١ - باب قول الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .... ﴾
٧ فقرات، ج ١٣ ص ٣
- ج ١٣ ص ٣
١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾
-
٦٧٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قال: سَمِعَت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ فَأَتَيانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ.
-
قَوْلُه: (كِتَابُ الْفَرَائِضِ) جَمْعُ فَرِيضَةٍ كَحَدِيقَةٍ وَحَدَائِقَ، وَالْفَرِيضَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى: مَفْرُوضَةٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفَرْضِ. وَهُوَ الْقَطْعُ، يُقَالُ: فَرَضْتُ لِفُلَانٍ كَذَا أَيْ قَطَعْتُ لَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ فَرْضِ الْقَوْسِ، وَهُوَ الْحَزُّ الَّذِي فِي طَرَفَيْهِ حَيْثُ يُوضَعُ الْوَتَرُ لِيَثْبُتَ فِيهِ وَيَلْزَمُهُ وَلَا يَزُولُ، وَقِيلَ: الثَّانِي خَاصٌّ بِفَرَائِضِ اللَّهِ وَهِيَ مَا أَلْزَمَ بِهِ عِبَادَهُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْفَرْضُ قَطْعُ الشَّيْءِ الصُّلْبِ وَالتَّأْثِيرُ فِيهِ، وَخُصَّتِ الْمَوَارِيثُ بِاسْمِ الْفَرَائِضِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أَيْ مُقَدَّرًا أَوْ مَعْلُومًا أَوْ مَقْطُوعًا عَنْ غَيْرِهِمْ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أَفَادَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لَا بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ وَ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِلْوَصِيَّةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَيْهِمْ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ مِيرَاثِ الزَّوْجِ قَالَ: وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى اسْمِ الْمُظْهَرِ تَنْوِيهًا بِالْحُكْمِ وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَقَالَ: فِي أَوْلَادِكُمْ وَلَمْ يَقُلْ بِأَوْلَادِكُمْ إِشَارَةً إِلَى الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ فِيهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمِيرَاثِ بَلْ أَتَى بِاللَّفْظِ عَامًّا وَهُوَ كَقَوْلِهِ:
ج ١٣ ص ٤لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ وَأَضَافَ الْأَوْلَادَ إِلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُ الَّذِي أَوْصَى بِهِمْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ.
-
قَوْلُهُ: (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَسَاقَ الْآيَةَ الْأُولَى وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلِيمًا حَكِيمًا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ شَيْخُ قُتَيْبَةَ فِيهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾، وَأَمَّا قَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ: إِلَى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ مُرَادَ جَابِرٍ مِنْ آيَةِ الْمِيرَاثِ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ النِّسَاءِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ نَزَلَتْ فِيهِ، وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ قَدِيمًا.
-
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي إِحْدَاهُمَا فَنَزَلَتْ يَسْتَفْتُونَكَ، وَفِي أُخْرَى آيَةُ الْمَوَارِيثِ: هَذَا تَعَارُضٌ لَمْ يَتَّفِقْ بَيَانُهُ إِلَى الْآنَ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ وَتَوْهِيمِ يَسْتَفْتُونَكَ، وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْآيَتَيْنِ لَمَّا كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الْكَلَالَةِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لَمَّا كَانَتِ الْكَلَالَةُ فِيهَا خَاصَّةً بِمِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ كَمَا كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ وَكَذَا قَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ اسْتَفْتَوْا عَنْ مِيرَاثِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْإِخْوَةِ فَنَزَلَتِ الْأَخِيرَةُ، فَيَصِحُّ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْآيَتَيْنِ نَزَلَ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ، لَكِنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَالَةِ، وَأَمَّا سَبَبُ نُزُولِ أَوَّلِهَا فَوَرَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا فِي قِصَّةِ ابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَمَنْعِ عَمِّهِمَا أَنْ يَرِثَا مِنْ أَبِيهِمَا فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ الْآيَةَ فَقَالَ لِلْعَمِّ: أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ سِيَاقَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ هُنَاكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
-
وقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً. وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَجْتَهِدُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِظَارِهِ الْوَحْيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْخَاصَّةِ عُمُومُ ذَلِكَ فِي كُلِّ قِصَّةٍ وَلَا سِيَّمَا وَهِيَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوَارِيثِ الَّتِي غَالِبُهَا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهَا، لَكِنْ لَعَلَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ يَنْزِلِ اجْتَهَدَ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا.