القسم الأول في إثبات أن القياس حجة

٦٩ فقرة، ج ٥ ص ٢١

الصفحة ١ من ٢

  1. القسم الأول في إثبات أن القياس حجة اختلف الناس في القياس الشرعي فقلت طائفة العقل يقتضى جواز التعبد به في الجملة وقالت طائفة العقل يقتضي المنع من التعبد به والأولون قسمان

    ج ٥ ص ٢٢منهم من قال وقع التعبد به ومنهم من قال لم يقع أما من اعترف بوقوع التعبد به فقد اتفقوا على أن السمع دل عليه ثم اختلفوا في ثلاثة مواضع أحدها أنه هل في العقل ما يدل عليه فقال القفال منا وأبو الحسين والبصرى من المعتزلة العقل يدل على وجوب العمل به وأما الباقون منا ومن المعتزلة فقد أنكروا ذلك وثانيها أن أبا الحسين البصري زعم أن دلالة الدلائل السمعية عليه ظنية والباقون قالوا قطعية وثالثها القاشاني والنهرواني ذهبا إلى العمل بالقياس في صورتين

    ج ٥ ص ٢٣إحداهما إذا كانت العلة منصوصة بصريح اللفظ أو بإيمائه والثانية كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف أما جمهور العلماء فقد قالوا بسائر الأقيسة وأما القائلون بأن التعبد لم يقع به فمنهم من قال لم يوجد في السمع ما يدل على وقوع التعبد به فوجب الامتناع من العمل به ومنهم من لم يقنع بذلك بل تمسك في نفيه بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وإجماع العترة وأما القسم الثاني وهم الذين قالوا بأن العقل يقتضى المنع من التعبد به فهم فريقان أحدهما خصص ذلك المنع بشرعنا وقال لأن مبنى شرعنا على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات وذلك يمنع من القياس وهذا قول النظام وثانيها الذين قالوا يمتنع ورود التعبد به في كل الشرائع وهؤلاء فرق ثلاث إحداها الذين قالوا يمتنع أن يكون القياس طريقا إلى العلم والظن

    ج ٥ ص ٢٤وثانيتها

    ج ٥ ص ٢١
  2. الذين سلموا أنه يفيد الظن لكنهم قالوا لا يجوز متابعة الظن لأنه قد يخطئ وقد يصيب وثالثها الذين سلموا أنه يجوز متابعة الظن في الجملة ولكن حيث يتعذر النص كما في قيم المتلفات وأروش الجنايات والفتوى والشهادات لأنه لا نهاية لتلك الصور فكان التنصيص على حكم كل واحد منها متعذرا أما في غير هذه الأحكام فإنه يمكن التنصيص عليها فكان الاكتفاء بالقياس اقتصارا على أدنى البابين مع القدرة على أعلاهما وأنه غير جائز وهذه طريقة داود وأتباعه من أهل الظاهر فهذا تفصيل المذاهب

    ج ٥ ص ٢٦والذي نذهب إليه وهو قول الجمهور من علماء الصحابة والتابعين أن القياس حجة في الشرع لنا الكتاب والسنه والإجماع والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار وجه الاستدلال به أن الاعتبار مشتق من العبور وهو المرور يقال عبرت عليه وعبرت النهر والمعبر الموضع الذي يعبر عليه والمعبر السفينة التي يعبر فيها كأنها أداة العبور والعبرة الدمعة التي عبرت من الجفن وعبر الرؤيا وعبرها جاوزها إلى ما يلازمها فثبت بهذه الاستعمالات كون الاعتبار حقيقة في المجاوزة فوجب أن لا يكون حقيقة في غيرها دفعا للاشتراك والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع فكان داخلا تحت

  3. الأمر

    ج ٥ ص ٢٧فإن قيل لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة بل هو عبارة عن الاتعاظ لوجوه أحدها أنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلى إنه معتبر وثانيها أن المتفكر في إثبات الحكم من طريق القياس إذا لم يتفكر في أمر معاده يقال إنه غير معتبر أو قليل الاعتبار وثالثها قوله تعالى إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وإن لكم في الأنعام لعبرة والمراد به الاتعاظ ورابعها يقال السعيد من اعتبر بغيره والأصل في الكلام الحقيقة فهذه الأدلة تدل على أن الاعتبار حقيقة في الاتعاظ لا في

    ج ٥ ص ٢٨المجاوزة فحصل التعارض بين ما قلتم وما قلناه فعليكم الترجيح ثم الترجيح معنا فإن الفهم أسبق إلى ما ذكرنا سلمنا أن ما ذكرتموه حقيقة ولكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة أن لا يكون هناك ما يمنع منه وقد وجد هاهنا ما يمنع فإنه لو قال يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الذرة على البر كان ركيكا لا يليق بالشرع

  4. وإذا كان كذلك ثبت أنه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقته سلمنا أنه لا مانع من حمله على المجاوزة لكن لا نسلم أن الأمر بالمجاوزة أمر بالقياس الشرعي وبيانه أن كل من تمسك بدليل على مدلول فقد عبر من الدليل إلى المدلول فمسمى الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلى القاطع وبالنص وبالبراءة الأصلية وبالقياس الشرعي فكل واحد من هذه الأنواع يخالف الآخر بخصوصيته وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له فاللفظ الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما

    ج ٥ ص ٢٩به الامتياز لا بلفظه ولا بمعناه فلا يكون دالا على النوع الذي ليس إلا عبارة عن مجموع جهة الاشتراك وجهة الامتياز فلفظ الاعتبار غير دال على القياس الشرعي لا بلفظه ولا بمعناه فإن قلت القدر المشترك بين أنواع مخصوصة لا يوجد إلا عند وجود واحد منها والأمر بالشئ أمر بما هو من ضروراته فالأمر بإدخال الاعتبار في الوجود أمر بإدخال أحد أنواعه في الوجود ثم ليس تعيين أحد أنواعه أولى من تعيين الباقي لأن نسبة القدر المشترك بين أنواع مخصوصة إلى كل واحد منها على السوية فإما أن لا يجب شئ منها وهو باطل لأن تجويز الإخلال بجميع أنواع الماهية يلزم تجويز الإخلال بتلك الماهية فيلزم أن لا يكون مسمى الاعتبار مأمورا به وهو باطل أو يجب جميع أنواع الاعتبار المأمور به في الآية فيكون القياس الشرعي مندرجا فيه

  5. قلت لا نسلم أنه ليس بعض الأنواع أولى من بعض لأن الاعتبار المأمور به في الآية لا يمكن أن يكون هو القياس الشرعي فقط وإلا لصار معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الذرة على البر ومعلوم أنه غير جائز بل لا بد من الاعتراف بأن الاعتبار المأمور به يفيد نوعا غير القياس الشرعي وهو الاتعاظ مثلا إلا أنا نقول إنه يفيد الاتعاظ فقط وأنتم تقولون يفيد الاتعاظ والقياس الشرعي فظهر بهذا أن الأمر بالاعتبار يستلزم الأمر بالاتعاظ ومسمى الاعتبار حاصل في الاتعاظ ففي إيجاب الاتعاظ حصل إيجاب

    ج ٥ ص ٣٠مسمى الاعتبار فلا حاجة إلى إيجاب سائر أنواعه وأيضا فنحن نوجب اعتبارات أخر أحدها إذا نص الشارع على علة الحكم فهاهنا القياس عندنا واجب وثانيها قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف وثالثها الأقيسة العقلية ورابعها الأقيسة في أمور الدنيا فإن العمل بها عندنا واجب وخامسها أن نشبه الفرع بالأصل في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص

  6. وسادسها الاتعاظ والانزجار بالقصص والأمثال فثبت بما تقدم أن الآتى بفرد من أفراد ما يسمى اعتبارا يكون خارجا عن عهدة هذا الأمر وثبت أنا أتينا به في صور كثيرة فلا تبقى فيه دلالة البتة على الأمر بالقياس الشرعي

    ج ٥ ص ٣١سلمنا أن اللفظ يقتضى العموم لكن حمله عليه هاهنا يفضي إلى التناقض لأن التسوية بين الفرع والأصل في الحكم نوع من الاعتبار والتسوية بينهما في أنه لا يستفاد حكم الفرع إلا من النص كما أنه في الأصل كذلك ولأنه نوع أخر من الاعتبار والأمر بأحد الاعتبارين مناف للأمر بالآخر فإجراء اللفظ على ظاهره يقتضى الأمر بالمتنافيين معا وهو محال ثم ليس إخراج أحد القسمين من تحت ظاهر العموم لإبقاء الآخر أولى من العكس وعليكم الترجيح ثم أنه معنا لأن تشبيه الفرع بالأصل في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص عمل بالاحتياط واحتراز عن الظن الذي لا يغني من الحق شيئا سلمنا بأن حمله على العموم لا يفضى إلى التناقض لكنه عام دخله التخصيص فوجب أن لا يكون حجة بيان الأول من وجوه

    ج ٥ ص ٣٢أحدهما أن الرجل لا يكون مأمورا بالاعتبار عند تعادل الأمارات وفي الأشياء التي ما نصب الله تعالى عليها دليلا كمقادير الثواب والعقاب وأجزاء السماوات والأرض وفي الأشياء التي عرف حكمها بالاعتبار مرة فالمكلف بعد ذلك لا يكون مأمورا بأعتبار آخر وثانيها لو قال لوكيله أعتق غانما لسواده فليس للوكيل أن يعتق سالما لسواده وثالثها أن عند قيام النص في المسألة لا يكون الرجل مأمورا بالعمل بالقياس ورابعها الأقيسة المتعارضة لا يتناولها الأمر فثبت أن هذا العام مخصوص ومثل هذا العام ليس بحجة على ما سبق بيانه في باب العموم سلمنا أنه حجة لكن حجة قطعية أو ظنية

    ج ٥ ص ٣٣الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أنكم إنما بينتم كون الاعتبار اسما للمجاوزة بتلك الاشتقاقات ولا شك أن التوسل بالاشتقاقات هذه إلى تعيين المسمى دليل ظنى ومسألة القياس مسألة يقينية وبناء اليقيني على الدليل المبنى على المقدمة الظنية لا يجوز

  7. سلنا أنه يفيد اليقين لكنه أمر والأمر لا يفيد التكرار فلا يتناول كل الأوقات سلمنا أنه يتناول كل الأوقات ولكنه خطاب مشافهة فيختص بالحاضرين في عصر الرسول ص والجواب قلنا جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجهين الأول أنه يقال فلان اعتبر فأتعظ فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار وذلك يوجب التغاير الثاني أن معنى المجاوزة حاصل في الاتعاظ فإن الإنسان ما لم يستدل بشئ آخر على حال نفسه لا يكون متعظا إذا ثبت هذا فنقول لو جعلناه حقيقة في المجاوزة لكان

    ج ٥ ص ٣٤حقيقة في الاتعاظ وغيره على سبيل التواطئ أما لو جعلناه حقيقة في الاتعاظ كان استعماله في غيره إما بالاشتراك أو بالمجاز وهما على خلاف الأصل وعلى هذا التقرير لا يضرنا قولهم إن لفظ الاعتبار مستعمل في الاتعاظ فأما قوله لا يقال لمن يستعمل القياس إنه معتبرا قلنا لا نسلم فإنه يصح أن يقال إن فلانا يعتبر الأشياء القعلية بغيرها بلى من أتى بقياس واحد لا يقال إنه معتبرا على الإطلاق كما أنه

  8. لا يقال له إنه قائس على الإطلاق لأن لفظ المعتبر والقائس على الإطلاق لا يستعمل إلا في المكثر منه قوله المكثر من حمل الفروع على الأصول إذا لم يتفكر في أمر آخرته لا يقال له إنه معتبر قلنا لما كان الغرض الأعظم من الاعتبار هو العمل للآخرة فإذا لم يأت بما هو المقصود الأصلى قيل أنه غير معتبر على سبيل المجاز كما يقال لمن لا يتدبر في الآيات إنه أعمى وأصم وأما قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة قلنا معنى المجاوزة حاصل فيه لأن النظر في خلقها يفيد العلم بوجود صانعها

    ج ٥ ص ٣٥قوله سلمناه أنه حقيقة في المجاوزة ولكن لكن وجد ما يمنع من حمله عليها قلنا لا نسلم قوله لو قال يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الذرة على البر كان ركيكا قلنا لا نزاع في أنه لو نص على هذه الصورة كان ركيكا لأنه لا مناسبة بين خصوص هذا القياس وبين قوله تعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين لكن لم قلت إنه لو أمر بمطلق الاعتبار الذي يكون القياس الشرعي أحد جزئياته كان ركيكا مثاله لو سأله عن مسألة فأجاب بما لا يتناول تلك المسألة كان باطلا أما لو أجاب بما يتناول تلك المسألة وغيرها كان حسنا

  9. قوله الأمر بالاعتبار لا يقتضى إلا إدخال فرد من أفراد هذه الماهية في الوجود قلنا بل يقتضى العموم لدليلين الأول أن ترتيب الحكم على المسمى يقتضى أن علة ذلك الحكم هو ذلك المسمى وذلك يقتضى أن علة الأمر بالاعتبار هو كونه اعتبارا فيلزم أن يكون

    ج ٥ ص ٣٦كل اعتبار مأمورا به الثاني أنه يحسن أن يقال اعتبر إلا الاعتبار الفلانى وقد بينا في باب العموم أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحت اللفظ فعلمنا أن كل الاعتبارات داخلة تحت هذا اللفظ قوله لو حملناه على العموم لا يفضي إلى التناقض قلنا هب أنه كذلك لكنا نقول لا يجوز أن يكون المراد منه تشبيه الفرع بالأصل في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص وذلك لوجهين الأول أن الاعتبار المذكور هاهنا لابد وأن يكون معناه لائقا بما قبل هذه الآية وما بعدها وإلا جاءت الركاكة والذي يليق به هو التشبيه في الحكم لا المنع منه وإلا لصار معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فلا تحكموا هذا الحكم في حق غيرهم إلا بنص وارد في حق ذلك الغير ومعلوم أن ذلك باطل وإذا بطل حمل الآية عليه وجب حملها على

  10. التشبيه في الحكم عملا بعموم اللفظ

    ج ٥ ص ٣٧الثاني هو أن المتبادر إلى الفهم من لفظ الاعتبار هو التشبيه في الحكم لا المنع منه ولذلك فإن السيد إذا ضرب بعض عبيده على ذنب صدر منه ثم قال للأخر اعتبر به فهم منه الأمر بالتسوية في الحكم لا الأمر بالمنع منه قوله إنه عام مخصوص قلنا هذا مسلم لكنا بينا في باب العموم ان العام المخصوص حجة قوله بعض مقدمات هذه الدلالة ظنية قلنا هذا السؤال عام في كل السمعيات فلا يكون له تعلق بخاصية هذه المسألة قوله الأمر لا يفيد التكرار قلنا إنه لما كان أمرا بجميع الأقيسة كان متناولا لا محالة لجميع الأوقات وإلا قدح ذلك في كونه متناولا لكل الأقيسة قوله هو خطاب مع أولئك الذين كانوا في عصر الرسول ص فلم قلتم إنه يتناولنا قلنا للإجماع على عدم الفرق

