أَسْلَم، عن ابنِ وَهْب، فقال لنا يُونُس: «كنتُ أولًا أُجَالِسُ أَصْحَابَ التَّفسير، وأُنَاظِرُ عليه، فكان الشافعيُّ إذا أَخَذَ في التفسير؛ كَأنَّه شَهِد التَّنْزِيل» .

    (٢) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرنا أبو الوليد الفَقيهُ، أخبرنا ... أبو بكر ابن حَمْدُون قال: سمعتُ الربيعَ يقول: «قَلَّما كنتُ أَدخُل على الشافعي - رحمه الله -، إلا والمُصْحَف بين يديه، يَتَتبَّعُ أحكامَ القُرآنِ» .

    ج ١ ص ٦٢