(٢) فصل في معرفة العموم والخصوص

١١ فقرة، ج ١ ص ٦٨

  1. (٤) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال:

    قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: ١٠٢] .

    وقال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [النحل: ٣] ، [الزمر: ٥] ، [التغابن: ٣] .

    وقال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} ... [هود: ٦] .

    ج ١ ص ٦٨
  2. فَهذا عَامٌّ لا خَاصَّ فيه، فَكُل شيء مِن سماءٍ، وأرض، وذي رُوحٍ، وشَجر، وغير ذلك، فاللهُ خَالِقُه، وكُلُّ دَابَّةٍ فعلى الله رزقُها، ويَعلَمُ مُستَقرَّها ومُسْتَودَعَها» (١) .

  3. «وقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ١٣] .

    وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} الآية [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] .

    وقال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: ١٠٣] .

    وقال الشَّافِعِيُّ: «فَبَيِّنٌ في كتابِ اللهِ: أَنَّ في هاتين الآيتين، العُمُومَ والخُصُوصَ» .

  4. فَأمَّا (١) العُمومُ منها: ففي قول الله - عز وجل -: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: ١٣] . فَكلُّ نَفْسٍ خُوطِبَ بهذا في زمان رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقَبْلَه وبَعْدَه مَخْلُوقةٌ مِن ذَكَرٍ وأُنْثَى، وكُلُّها شُعوبٌ وقَبَائِلُ.

    ج ١ ص ٦٩
  5. والخَاصُّ منها: في قول الله - عز وجل -: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ١٣] ؛ لأن التقوى إنما تكونُ على مَن عَقَلها وكان مِن أهلِها مِن البَالِغين مِن بَنِي آدمَ، دونَ المخلوقين مِن الدَّوابِّ سواهم، ودون المَغْلُوبِ (٢) على عُقُولِهِم منهم، والأطفالِ الذين لم يَبْلُغوا عَقْلَ التَّقْوى منهم، فلا يَجُوزُ أَن يُوصَفَ بالتَّقْوى وخِلافِها إلا مَنْ عَقَلَها وكان مِن أهلها، أو خالفها فكان من غير أهلها.

  6. وفي السُّنَّة دلالَة عليه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ، النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ، والصَّبِيِّ حتى يَبْلُغَ، والمَجْنُونِ حتى يُفِيقَ» (٣) .

    قال الشَّافِعيُّ - رحمه الله -: وهكذا التنزيلُ في الصَّوم والصَّلاة، على البالِغينَ العَاقِلين دونَ مَن لَم يَبلُغ، ومَن بَلَغ (٤) مِمَّن غُلِبَ عَلى عَقْلِه، ودونَ الحُيَّضِ في أَيامِ حَيْضِهِنَّ.

    ج ١ ص ٧٠قال الشافعي - رحمه الله -: قال الله تبارك تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) } [آل عمران] . قال الشافعيُّ - رحمه الله -: فَإذَا كان مَن مَع رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَاسَ (١) غَيرِ مَن جَمَعَ لهُم مِنَ النَّاس، وكان المُخبِرُونَ لهم نَاسَ غَيْرِ مَن جُمِعَ لَهُم، وغيرَ مَن مَعَهُ مِمَّن جُمِعَ عَليْه مَعَهُ، وكان الجامِعُونَ لَهُم نَاسًا = فالدلالة بَيِّنَةٌ لِمَا وَصَفْتُ مِن أَنَّهُ إنما جَمَع لَهُم بَعضُ النَّاسِ دونَ بَعْضٍ، والعِلْمُ يُحِيط: أَنْ لَمْ يَجْمَعْ لَهُم النَّاسُ كُلُّهم، ولم يُخْبرْهُم النَّاسُ كُلُّهُم، ولم يَكُونُوا هُم النَّاسَ كُلَّهُم.

  7. ولكنه لَمَّا كان اسمُ النَّاسِ يَقَعُ على ثَلاثَةِ نَفَر، وعلى جَميع النَّاس، وعلى مَنْ بَيْن جَمِيعِهِم، وثَلاثَةٍ مِنهُم = كان صحيحًا في لِسَان العَرب، أن يُقالَ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} .

    قال: وإنما كان (٢) الذين قالوا لهم ذلك أَربعَةُ نَفَرٍ {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} ، يَعْنُونَ المُنْصَرِفِينَ مِن أُحُدٍ، وإنَّما هُم جَمَاعة غَيرُ كَثيرٍ (٣) مِن الناس، الجَامِعُونَ مِنهُم غَيرُ المَجْمُوعِ لَهُم، والمُخْبرُونَ للمِجْمُوع لَهُم غَيرُ الطَّائِفَتَيْن، والأَكثَرُ مِنَ النَّاس في بُلدَانهم غيرُ الجَامِعين والمَجْمُوعِ لَهُم ولا

    ج ١ ص ٧١المُخْبرِينَ» (١) .

  8. «وقال الله - عز وجل -: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: ٢٤] .

  9. فَدَلَّ كتابُ اللهِ - عز وجل - على أَنَّه إِنَّمَا وقَوُدُها بَعْضُ النَّاسِ لقوله - عز وجل -: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) } [الأنبياء] » (٢) .

    قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله - عز وجل -: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: ١١] وذكر سائر الآيات، ثم قال: فأبان أن للوالدَين والأزواج ما سَمَّى في الحالات، وكان عامَّ المَخْرَج، فَدَلَّت سُنَّةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه إنما أُرِيدَ بها بعضُ الوالِدَيْن والأزواج دون بعض، وذلك أن يكونَ دِينُ الوالِدَين والمولود، والزوجين واحدًا ولا يكون الوارثُ منهما قاتلًا ولا مَملوكًا.

    وقال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: ١١] ، فأبان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الوصايا: يُقْتَصَرُ بها على الثُّلث، ولأهل المِيراث: الثُّلُثان، وأبان أن الدَّيْن: قبل الوَصَايا والمِيراث، وأنْ لا وَصِيَّةَ ولا ميراثَ: حتى يَسْتَوفِي أَهْلُ الدَّيْن دَيْنَهم، ولولا دَلَالة السُّنَّة، ثم إجماعُ النَّاس، لم يَكُن ميراثٌ إلا بعدَ وصيةٍ أو دَيْن، ولم تَعْدُ الوَصيةُ أن تكون مُبَدَّاةً على الدَّيْن، أو تكون والدَّينُ سَواءً» (٣) .

  10. وذكر الشافعي - رحمه الله - في أمثال هذه الآية-: آيةَ الوضوء، ووُرُود السُّنَّة

    ج ١ ص ٧٢بالمَسْح على الخُفَّين، وآيةَ السَّرِقة وورود السنة بأنْ: «لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ» (١) ؛ لكونهما غير مُحَرَزَيْن، وأن لا يُقْطَع إلا مَن بَلَغت سَرِقَتُه رُبْعَ دِينَارٍ،

    وآيةَ الجَلْدِ في الزَّاني والزَّانِية، وبَيَان السُّنَّة: بأن المُراد بها البِكْرَان دُون الثَّيِّبَيْن، وآيةَ سَهْمِ ذي القُرْبى، وبيانَ السُّنة: بأنه لِبَني هَاشِمٍ وبَنِي عبدِ المُطَّلب، دون سَائِر القُرْبى، وآيةَ الغَنِيمة، وبيان السُّنة: بأنَّ السَّلَب منها للقَاتِل.

  11. وكُلُّ ذَلك تَخْصِيصٌ للكِتاب بالسُّنة، ولولا الاستدلالُ بالسُّنة كان الطُّهرُ في القَدَمين، وإن كان لابسًا لِلْخُفَّين، وقَطَعْنَا كُلَّ مَن لَزِمَهُ اسْمُ سَارِقٍ، وضَرَبْنَا مِائةً كُلَّ مَن زَنَى، وإن كان ثَيِّبًا، وأَعْطَينا سَهْمَ ذِي القُربَى مَن بَيْنَه وبَيْن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قَرَابةٌ، وخَمَّسْنا السَّلَب لأنه مِن الغَنِيمةِ (٢) .