    ج ٥ ص ٣٨المسلك الثاني التمسك بخبر معاذ وهو مشهور روى أنه ص أنفذ معاذا

  11. وأبا موسى الأشعرى رضى الله عنهما إلى اليمن فقال عليه الصلاة والسلام لهما بما تقضيان فقالا إذا لم نجد الحكم في السنة نقيس الأمر بالأمر فما كان أقرب إلى الحق عملنا به فقال علية الصلاة والسلام أصبتما

    ج ٥ ص ٣٩وقال عليه الصلاة والسلام لأبن مسعود اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما فإن لم تجد الحكم فيهما فأجتهد برأيك فإن قيل لا نسلم صحة الحديث وبيانه من وجهين الأول أنه مشتمل على الخطأ فوجب أن لا يكون صحيحا بيان الأول من وجوه أحدها أن فيه قوله فإن لم تجد في كتاب الله وهو يناقض قوله تعالى ما

    ج ٥ ص ٤٠فرطنا في الكتاب من شئ وقوله تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وثانيها أن في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام صوبه على قوله أجتهد رأيي وهو خطأ لأن الاجتهاد في زمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز على ما سيأتي دليله إن شاء الله تعالى وثالثها أنه عليه الصلاة والسلام سأله عما به يقضى والقضاء هو الإلزام

  12. فيكون السؤال واقعا عن الشئ الذي يجب الحكم به والسنة لا تصلح جوابا عن ذلك لأنها تذكر في مقابلة الفرض هذا سنة وليس بفرض ورابعها أن الحديث يقتضى أنه سأله عما به يقضي بعد أن نصبه للقضاء وذلك لا يجوز لأن جواز نصه للقضاء مشروطا بصلاحيته للقضاء وهذه الصلاحية إنما تثبت لو ثبت كونه عالما بالشئ الذي يجب أن يقضى به والشئ الذي لا يجب أن يقضى به

    ج ٥ ص ٤١وخامسها أن مقتضى الحديث أنه لا يجوز الاجتهاد إلا عند عدم وجدان الكتاب والسنة وهو باطل لأن تخصيص الكتاب والسنة بالقياس جائز الوجه الثاني في بيان ضعف الحديث روى أن معاذا لما قال أجتهد رأيي قال له الرسول ص اكتب إلي أكتب إليك وليس لأحد أن يقول إنا نصحح الروايتين لأنهما نقلا في واقعة واحدة فإنه لا يمكن الجمع بينهما سلمنا سلامة المتن عن هذه المطاعن لكن لا نزاع بين المحدثين في كونه مرسلا والمرسل ليس بحجة على ما تقدم بيانه سلمنا أنه ليس بمرسل ولكنه ورد في إثبات القياس والاجتهاد وإنه

    ج ٥ ص ٤٢أصل عظيم في الشرع والدواعي تكون متوفرة على نقل ما هذا شأنه وما يكون كذلك وجب بلوغه في الاشتهار إلى حد التواتر فلما لم يكن كذلك علمنا أنه ليس بحجة

  13. والحاصل أنه مرسل فوجب أن لا يكون حجة عند الشافعي رضي الله عنه وأنه خبر وارد فيما تعم به البلوى فوجب أن لا يكون حجة عند أبي حنيفة سلامته عن هذا الأمر لكنه خبر واحد فلا يجوز التمسك به في المسائل القطعية فإن قلت الدليل على صحته أن مثبتى القياس كانوا أبدا متمسكين به في إثبات القياس والنفاة كانوا مشتغلين بتأويله وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله قلت قد تقدم بيان ضعف هذا الوجه سلمنا صحته فلم يدل على كون القياس حجة أما قوله أجتهد رأيي قلنا الاجتهاد عبارة عن استفراغ الجهد في الطلب فنحمله على طلب الحكم من النصوص الخفية فإن قلت إنما قال أجتهد رأيي بعد أن كان لا يجده في الكتاب

    ج ٥ ص ٤٣والسنة وما دلت النصوص الخفية عليه لا يجوز أن يقال إنه غير موجود في الكتاب والسنة قلنا لا نسلم أن قوله فإن لم تجده يقتضى العموم بيانه أنه يصح أن يستفهم فيقال أتعني بقولك فإن لم تجد عدم الوجدان في صرائحه فقط أم فيه وفي جميع وجوه دلالته سلمنا أنه بظاهرة للعموم لكن هاهنا لا يمكن حمله على العموم لأن العمل بالقياس مفهوم عندكم من الكتاب والسنة فكيف

  14. يصح حمل قوله فإن لم تجد على العموم سلمنا أنه يمكن حمله على العموم لكن قوله أجتهد رأيي يكفى في العمل بمقتضاه نوع واحد من الاجتهاد فنحمله على التمسك بالبراءة الأصلية أو على التمسك بما ثبت في العقل من أن الأصل في الأفعال الإباحة أو الحظر سلمنا أنه لا يجوز حمله عليه فلم قلتم إنه لما لم يجز حمله على النص الخفي وعلى دليل العقل وجب حمله على القياس الشرعي وما الدليل على الحصر فإن هاهنا طرقا أخرى سوى القياس كالتمسك بالمصالح المرسلة والتمسك بطريقة الاحتياط في تنزيل اللفظ على أكثر مفهوماته أو أقل مفهوماته أو قول الشارع احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب

    ج ٥ ص ٤٤وبالجملة فلابد من دليل على الحصر سلمنا أنه يتناول القياس الشرعي ولكن يكفي في العمل بمقتضاه إثبات نوع واحد من أنواع القياس الشرعي ونحن نقول به فإن مذهب النظام أن الشرع إذا نص على علة الحكم وجب القياس ورد الأمر بالقياس أو لم يرد ويجب أيضا قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف سلمنا أنه يدل على جواز العمل بالقياس الشرعي لكن في زمان حياة الرسول ص أو بعده على الإطلاق الأول مسلم والثاني ممنوع بيانه أن شرط العمل بالقياس عدم الوجدان في الكتاب والسنة وذلك إنما

  15. يمكن في زمان حياة الرسول ص لعدم استقرار الشرع فأما بعد نزول قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم فإن هذا متعذر لأن الدين إنما يكون كاملا أن لو بين فيه جميع ما يحتاج إليه وذلك إنما يكون بالتنصص سنة على كليات الأحكام وإذا كان جميع الأحكام موجودا في الكتاب والسنة وكان العمل بالقياس مشروطا بعدم الوجدان فيهما لم يجز العمل بالقياس بعد زمان الرسول ص

    ج ٥ ص ٤٥والجواب قوله هذا الحديث مناف لكتاب الله تعالى قلنا لا نسلم وأما قوله تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وقوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شئ قلنا هذه الأدلة تدل على اشتمال الكتاب على كل الأمور إبتداء أو بواسطة الأول باطل لخلو ظاهر كتاب الله تعالى عن دقائق الهندسة والحساب وتفاريع الحيض والوصايا والثاني لا يضرنا لأن كتاب الله تعالى لما دل على وجوب قبول قول الرسول ص وقول الرسول دل على أن القياس حجة والقياس دل على هذه الأحكام كان كتاب الله تعالى دالا على هذه الأحكام

  16. قوله الحديث يدل على جواز الاجتهاد في زمان الرسول ص قلنا وأي محذور يلزم منه فإن الواقعة التي لا يمكن تأخير الحكم فيها إلى مدة يذهب الرجل من اليمن إلى المدينة ويرجع عنها لا يكون تحصيل النص فيها ممكنا فوجب جواز الرجوع إلى القياس

    ج ٥ ص ٤٦قوله ذكر السنة جوابا عما به يقضى غير جائز قلنا لا نسلم لأن السنة عبارة عن الطريقة كيف كانت قوله لا يجوز نصبه للقضاء إلا بعد العلم بأنه يعرف التمييز بين ما يجوز به القضاء وبين ما لا يجوز قلنا المراد بقوله لما بعث معاذا إلى اليمن لما عزم على أن يبعثه قوله الحديث يمنع من تخصيص الكتاب والسنة بالقياس قلنا كثير من الناس ذهب إليه قوله نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال اكتب إلي أكتب إليك قلنا روايتنا مشهورة وروايتكم غريبة لم يذكرها أحد من المحدثين فلا يحصل التعارض وأيضا فكيف يجوز أن يقول عليه الصلاة والسلام اكتب إلي أكتب إليك وقد يعرض من الحكم مالا يجوز تأخيره وأيضا يمكن الجمع بينهما وإن وردا في واقعة واحدة وهو أن يقال الحادثة إن احتملت التأخير وجب عرضها

  17. وإن لم تحتمل وجب الاجتهاد قوله إنه مرسل

    ج ٥ ص ٤٧قلنا هب أنه كذلك لكنه مرسل تلقته الأمة بالقبول ومثله حجة عندنا قوله وارد فيما تعم به البلوى فوجب بلوغه إلى حد التواتر قلنا وروده فيما تعم به البلوى لا يوجب كونه متواترا بدليل المعجزات المنقولة عن النبي ص قوله إنه خبر واحد قلنا هب أنه كذلك لكن لا نثبت به القطع بكون القياس حجة بل ظن كونه حجة قوله نحمله على طلب النص الخفى قلنا قوله فإن لم تجد يقتضى نفي النص جليا كان أو خفيا

    ج ٥ ص ٤٨قوله لا نسلم أن قوله فإن لم تجد للعموم قلنا الدليل الدال على أنه للعموم جواز الاستثناء قوله لما دل الكتاب والسنة على العمل بالقياس كان دليلا على الحكم الثابت بالقياس قلنا هب أنه كذلك ولكن الحكم الذي هو مدلول القياس لا يكون حاصلا فيهما وهذا القدر يكفى في جواز أن يقال إنه غير موجود في الكتاب والسنة وقول معاذ أحكم بكتاب الله أراد به ما دل عليه الكتاب بنفسه لا بواسطة إذ لو أراد به كل ما دل عليه الكتاب سواء كان ابتداء أو بواسطة لكان القول بأنه إذا لم يوجد في الكتاب حكمت بما في السنة خطأ

  18. قوله نحمله على البراءة الأصلية قلنا البراءة الأصلية معلومة لكل احد فلا حاجة في معرفتها إلى الاجتهاد فلا يجوز حمل قوله أجتهد عليه قوله نحمله على القياس الذي نص الشرع على علته أو على ما يكون مثل قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف قلنا الشرع إنما سكت عند قوله أجتهد لعلمه بأن الاجتهاد واف بجميع الأحكام فلو حملناه على ما ذكرتموه من القياس لم يكن ذلك وافيا بمعرفة عشر عشير الأحكام فكان يجب أن لا يسكت عليه كما لم يسكت عند قوله أقضي بالكتاب والسنة

    ج ٥ ص ٤٩قوله ما الدليل على الحصر قلنا أجمعت الأمة على الحصر فوجب القطع به المسلك الثالث روى أن عمر رضي الله عنه سأل النبي ص عن قبلة الصائم فقال أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه وجه الاستدلال به أنه عليه الصلاة والسلام استعمل القياس وذلك يوجب كون القياس حجة إنما قلنا إنه استعمل القياس لأنه عليه الصلاة والسلام حكم بأن القبلة

    ج ٥ ص ٥٠من دون الإنزال لا تفسد الصوم كما أن المضمضة من دون الأزدراد عمرو لا تفسد الصوم وإيراد هذا الكلام يدل على أن الجامع بينهما ما يفهمه كل

  19. عاقل عند سماع هذا الكلام من أنه لم يحصل عند المقدمتين ما هو الثمرة المطلوبة فوجب أن لا يكون حكم المقدمة كحكم الثمرة المطلوبة وإنما قلنا إنه عليه الصلاة والسلام لما استعمل القياس وجب أن يكون حجة لوجهين الأول أن التأسي به واجب الثاني أن قوله ص أرأيت خرج مخرج التقرير فلولا أنه عليه الصلاة والسلام قد مهد عند عمر رضي الله عنه التعبد بالقياس لما قرر ذلك عليه ألا ترى أن الإنسان لو حكم بحكم من الكتاب جاز أن يقول لمن سأله عنه أليس قد قال الله تعالى كذا وكذا إذا كان الكتاب عنده وعند من يخاطبه حجة ولا يجوز أن يقول ذلك إذا كان هو ومن يخاطبه لا يعتقدان كونه حجة ولا يقول الإنسان في حكم حكم به لأجل القياس أليس أن القياس

    ج ٥ ص ٥١يقتضيه مع أنه ومن خاطبه لا يعتقدان كون القياس حجة فإن قيل هذا خبر واحد فلا يجوز بناء المسألة العلمية عليه سلمنا ذلك لكن لم قلت إنه عليه الصلاة والسلام نبه هاهنا على العلة ومثل هذا القياس عندنا حجة سلمنا دلالة الحديث على أن القبلة تجرى مجرى المضمضة لكن ليس فيه أن النص أوجب ذلك أو القياس وإذا احتملا لم يجز القطع على

  20. أحدهما بغير دليل والجواب قوله هذا خبر واحد قلنا سبق الجواب عنه قوله نبه على العلة قلنا إنه عليه الصلاة والسلام ما نص على العلة ولكنه لم يفعل إلا أنه ذكر أصل القياس بلى العلة متبادرة إلى الإفهام والتنصيص على

    ج ٥ ص ٥٢أصل القياس لا يكون تنصيصا على العلة قوله إنه ليس في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أجرى القبلة مجرى المضمضة لأجل نص أو لأجل قياس قلنا بينا أن المفهوم من قوله عليه الصلاة والسلام أرأيت لو تمضمضت هو أن كل واحد منهما لم يحصل الثمرة المطلوبة بذلك الفعل ولو أن بعض العامة فضلا عن أهل العلم استفتى فقيها في صائم قبل ولم ينزل فقال له الفقيه أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته لاكتفى المستفتى بذلك في أن القبلة لا تفسد صومه ولعلم أنه أجرى أحدهما مجرى الآخر من الوجه الذي ذكرناه فبطل أن يقال إن هذا الكلام لا يدل على الوجه الجامع بينهما وأنه لا يمتنع أن يكون بعض الظواهر اقتضى الجمع المسلك الرابع التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين قضيته أكان يجزي فقالت نعم قال فدين الله أحق بالقضاء

    ج ٥ ص ٥٣ووجه الاستدلال به كما في قبلة الصائم من غير تفاوت المسلك الخامس الإجماع وهو الذي عول عليه جمهور الأصوليين وتحريره أن العمل بالقياس مجمع عليه بين الصحابة وكل ما كان مجمعا عليه بين الصحابة فهو حق فالعمل بالقياس حق

    ج ٥ ص ٥٤أما المقدمة الثانية فقد مر تقريرها في باب الإجماع وأما المقدمة الأول فالدليل عليها أن بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به ولم يظهر من أحد منهم الإنكار على ذلك ومتى كان كذلك كان الإجماع حاصلا فهذه مقدمات ثلاث المقدمة الأولى في بيان أن بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به والدليل عليه وجوه أربعة الوجه الأول ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعرى في رسالته المشهورة اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك وهذا صريح في المقصود

    ج ٥ ص ٥٥الوجه الثاني أنهم صرحوا بالتشبيه لأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه

  21. أنكر على زيد قوله الجد لا يحجب الأخوة فقال ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا ومعلوم أنه ليس مراده تسمية الجد أبا لأن ابن عباس رضي الله عنهما

    ج ٥ ص ٥٦لا يذهب عليه مع تقدمه في اللغة أن الجد لا يسمى أبا حقيقة ألا ترى أنه ينفي عنه هذا الاسم فيقال إنه ليس أبا للميت ولكنه جده فلم يبق إلا أن مراده أن الجد بمنزلة الأب في حجبه الإخوة كما أن ابن الابن بمنزلة الابن في حجبهم وعن على وزيد أنهما شبهاهما قبل بغصني شجرة وجدولى يحيى نهر فعرفا بذلك قربهما من الميت ثم شركا بينهما في الميراث الوجه الثالث أنهم اختلفوا في كثير من المسائل وقالوا فيها أقوالا ولا يمكن أن تكون تلك الأقوال إلا عن القياس واعلم أن الأصوليين أكثروا من تلك المسائل إلا أن أظهرها أربع إحداها مسألة الحرام فإنهم قالوا فيها خمسة أقوال فنقل عن على وزيد وابن

    ج ٥ ص ٥٧عمر رضي الله عنهم أنه في حكم التطليقات الثلاث وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه في حكم التطليقة الواحدة إما بائنة أو رجعية على اختلاف بينهم وعن أبي بكر وعمر وعائشة رضى الله عنهم أنه يمين تلزم فيه الكفارة

  22. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه في حكم الظهار وعن مسروق رحمه الله أنه ليس بشئ لأنه تحريم لما أحله الله تعالى فصار كما لوا قال هذا الطعام على حرام والمرتضى روى هذا القول عن علي رضي الله عنه وثانيتها أنهم اختلفوا في الجد مع الإخوة فبعضهم ورث الجد مع الإخوة وبعضهم أنكر ذلك والأولون اختلفوا فمنهم من قال إنه يقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة

    ج ٥ ص ٥٨خيرا له من الثلث فأجراه مجرى الأم ولم ينقص حقه عن حقها لأن له مع الولادة تعصيبا ومنهم من قال إنه يقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة خيرا له من السدس وأجراه مجرى الجدة في أن لا ينقص من حقها السدس وثالثتها اختلافهم في مسألة المشتركة وهى زوج وأم وإخوة لأم وإخوة لأب وأم حكم عمر رضي الله عنه فيها بالنصف للزوج وبالسدس للأم وبالثلث للإخوة من الأم ولم يعط للإخوة من الأب والأم شيئا فقالوا هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة فشرك بينهم وبين الإخوة من الأم في الثلث ورابعتها اختلافهم في الخلع هل يهدم من الطلاق شيئا أو يبقى عدد الطلاق على ما كان

  23. ففي إحدى الروايتين عن عثمان رضى الله عنه أنه طلاق والرواية

    ج ٥ ص ٥٩الأخرى أنه ليس بطلاق وهو محكى عن ابن عباس وإذا عرفت هذه المسائل فنقول إما أن يكون ذهاب كل واحد منهم إلى ما ذهب إليه لا عن طريق أو عن طريق والأول باطل لأن الذهاب إلى الحكم لا عن طريق باطل فلو اتفقوا عليه كانوا متفقين على الباطل وإنه غير جائز وأما إن ذهبوا إليها عن طريق فذلك الطريق إما أن يكون هو العقل أو السمع والأول باطل لأن حكم العقل في المسألة شئ واحد وهو البراءة الأصلية وهذه أقاويل مختلفة أكثرها يخالف حكم العقل وأما الثاني فلا يخلو إما أن يكون ذلك الدليل نصا أو غيره أما النص فسواء كان قولا أو فعلا وسواء كان جليا أو خفيا فالقول به باطل لأنهم لو قالوا بتلك الأقاويل لنص لأظهروه ولو أظهروه لاشتهر ولو اشتهر لنقل ولو نقل لعرفه الفقهاء والمحدثون ولما لم يكن كذلك علمنا أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل لأجل نص

    ج ٥ ص ٦٠وإنما قلنا إنهم لو قالوا بتلك الأقاويل لأجل نص لأظهروه لأنا نعلم بالضرورة أنه كان من عاداتهم إعظام نصوص الرسول ص

  24. واستعظام مخالفتها حتى نقلوا منها ما لا يتعلق به حكم كقوله عليه الصلاة والسلام نعم الإدام الخل وكان من عادتهم أيضا التفحص عن نصوص الرسول عليه الصلاة والسلام والحث على نقلها إليهم ليتمسكوا الرحمن بها إن كانت موافقة لمذاهبهم أو ليرجعوا عن مذاهبهم إن كانت مخالفة لها وليس يجوز فيمن هذه عادته أن يحكم في قضية بحكم لنص ثم يسكت عن ذكر ذلك النص وذلك معلوم بالضرورة وبهذا الطريق ثبتت المقدمة الثانية وهى قولنا لو أظهر النص لاشتهر ولو اشتهر لنقل ولو نقل لعرفه الفقهاء والمحدثون وأما أن ذلك لم ينقل فلأنا بعد البحث التام والطلب الشديد والمخالطة للفقهاء والمحدثين ما وجدنا في ذلك ما يدل على نقلها وذلك يدل على عدمها

    ج ٥ ص ٦١فثبت أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل لأجل نص وإذا بطل ذلك ثبت أنه لأجل القياس الوجه الرابع نقل عن الصحابة القول بالرأى والرأى هو القياس وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأى لأنه روى عن أبي بكر أنه قال في الكلالة أقول فيها برأيي وفي الجنين لما سمع الحديث لولا هذا لقضينا فيه برأينا وقول عثمان لعمر رضي الله عنهما في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك فرأيك رشيد وإن تتبع رأى من قبلك فنعم ذو الرأى كان

  25. وعن على رضى الله عنه اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد على أن لا تباع وقد رأيت الآن بيعهن وعن ابن مسعود رضي الله عنه في قصة بروع أقول فيها برأيي وإنما قلنا إن الرأى عبارة عن القياس لأنه يقال للإنسان أقلت هذا برأيك أم بالنص فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر وذلك يدل على

    ج ٥ ص ٦٢أن الرأى لا يتناول الاستدلال بالنص سواء كان جليا أو خفيا فثبت بهذه الوجوه الأربعة إن بعض الصحابة ذهب إلى القول بالقياس والعمل به وأما المقدمة الثانية وهى أنه لم يوجد من أحدهم إنكار أصل القياس فلأن القياس أصل عظيم في الشرع نفيا وإثباتا فلو أنكر بعضهم لكان ذلك الإنكار أولى بالنقل من اختلافهم في مسألة الحرام والجد ولو نقل لاشتهر ولوصل إلينا فلما لم يصل إلينا علمنا أنه لم يوجد وتقرير مقدمات هذا الكلام ما تقدم مثله في المقدمة الأولى وأما المقدمة الثالثة وهى أنه لما قال بالقياس بعضهم ولم ينكره أحد منهم فقد انعقد الإجماع على صحته فالدليل عليه أن سكوتهم إما أن يقال أنه كان عن الخوف أو عن الرضا والأول باطل لأنا نعلم من حال الصحابة شدة انقيادهم للحق لا سيما فيما لا

    ج ٥ ص ٦٣يتعلق به رغبة ولا رهبة في العاجل أصلا وذلك يمنع من حمل السكوت على الخوف وأيضا فلأن بعضهم خالف البعض في المسائل التي حكيناها ولو كان هناك خوف يمنعهم من إظهار ما في قلوبهم لما وقع ذلك فثبت أن سكوتهم كان عن الرضا وذلك يوجب كون القياس حجة وإلا لكانوا مجمعين على الخطأ وإنه غير جائز هذا تحرير الأدلة فإن قيل لا نسلم ذهاب أحد من الصحابة إلى القول بالقياس والوجوه الأربعة المذكورة لا يزيد رواتها على المائة والمائتين وذلك لا يفيد القطع بالصحة لاحتمال تواطؤ هذا القدر على الكذب كيف والأحاديث التي يتمسك بها أهل الزمان في المسائل الفقهية مشهورة فيما بين الأمة إلا أن روايتها في الأصل لما انتهت إلى الواحد والإثنين لا جرم لم نقطع به فكذا هاهنا فإن قلت الأمة في هذه الروايات على قولين منهم من قبلها واعترف بدلالتها على القياس ومنهم من اشتغل بتأويلها وذلك يدل على اتفاقهم على قبولها قلت قد مر غير مرة أن هذا الطريق لا يفيد الجزم بصحتها سلمنا صحة هذه الروايات لكن لا نسلم دلالتها على ذهابهم إلى القول بالقياس والعمل به

    ج ٥ ص ٦٤وأما الوجه الأول

  26. وهو قول عمر رضي الله عنه اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك قلنا التمسك إما أن يكون بقوله اعرف الأشباه والنظائر أو بقوله قس الأمور برأيك أما الأول فلا حجة فيه لأن الله تعالى لما نص على حكم كل جنس ونوع وجب على المستدل معرفة الأشباه والنظائر لئلا يخرج منه ما هو من جنسه ولا يدخل فيه ما هو من غير جنسه وقد يشتبه الشئ بالشئ فلا بد من التأمل الكثير ليعرف أنه من جنسه أو من غير جنسه وأما الثاني وهو قوله قس الأمور برأيك فلا يدل أيضا على الغرض لأن القياس في أصل اللغة عبارة عبارة عن التسوية فقوله قس الأمور برأيك معناه اعرض الأشيا على فكرتك وتأملك وكان لأن التفكير في الشئ لا معنى له إلا استحضار علوم أو ظنون ليتوصل بها إلى تحصيل علوم أو ظنون فالمتفكر روى كأنه يريد التسوية بين المطلوب المجهول وبين المقدمات المعلومة ليصير المجهول معلوما وهذا التأويل متعين لأن الرأى هو الروية فقوله قس الأمور برأيك معناه سو الأشياء برويتك ولم وتسوية الأشياء بالروية ليست إلا ما ذكرنا فيرجع حاصل الأمر إلى أنه أمره بأن لا يحكم بمجرد التشهى والتمني بل بالاستدلال

    ج ٥ ص ٦٥والنظر وذلك ليس من القياس الشرعي في شئ سلمنا أن المراد منه الأمر بتشبيه الفرع بالأصل لكن يحتمل أن يكون المراد التشبيه في ثبوت ذلك الحكم وأن يكون المراد منه التسوية في أنه كما لا يثبت حكم الأصل إلا بالنص فكذا حكم الفرع لا يثبت إلا

  27. بالنص فلم قلت إن الاحتمال الأول أولى من الثاني وأما الوجه الثاني وهو تشبيه ابن عباس قلنا لم قلت إن المراد أنه جمع بين الأمرين بعلة قياسية ولم لا يجوز أن يكون ذلك لأجل أنه كما سمى النافلة بالابن مجازا واكتفى بهذا الاسم المجازي في اندراج النافلة تحت عموم قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم وكذلك سمى الجد أبا مجازا حتى يكفى هذا في اندراجه تحت عموم قوله تعالى وورثه أبواه والذي يؤكد هذا الاحتمال أن ابن عباس نسب زيدا إلى مفارقة التقوى

    ج ٥ ص ٦٦وتارك القياس لا يكون كذلك بل تارك النص يكون كذلك وإنما يكون زيد تاركا للنص لو كان الأمر على ما قلنا وأما الوجه الثالث فالكلام عليه أنه ألا يجوز أن يقال إن ذهاب كل واحد إلى ما ذهب إليه في تلك

    ج ٥ ص ٦٧المسائل كان لتمسكه بنص ظنه دليلا على قوله سواء أصاب في ذلك الظن أو أخطأ فيه قوله لو كان كذلك لأظهروا ذلك النص ولاشتهر ولنقل ولوصل إلينا فلما لم يصل إلينا علمنا عدمه قلنا هذه المقدمات بأسرها ممنوعة قوله علمنا بالضرورة شدة تعظيمهم لنصوص الرسول عليه الصلاة والسلام ويمتنع ممن هذه حاله أن يحكم بحكم لأجل نص ثم أنه لا يذكره

  28. قلنا لا نسلم أن شدة تعظيمهم للنص يقتضى إظهار النص الذي لأجله ذهبوا إلى ذلك القول بيانه أن شدة التعظيم إنما تقتضى إظهار النص عند الحاجة إلى إظهاره وهم ما احتاجوا إليه لأن الحاجة إما أن تكون عند المناظرة أو مع المستفتى والأول باطل لأنهم لم يجتمعوا في محفل لأجل المناظرة في تلك المسائل وما كانت عادتهم جارية بالاجتماع على المناظرات والمجادلات وأما المستفتى فلا فائدة من ذكر الدليل معه سلمنا أن شدة تعظيمهم للنص تقتضى إظهار النص ولكن بشرط أن يكون السامع بحيث يمكنه الانتفاع به ولم يوجد هذا الشرط هناك لأنه إذا روى ذلك النص كان ذلك النص خبر واحد في حق السامع وخبر الواحد ليس بحجة فلا فائدة إذا في إظهار هذا النص

    ج ٥ ص ٦٨سلمنا أنه يجب إظهاره ولكن إذا كان النص جليا أو مطلقا سواء كان جليا أو خفيا الأول مسلم والثاني ممنوع بيانه إن الإنسان إنما يدعوه الداعي إلى إظهار دليل مذهبه إذا كان ذلك الدليل ظاهرا قويا أما إذا كان خفيا فقد لا يدعوه الداعي إلى إظهاره وبالجملة فأنتم المستدلون فعليكم إقامة الدلالة على أن يجب إظهاره سواء كان قويا أو ضعيفا

  29. سلمنا ما ذكرتموه لكن نعارضه فنقول لو كان ذهابهم إلى مذاهبهم لأجل القياس لوجب عليهم إظهاره ولكن لم يقل عن أحد من الصحابة القياس الذي لأجله ذهب إلى ما ذهب إليه فإن قلت الفرق أن القياس لا يجب اتباع العالم فيه والنص يجب اتباعه فيه قلت القياس إذا كان ظاهرا جليا فلا نسلم أنه لا يجب الاتباع فيه ولولا ذلك لما حسنت المناظرة فيه بين القائسين سلمنا أنهم لو تمسكوا بالنصوص لأظهروها بين فلم قلت إنهم لو

    ج ٥ ص ٦٩أظهروها لاشتهر فإن ذلك ليس من الوقائع العظام التي يمتنع أن لا تتوفر الدواعي على نقلها فأن قلت لما توفرت دواعيهم على نقل مذاهبهم مع أنه لا فائدة فيها فلأن تتوفر دواعيهم على نقل تلك الأدلة مع ما فيها من الفوائد كان أولى قلت إنا لم نقل إن الأمور التي لا تكون عظيمة يمتنع نقلها حتى يكون ما ذكرتموه لازما علينا بل قلنا أنه لا يجب نقلها ولا يمتنع أيضا سلمنا أنه من الوقائع العظيمة لكن لم قلت إنه يجب نقله والدليل عليه أن معجزات الرسول ص على جلالة قدرها وأمر الإقامة في الأفراد والتثنية على نهاية ظهورها لم ينقله إلا الواحد والإثنان وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن لا ينقله ذلك الواحد أيضا سلمنا أنها لو اشتهرت لنقلت لكن لا نسلم أنها ما نقلت قوله لو نقلت لعرفناها أهل قلنا إما أن تدعى أن كل ما نقل عن الرسول ص

  30. وجميع أصحابه فلا بد وأن تعلمه أنت أو تدعي أنه لا بد وأن يوجد في زمانك من يعلمه أما الأول فلا يقول به إنسان سليم العقل وأما الثاني فمسلم ولكن كيف عرفت أنه ليس في زمانك من يعلم تلك النصوص فإن كل أحد إنما يعلم حال نفسه لا حال غيره سلمنا أنه لو نقل لعرفه كل واحد منا لكن لا نسلم أنا لا نعرفه فلنتكلم

    ج ٥ ص ٧٠في مسألة الحرام فنقول أما من ذهب إلى كونه يمينا فيحتمل أنه إنما ذهب إليه استدلالا بقوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم وانه عليه الصلاة والسلام حرم على نفسه مارية القبطية فأنزل الله تعالى هذه الآية وسماه يمينا ومن ذهب إلى أنه لا اعتبار به تمسك بقوله تعالى لا تحرموا طيبات ما أحل لكم والنهي يدل على الفساد أو بالبراءة الأصلية ومن ذهب إلى أنه للطلقات حديث الثلاث زعم أنه قد يجعل كناية عن الطلقات الثلاث فوجب تنزيله على أعظم أحواله وهو الطلقات الثلاث

    ج ٥ ص ٧١ثم أدخله تحت قوله تعالى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ومن ذهب إلى أنه للطلقة الواحدة نزله على أقل أحواله ومن جعله ظهارا جعله كناية عنه والكنايات في اللغة ليست عبارة عن القياس الشرعي

  31. سلمنا أن قولهم بتلك المذاهب ليس للنص فلم قلتم إنه لا بد وأن يكون للقياس فما الدليل على نفى الواسطة ثم إنا نتبرع بذكر الوسائط منها تنزيل اللفظ على أقل المفهومات أو على الأكثر ومنها استصحاب الحال ومنها المصالح المرسلة الخالية عن شهادة الأصول ومنها الاستقراء والفرق بينه وبين القياس أن الاستقراء عبارة عن إثبات الحكم في كلى لثبوته في بعض جزئياته والقياس عبارة عن إثباته في جزئي لأجل ثبوته في جزئي آخر ومنها إنه كان من مذهبه أن مجرد قوله حجة ومستند ذلك الوهم إلى أن قول بعض الأنبياء حجة فيكون قول هذا العالم حجة بيان الأول قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على

    ج ٥ ص ٧٢نفسه أضاف التحريم إليه بيان الثاني قوله عليه الصلاة والسلام علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فهذه الشبهة تقتضى أن يكون مجرد قول العالم حجة فلعل هذه الشبهة خطرت ببالهم ومنها الإجماع فإن قلت حصول الإجماع في محل الخلاف محال قلت المقصود من ذكر الإجماع بيان ثبوت الواسطة بين النص

  32. والقياس في الجملة فهذا هو الكلام على الوجه الثالث وأما الوجه الرابع وهو أن الصحابة قالت بالرأى والرأى هو القياس فنقول لا نسلم أن الرأى هو القياس والدليل عليه وجوه

    ج ٥ ص ٧٣الأول أنه يقال رأى يرى رؤية ورأيا فدل هذا على انه مرادف للرؤية فإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون حقيقة في القياس دفعا للاشتراك وإذا ثبت أنه ما كان في أصل اللغة للقياس وجب أن لا يكون في عرف الشرع له لأن النقل خلاف الأصل الثاني لو كان الرأى اسما للقياس لكان اللفظ المشتق منه دليلا على

    ج ٥ ص ٧٤القياس وكان يجب أن يكون قولنا فلان يرى كذا معناه أنه يقيس ومعلوم أن ذلك باطل لأن من يذهب إلى الرؤية والصفات وخلق الأعمال يجوز أن يحكى عن نفسه أنى أرى القول بهذه الأشياء وعمن يشاركه في المذهب إنه يرى القول بها الثالث أنكم رويتم عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال في الكلالة أقول فيها برأيي ومعلوم أن تفسير اللفظة اللغوية لا يكون بالقياس فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الرأى ليس اسما للقياس وأما الذي تمسكتم به من أنه يقال أقلت هذا عن رأيك أو عن

  33. النص قلنا أقصى ما في الباب أن يدل هذا الاستعمال على أن الرأى غير النص لكن من أين يدل على إنه لما كان غير النص وجب أن يكون قياسا بيانه أن النص هو اللفظ الدال على الحكم دلالة ظاهرة جلية فما لا يكون كذلك لا يكون نصا فلا يلزم من كون الرأى خارجا عن النص أن لا يكون ذلك الاستدلال لفظيا لاحتمال إنه لما كان خفيا لا جرم لا يسمى بالنص

    ج ٥ ص ٧٥سلمنا أن مسمى الرأى ليس هو النص فلم قلتم إنه هو القياس وما الدليل على هذا الحصر فهذا هو الكلام المختصر على الوجوه الأربعة المذكورة في تقرير المقدمة الأولى سلمنا أن بعض الصحابة قال بالقياس أو عمل به فلم قلت إن أحدا منهم ما أنكره قوله لو أنكروه لاشتهر ولنقل ولوصل إلينا قلنا الكلام على هذه المقدمات قد مر والذي نقوله الآن أنا لا نسلم أنه ما وصل ذلك الإنكار إلينا فإنه نقل عنهم تارة إنكار الرأى وأخرى إنكار القياس وأخرى ذم من أثبت الحكم لا بالكتاب والسنة روى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وعن عمر رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء

  34. السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا

    ج ٥ ص ٧٦وعنه رضى الله عنه إياكم والمكايلة قيل وما المكايلة قال المقايسة وعن شريح قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يومئذ من قبله قاض اقض بما في كتاب الله تعالى فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول الله ص فإن جاءك ما ليس فيها فاقض بما أجمع عليه أهل العلم فإن لم تجد فلا عليك أن تقضي وعن على لو كان الدين يؤخذ بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره

    ج ٥ ص ٧٧وروى عنه من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه وهذا أيضا يروى عن عمر رضي الله عنه وعن ابن عباس يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم وقال إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرمه الله تعالى وحرمتم كثيرا مما حلل الله

    ج ٥ ص ٧٨وقال إن الله تعالى قال لنبيه ص فاحكم بينهم بما أنزل الله ولم يقل بما رأيت وقال لو جعل لأحدكم أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول الله ص

  35. ولكن قيل له وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقال إياكم والمقاييس فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وعن ابن عمر رضي الله عنه السنة ما سنة رسول الله ص لا تجعلوا الرأى سنة للمسلمين وعن مسروق لا أقيس شيئا بشئ أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها وكان ابن سيرين يذم القياس ويقول أول من قاس إبليس وقال الشعبي لرجل لعلك من القياسيين وقال إن أخذتم بالقياس أحللتم الحرام وحرمتم الحلال فثبت بهذه الروايات تصريح الصحابة والتابعين بإنكار الرأى والقياس فإن قلت هؤلاء الذين نقلت عنهم المنع من القياس هم الذين

    ج ٥ ص ٧٩دللنا على ذهابهم إلى القول به فلا بد من التوفيق وذلك بأن نصرف الروايات المانعة من القياس إلى بعض أنواعه وذلك حق لأن العمل بالقياس لا يجوز عندنا إلا بشرائط مخصوصة قلت هب أن الذين نقلنا عنهم المنع من القياس هم الذين دللتم على أنهم كانوا عاملين به إلا أنا نقلنا عنهم التصريح بالرد والمنع على الإطلاق من غير تقييد بصورة خاصة وانتم ما نقلتم عنهم التصريح بالقول بل رويتم عنهم أمورا ثم دللتم بوجوه دقيقة غامضة على إن تلك الأمور دالة على قولهم بالقياس ومعلوم أن التصريح بالرد أقوى مما ذكرتموه فكان قولنا راجحا سلمنا عدم الترجيح من هذا الوجه لكن كما أن التوفيق الذي ذكرتموه

