باب الوضوء
٣٨٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٤٩
الصفحة ٧ من ١٠
- ج ٢ ص ٢٩٢
ولا يجبُ غَسْلُ داخل عينٍ لحدث أو نجاسةٍ، بل ولا يُسَنُّ ولو أُمِنَ الضَّررُ، بل يُكره.
-
الشعرُ كثيفًا، لا يصف البشرةَ، أي: لا تُرَى منه البشرةُ، فيجزئُ غسلُ ظاهرِه حينيذٍ؛ لتعلُّقِ الحكمِ به في الوضوء، دونَ ما تحتَه من البشرةِ؛ لحصولِ المواجهةِ به، ولكنْ يسنُّ تخليلُه، أي: يسنُّ تخليلُ الشعرِ الكثيفِ الذي لا يصفُ البشرةَ. قال في "الإنصاف" (١) : يُكرَه غسلُ باطنِ اللحية الكثيفة على الصحيح من المذهب. قال في "الرعاية" : ويكرهُ غسلُ باطنِها في الأشهرَ.
-
(ولا يجب) بل: ولا يسنُّ (غسلُ داخلِ عينٍ) في وضوءٍ ولا غُسْلٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ما فعلَه، ولا أمرَ به عندهما، وقد فعلَه بعضُ السلف كابنِ عمر، وابنِ عباس؛ لأنَّه يشاركُ الوجهَ في المواجهة به، فحصلَ لهما الضررُ، وانكفَّ بصرُهما في آخرِ عمرهما من المداومةِ على ذلك (٢) .
- ج ٢ ص ٢٩٣
ثمَّ يدَيه مع مِرْفقَيه ثلاثًا.
-
(ثمَّ) يَغْسِلُ (يديه مع مِرْفقيه) للنصِّ (ثلاثًا) لحديثِ عثمان وغيرِه (١) ، حتى مع أصبع
ولا يستحبُّ (٢) غسلُ داخلِ العينِ من نجاسةٍ، ولو أَمِنَ الضررَ، بل يكره، وقيل: يجب من نجاسةٍ. والصحيحُ الأوَّلُ، لكن إنَّما يعفى عنها ما دامت بمحلِّها فإذا خرجت، فالواجب غسل ما انتقل بالدمع.
-
"فائدة" : يغترفُ ماءَ الوضوءِ بيديه، أو يغترفُ بيمينه، ويضُمُّ إليها الأُخرى.
-
ويُستحبُّ التكثيرُ في ماءِ الوجه؛ لأنَّ فيه غُضُونًا -جمع غَضْن، وهو التَّثَنِّي- ودواخلَ وخوارجَ، ليصل الماءُ إلى جميعِه ويعمَّهُ بالماء. وفي حديث الإمام أحمد: كان النبيُّ ﷺ يتعاهد المأقين (٣) . وهما مجرى الدمع من العين. انتهى. دنوشري مع زيادة.
-
(وحاجِبَيْن) سُمِّيا حاجِبَيْن؛ لأنَّهما يحجبانِ عن العينِ شعاع الشمسِ.
-
(وسُنَّ غسلُ باطن شعرٍ) خروجًا من خلافِ من أوجبَه.
-
(فيخلِّلُها فقط) فيُكْرَه غسلُ باطنِها على الصحيح من المذهب، وإنَّما المسنونُ تخليلُها.
-
"إنصاف" (٤) .
-
(ثمَّ يغسلُ يدَيْه مع مرفقَيْه) يعني: ثمَّ بعدَ غسلِ وجهِه، يغسلُ يدَيْه مع مرفقَيْه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] أي: معها؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، وهو المراد هنا كما تقدَّم، ولما روى الدارقطني عن جابرٍ
ج ٢ ص ٢٩٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
زائدةٍ وظُفرٍ ولو طال، ويدٍ أصلُها بمحلِّ فرضٍ أو غيره، ولم تتميَّز.
قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا توضَّأَ أمَرَّ الماءَ على مرفقَيْه (١) . وهذا بيانُ الغَسْل المأمورِ به في الآية الكريمة، أو يقال: إنَّ اليدَ تطلقُ حقيقةً إلى المَنْكِب، وكلمةُ "إلى" أخرجتْ ما عدا المِرْفَق، ويجب غسل ما على كلِّ واحدةٍ منهما من سِلْعَةٍ (٢) ، وشعورٍ خفيفةٍ وكثيفة.
-
"فائدة" : قال في "المبدع" : وإن تدلَّت جِلْدة إلى محلِّ الفرض، أو منه، غُسِلَت، وقيل: إنْ تدلَّتْ من محلِّ الفرضِ، غُسِلَت، وإلَّا فلا، ذكره ابن تميم. والمذهبُ الأوَّلُ. وإنْ التحمَ رأسُها في محلِّ الفرضِ، وجبَ غسلُ ما فيه منها.
-
وإذا انكشَطتْ جِلْدةٌ من اليد وقامَتْ، وجبَ غَسْلُها، وإنْ كانت غيرَ حسَّاسَةٍ، كما ذكره في "الإنصاف" (٣) .
-
ويجب غسل المرفقين مع إصبعٍ زائدة، ومع غسلِ يدٍ زائدة أيضًا، حيثُ كانَ أصلُها نابتًا بمحلِّ الفرضِ، فيجبُ غسلُها مطلقًا، سواءٌ تميَّزت، أو لم تتميَّز؛ لأنَّ ذلك زيادةٌ بمحلِّ الفرضِ، أشبهت العضوَ الأشلَّ إذا كان أصليًّا، أو كان أصلُها نابتًا بغيرِ محلِّ الفرض، ولم تتميَّز، أي: لم تعلم الزائدةُ من الأصليَّة، بأن استوتا في الخِلْقةِ والعمل، فيجبُ غَسْلُهما حينئذٍ؛ لتخرج من العهدة بيقين، كما لو تنَّجسَت إحدى يَديْه أو رجلَيْه، وجهلَها.
-
وفُهِم من قوله: (ولم تتميَّز) أنَّ الزائدةَ إذا تميَّزَت عن الأصليَّة، لم يجب غسلُ الزائدة، حيثُ كانت بغير محلِّ الفرض، ويجبُ غسل اليدِ الأصليَّةِ والزائدةِ التي لم تتميّز مع أظفارٍ وإنْ طالت؛ لأنَّها متَّصِلةٌ بالأصابع بأصلِ الخِلْقة، فدخلَتْ في مسمَّى اليد. انتهى. دنوشري مع زيادة.
- ج ٢ ص ٢٩٥
ويُعفى عن يسيرِ وَسَخٍ تحتَ ظُفْرٍ.
-
ثمَّ يمسحُ رأسَه،
(ويُعفَى) في الوضوء (عن يَسيرِ وَسَخٍ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، أي: عن وسخٍ يسيرٍ (تحتَ ظُفْر) ونحوِه كشعر ولو منع وصولَ الماء؛ لكثرةِ وقوعه عادةً، فلو لم يصحَّ معه الوضوء، لَبَيَّنه النبيُّ ﷺ ؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجة.
-
ومَن خُلق بلا مِرْفَق، غَسَلَ إلى قدرهِ في غالب النَّاس.
-
(ثمَّ يمْسَحُ) جميعَ ظاهر (رأسه) قياسًا على مَسْحِ الوجه في التيمُّم في وجوبِ
(ويُعفَى عن يسيرِ وسخٍ) يعني أنَّه لا يَضُرُّ وجودُ وسخٍ يسيرٍ تحتَ ظفرٍ، ونحوه، كداخلِ أنفٍ، وما يكونُ بفتوقِ الرِّجْلِ من الوَسَخِ. وألحقَ الشيخُ تقيُّ الدين كلَّ يسيرٍ مَنَعَ حيث كان على البدن، كدمٍ وعجينٍ ونحوهما، واختاره (١) . ولا يضرُّ طعامٌ متخلِّفٌ بين أسنانه، ولو كان ذلك يمنعُ وصولَ الماء إلى البشرة؛ ولأنَّ هذا مما يكثُر وقوعُه عادةً، ولو لم يصحَّ الوضوءُ معه، لبيَّنهُ صلى الله عليه، ولِمَا في ذلك من المشقَّة والحرج، فعُفي عنه.
-
(ويُعفَى في الوضوء) قيَّدَ بالوضوء ليُفْهَم أنَّه لا يُعفَى عنه في غير الوضوء؛ لعدمِ تكررِ غير الوضوء، كالغُسْل، فإنَّه لم يرتفع الحدثُ معه؛ لأنَّ العادةَ لم تَجْرِ به. كما نقله الشارح عن مشايخه النجديين.
-
(ومن خلق بلا مِرْفَقٍ إلخ) أي: من خُلِق بلا مِرْفَقٍ، غَسَل إلى قدرِ مرفقٍ في غالبِ الناس؛ لأنَّ الحكمَ يُنَاطُ بالأعمِّ الأغلبِ، فلا عبرةَ بالذراعِ الطويلِ ولا القصيرِ، وإنَّما المعتبرُ الوسطُ، وهو الغالبُ في الناسِ، فيجبُ الغَسْل بقدرِه.
-
(ثم يمسحُ جميعَ ظاهرِ رأسِه) يعني: ثمَّ بعدَ غسلِ يدَيْه مع مرفقَيْه يمسحُ بالماءِ جميعَ ظاهرِ رأسِه، أي: بماءٍ جديدٍ استحبابًا، فلو مسحَ البشرةَ دونَ الشعرِ، لم يجزئه، ذكرًا كان
ج ٢ ص ٢٩٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
الاستيعاب؛ بجامعِ الأمر بمسحهما، ولأنَّه عليه الصلاة والسلام مَسَحَ جميعَه (١) ، وفِعلُه يبيِّن الآية.
-
أو أُنثى. وهو فرضٌ بالإجماع، وسنده النصُّ، ويعتبرُ بغالبِ الناس، فلا عبرةَ بالأفرع، ولا بالأجلح، كما سبق في حدِّ الوجه، ولأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أمرَ بمسحِ الرأسِ في الوضوء، وبمسح الوجه في التيمُّم، فوجبَ الاستيعابُ فيهما، ولأنَّه عليه الصلاة والسلام مسحَ جميعَ رأسِه، وفعلُهُ وَقَع مبيِّنًا للآيةِ الكريمة. والباء فيهما للإلصاقِ، أي: ألصِقُوا المسحَ برؤوسِكم، لا ما استرسلَ منه، وأمَّا دعوى أنَّ الباءَ إذا وليتْ فعلًا متعدِّيًا، أفادت التبعيضَ في مجرَّدِها، فغيرُ مسلَّمٍ؛ دفعًا للاشتراك، ولإنكار الأئمَّةِ ذلك. قال أبو بكر: سألتُ ابنَ دريد (٢) وابنَ عرفة عن الباء للتبعيض؟ فقالا: لا نعرنه. قال ابن بَرهَان: من زَعَم أنَّ الباءَ للتبعيض، فقدجاءَ عن أهلِ اللغة بما لا يعرفونه.
-
وأمَّا قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الأنسان: ٦] ، وقول الشاعر:
شربنَ بماءِ البحر (٣)
-
فمن باب التضمين، كأنَّه قيل: يروى (٤) .
- ج ٢ ص ٢٩٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
والرأسُ من حدِّ الوجه إلى ما يُسمَّى قَفا، ويكون بماءٍ جديدٍ غيرِ ما فَضَلَ عن ذراعيه، وكيفما مَسَحَه، أجزأ، ولو بأصبع أو نحوِ خِرْقة، حتى لو أصابه ماءٌ فأمَرَّ يدَه عليه.
-
والمسنونُ أن يبدأَ بيديه مَبْلولَتين من مقدَّم رأسه، فيضعَ طرفَ إحدى سبابتَيْه على
وما روي أنَّه عليه الصلاة والسلام مسحَ مقدَّمَ رأسِه، فمحمولٌ على أنَّ ذلك مع العمامة، كما جاءَ مفسَّرًا في حديث المغيرة بن شعبة (١) .