  36. ممكن فهاهنا توفيق آخر وهو أن يقال إن بعضهم كان قائلا بالقياس حين كان البعض الآخر منكرا له ثم لما انقلب المنكر مقرا انقلب المقر أيضا منكرا وعلى هذا التقدير يكون كل واحد منهم مادحا للقياس وذاما له من غير تناقض مع أنه لا يحصل الإجماع سلمنا أن بعض الصحابة قال بالقياس وأن أحدا منهم ما أظهر الإنكار فلم قلتم يحصل الإجماع

    ج ٥ ص ٨٠وبيانه أن السكوت قد يكون للخوف والتقية قوله القول بالقياس ليس سببا لنفع دنيوى فكيف يحصل الخوف من إنكار الحق فيه قلنا لا نسلم عدم الخوف هناك قال النظام في هذا المقام الصحابة ما اجمعوا على القياس بل القائل به قوم معدودون وهم عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وأبى وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو موسى وأناس قليل من أصاغر الصحابة والباقون ما كانوا عاملين به ولكن لما كان فيهم عمر وعثمان وعلى وهؤلاء لهم سلطان ومعهم الرغبة والرهبة شاع ذلك في الدهماء وانقادت لهم العوام فجاز للباقين السكوت على التقية لأنهم قد علموا أن إنكارهم غير مقبول

    ج ٥ ص ٨١قال والذي يدل عليه أنه

  37. قال في الفتيا عبد الله بن عباس والعباس أكبر منه ولم يقل في الفتيا شيئا من غير عجز ولا عى ولا غيبة عن شئ شهده أبنه وقال في الفتيا عبد الله بن الزبير والزبير أعظم منه ولم يقل فيه شيئا وكان أبو عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام فقال معاذ ولم يقل أبو عبيدة

    ج ٥ ص ٨٢مع أن أبا عبيدة أعظم منه فإنه قال عليه الصلاة والسلام أبو عبيدة أمين هذه الأمة وكيف يقال كان الخوف زائلا وابن عباس قال هبته وكان الله مهيبا وأيضا فإن الرجل العظيم إذا أختار مذهبا فلو أن غيره أبطل ذلك المذهب عليه فإنه يشق عليه غاية المشقة ويصير ذلك سببا للعداوة الشديدة قوله لو كان الخوف مانعا من المخافة لما خالف بعضهم بعضا في مسألة الجد والحرام قلنا القياس أصل عظيم في الشرع نفيا وإثباتا فكان النزاع فيه أصعب من النزاع في فروع الفقه ولذلك نرى في المختلفين في مسألة القياس يضلل بعضهم بعضا والمختلفين في الفروع لا يفعلون ذلك سلمنا أن أسباب الخوف ما كانت ظاهرة ولكن أجمع المسلمون على أنهم ما كانوا معصومين فكيف يمكننا القطع باحترازهم عند عن كل ما لا ينبغي غاية ما في الباب حسن الظن بهم ولكن ذلك يكفى في القطعيات سلمنا زوال الخوف ولكن لعلهم سكتوا لأنه ما ظهر لهم كون القياس

  38. حقا ولا باطلا فكان فرضهم السكوت

    ج ٥ ص ٨٣أو أنهم عرفوا كونه خطأ لكنهم اعتقدوا أنه من الصغائر فلا يجب الإنكار على العامل به ولأن كل واحد منهم اعتقد في غيره أنه أولى بإظهار الإنكار سلمنا أنهم بأسرهم رضوا لكن حصل الرضا دفعة واحدة أولا دفعة واحدة الأول مما لا يعرفه إلا الله تعالى لأنهم ما جلسوا في محفل واحد قاطعين بصحته دفعة واحدة والثاني لا يفيد الإجماع لأنه ربما كان الأمر بحيث لما صار البعض راضيا بقلبه صار الآخر متوقفا فيه أو منكرا عليه بالقلب وذلك يمنع من انعقاد الإجماع فإن قلت هذا الاحتمال يمنع من انعقاد الإجماع قلت لا نسلم فإن أهل الإجماع كانوا قليلين في زمان الصحابة وكان يمكنهم أن يجتمعوا في محفل واحد ويقطعوا بالحكم فيكون ذلك الإجماع خاليا عن هذا الاحتمال أما إذا لم يجتمعوا في محفل واحد فإذا سئل بعضهم فأفتى به ثم أنه سئل إنسان آخر في بلد آخر فلعل المفتى الأول رجع عن فتواه حينما أفتى به المفتى الثاني وحينئذ لا يتم الإجماع

    ج ٥ ص ٨٤وهذا سؤال أهل الظاهر ولهذا قالوا لا حجة إلا في إجماع الصحابة

  39. سلمنا انعقاد الإجماع على قياس ما لكن لم ينقل إلينا أنهم أجمعوا على النوع الفلانى من القياس أو على كل أنواعه ولم يلزم من انعقاد الإجماع على صحة نوع انعقاده على صحة كل نوع فإذن لا نوع إلا ويحتمل أن يكون النوع الذي أجمعوا عليه هو هذا النوع وأن يكون غيره وإذا كان كذلك صار كل أنواعه مشكوكا فيه فلا يجوز العمل بشئ منه فإن قلت الأمة على قولين منهم من أثبت القياس ومنهم من نفاه وكل من أثبته فقد أثبت النوع الفلانى مثلا فلو أثبتنا قياسا غير هذا النوع كان خرقا للإجماع قلت لا نسلم أن كل من أثبت نوعا من القياس أثبت نوعا معينا منه لأن القياس إما أن يكون مناسبا أو لا يكون وكل واحد من القسمين مختلف فيه أما المناسب فرده قوم قالوا لأن مبناه على تعليل أحكام الله تعالى بالحكم والأغراض وأنه غير جائز

    ج ٥ ص ٨٥وأما غير المناسب فقد ردة الأكثرون فثبت أنه ليس هاهنا قياس مقبول بإجماع القايسين سلمنا إنعقاد إجماع القائسين على نوع واحد ولكن لم لا يجوز أن يكون ذلك هو قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف وما إذا نص الله تعالى على العلة فإن هذا القياس عندنا حجة

  40. سلمنا انعقاد الإجماع على جواز العمل بالقياس في زمان الصحابة فلم يجوز في زماننا والفرق أن الصحابة لما شاهدوا الرسول ص والوحى فربما عرفوا بقرائن الأحوال أن المراد من الحكم الخاص بصورة معينة رعاية الحكمة العامة فلا جرم جاز منهم التعبد به وأما غير الصحابة فإنهم لما لم يشاهدوا الوحى والرسول والقرائن لم يكن حالهم كحال الصحابة فإن قلت كل من جوز العمل بالقياس للصحابة جوزه لغيرهم قلت كيف يقطع بأنه ليس في فرق الأمة على كثرتها أحد يقول بهذا الفرق مع وضوحه غايته أنا لا نعرف أحدا قاله لكن عدم العلم بالشئ لا يقتضى العلم بعدمه

    ج ٥ ص ٨٦والجواب أن أصحابنا ذهبوا إلى أن الروايات المذكورة في اختلافهم في مسألة الجد والحرام والمشركة والإيلاء والخلع وتقدير الحد بشرب الخمر وقياس العهد على العقد وقول الصحابة على بالتشبيه والرأى وما نقل من الأحاديث في القياس كخبر معاذ وابن مسعود وخبر الخثعمية والسؤال عن قبلة الصائم وأمر عمر أبا موسى بالقياس وقول ابن عباس بالتشبيه قد بلغ مجموعها إلى حد التواتر فإن من خالط أهل الأخبار وطالع كتبهم قطع بصحة شئ من هذه الأخبار فإنها بأسرها يمتنع أن تكون كذبا وأى واحد منها صح صح القول بالقياس