-
ولا يجبُ مسحُ ما استرسلَ من شعر الرأس؛ لأنَّ الرأسَ كلُّ ما علا وارتفع، وفُهِم من قوله: "ظاهر رأسه" أنَّه لو مسحَ ما تحتَ الشعرِ من البشرةِ فقط، لم يجزئه، كما لو غَسَل باطنَ اللحيةِ دون ظاهرِها، فلو حَلَقَ البعضَ فنزلَ عليه شعرُ ما لم يَحلِق، أجزأَه المسحُ عليه. قاله في "الإنصاف" (٢) . وقال في "الإقناع" (٣) : وإن نزلَ الشعرُ عن منبته، ولم ينزلْ عن محلِّ الفرض، فمسحَ عليه، أجزأَه، ولو كان الذي تحت النازل محلوقًا. انتهى.
-
وابتداءُ مسحٍ يكون من حدٌ أعلى الوجه، وانتهاؤُه إلى ما يُسمَّى قفا، بالقصر.
-
والبياضُ الذي فوقَ الأذنينِ من الرأس؛ لأنَّ الرأسَ اسمٌ لما ترأَسَ وعلا، فيجبُ مسحُه (٤) معه، وذَكرَ جماعةٌ أنَّه ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه. وفهم من قوله: فوق الأذنين، أنَّ البياض الذي تحتَ الأذنين وخلفهما، ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه ولا غسله قولًا واحدًا.
-
والكيفيَّةُ المسنونةُ في المسح أنَّه يضعُ طَرَفَ إحدى سبابتَيْه على طَرَفِ الأُخرى، ويضعُ
ج ٢ ص ٢٩٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
طَرَفِ الأُخرى، ويضعَ إبهامَيْه على صُدْغيه، ثمَّ يُمِردّهما على قفاه، ثمَّ يردّهما إلى مقدَّمه -ولو خاف انتشارَ شَعَرِه- بماءٍ واحد، فلو وضع نحوَ يده، على رأسه مبلولًا بلا مَسْحٍ، لم يجزئْه، ويجزئ غسلُه مع الكراهة إن أمرَّ يدَه وإلَّا، فلا، ما لم يكنْ جُنبًا وينوي الطهارتين.
-
الإبهامَيْنِ على الصُّدْغين، ثمَّ يُمِرُّ يدَيْه من مقدَّمِه إلى قفاه، ثم يَرُدُّ بدَيْه إلى الموضعِ الذي بدأَ منه، وهو مقدَّمُ الرأسِ، مسحةً واحدةً؛ لحديثِ: مسحَ رسولُ الله ﷺ رأسَه بيدَيْه، فأقبلَ بهما وأدبرَ، بدأ بمقدَّمِ رأسِه، ثمَّ ذهبَ بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهُما إلى المكانِ الذي بدأَ منه. رواهُ الجماعة (١) .
-
فإنْ كانَ ذا شعر يخافُ أن ينتفشَ بِرَدِّ يدَيْه، لم يردَّهُما. نصَّ عليه الإمامُ أحمد، لأنَّه قد رُوي عن الرُّبَيِّع أنَّ رسولَ الله ﷺ توضَّأَ عندَها، فمسَحَ الرأسَ كلَّه، من فَرْقِ الشعر، كلَّ ناحيةٍ لمصبِّ الشعرِ، لا يحرِّكُ الشعرَ عن هيئته. رواه أبو داود (٢) .
-
وعنه: تبدأُ المرأةُ من وسطهِ إلى مقدَّمِه، ثمَّ من الوسطِ إلى مؤخَّرِه. قال في "المغني" و "الشرح" : وكيفَ مسحَ بعدَ استيعاب [قدرِ] الواجبِ، أجزأَه (٣) .
-
وفُهِم من قوله: يُمِرُّ يدَيْه. أنَّه لو وضعَ يدَهُ مبلولةً على جميعِ رأسِه، أو بلَّها وهي عليه، ولم يمرَّ يدَه، لم يجزئه في الأصحِّ؛ لأنَّه مع عدمِ الإمرار، لم يحصل المسحُ المأمورُ به. دنوشري مع زيادة.