فصل: في بقية كبراء الصحابة

١٬٨٧٥ فقرة، ج ٤ ص ٥

الصفحة ١٢ من ٤٧

  1. الواقدي: حدَّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، وآخر قالا: لما حصر عثمان، أتاه زيد بن ثابت، فدخل عليه الدار. فقال له عثمان: أنت خارج الدار أنفع لي منك ههنا، فذُبَّ عنِّي، فخرج فكان يذُبُّ الناس ويقول لهم فيه، حتى رجع أناس من الأنصار، وجعل يقول: يا للأنصار، كونوا أنصار لله مرتين، انصروه، والله إنَّ دمه لحرام.

    ج ٤ ص ٧١
  2. فجاء أبو حية المازني مع ناس من الأنصار، فقال: ما يصلح معك أمر، فكان بينهما كلام وأخذ بتلبيب زيد هو وأناس معه، فمرَّ به ناس من الأنصار، فلمَّا رأوهم أرسلوه، وقال رجل منهم لأبي حية: أتصنع هذا برجل لو مات الليلة، ما دريت ما ميراثك من أبيك (٢) .

    قال الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما.

  3. أخرجه الدارمي.

    ج ٤ ص ٧٢وقال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض؛ لرأيت أنها ستذهب من الناس.

  4. وروى سعيد بن عامر، عن حميد بن الأسود، قال: قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس عندنا بعد زيد ابن عمر.

    قال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس على قراءة زيد، وعلى فرض زيد.

  5. وعن ابن عباس قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أنَّ زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.

  6. الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، أنه كان يقول في أخوات لأب وأم، وإخوة وأخوات لأب: للأخوات للأب والأم الثلثان، فما بقي فللذكور دون الإناث.

  7. فقَدِمَ مسروق المدينة، فسمع قول زيد فيها فأعجبه، فقال له بعض أصحابه: أتترك قول عبد الله فقال: أتيت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم - يعني: كان زيد يشرك بين الباقين.

  8. محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أنَّ ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت، فأخذ له بركابه فقال: تنحَّ يا ابن عمّ رسول الله ﷺ فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا.

    قال علي بن المديني: لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه وقاموا بقوله في الفقه إلَّا ثلاثة: زيد وعبد الله وابن عباس.

  9. شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: بلغنا أنَّ زيد بن ثابت كان يقول إذا سُئِلَ عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا نعم، حدَّث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون.

  10. موسى بن علي بن رباح، عن أبيه قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء قال: آلله كان هذا؟ فإن قال نعم تكلَّم فيه، وإلّا لم يتكلم.

  11. الثوري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، أنَّ مروان دعا زيد بن ثابت وأجلس له قومًا خلف ستر، فأخذ يسأله وهم يكتبون، ففطن زيد فقال: يا مروان! أغدرًا؟ إنما أقول برأيي.

  12. رواه إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن ابن أبي خالد نحوه، "وزاد" : فمحوه.

  13. هشام، عن ابن سيرين، قال: حجَّ بنا أبو الوليد، ونحن ولد سيرين سبعة، فمرَّ بنا على المدينة، فأدخلنا على زيد بن ثابت، فقال: هؤلاء بنو سيرين، فقال زيد: هؤلاء لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، قال: فما أخطأ، وكان محمد ومعبد ويحيى لأم.

    ج ٤ ص ٧٣
  14. وروى الأعمش، عن ثابت بن عبيد، قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله، وأزمته عند القوم.

  15. هشام، عن ابن سيرين قال: خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة، فاستقبل الناس راجعين، فدخل دارًا فقيل له: فقال: إنه من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله.

  16. حمَّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: لما مات زيد بن ثابت، قال أبو هريرة: مات حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا (١) .

  17. حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: لما مات زيد، جلسنا إلى ابن عباس في ظلٍّ فقال: هكذا ذهاب العلماء، دُفِنَ اليوم علم كثير.

  18. الواقدي، حدَّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: لما مات زيد بن ثابت، وصلى عليه مروان، ونزل نساء العوالي، وجاء نساء الأنصار، فجعل خارجة يذكرهنَّ الله: لا تبكين عليه، فقلن: لا نسمع منك، ولنبكينَّ عليه ثلاثًا، وغلبنه.

    قال الواقدي: وأرسل مروان بجزر فنحرت، وأطعموا الناس.

  19. وفيه يقول حسان بن ثابت:
  20. فمن للقوافي بعد حسّان وابنه … ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت

    وقال جرير بن حازم: حدَّثنا قيس به سعد، عن مكحول: أنَّ عبادة ابن الصامت دعا نبطيًّا يمسك دابته عند بيت المقدس فأبى، فضربه فشجَّه، فاستعدى عليه عمر، فقال: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا، قال: أمرته فأبى، وأنا في حدة فضربته، فقال: اجلس للقصاص، فقال زيد بن ثابت: أتقيد لعبدك من أخيك? فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية.

  21. ومن جلالة زيد أنَّ الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من

    ج ٤ ص ٧٤أفواه الرجال، ومن الأكتاف والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق، ثم تسلَّمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت ونفرًا من قريش إلى كتاب هذا المصحف العثمانيّ الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمة قرآن سواه، ولله الحمد.

  22. وقد اختلفوا في وفاة زيد رضي الله عنه على أقوال: فقال الواقدي - وهو إمام المؤرخين: مات سنة خمس وأربعين عن ست وخمسين سنة، وتبعه على وفاته يحيى بن بكير، وشباب، ومحمد بن عبد الله بن نمير.

    وقال أبو عبيد: مات سنة خمس وأربعين، ثم قال: وسنة ست وخمسين أثبت.

    وقال أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي: سنة إحدى وخمسين.

    وقال المدائني، والهيثم، ويحيى بن معين: سنة خمس وخمسين.

    وقال أبو الزناد: سنة خمس وأربعين -فالله أعلم.

  23. حفص (١) ، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن قال: لم أخالف عليًّا في شيء من قراءته، وكنت أجمع حروف عليّ فألقى بها زيدًا في المواسم بالمدينة، فما اختلفا إلَّا في التابوت، كان زيد يقرأ بالهاء، وعلي بالتاء.

  24. ١٨٢ - تميم الداري (١) : " م، (٤) "

    ج ٤ ص ٧٥
  25. صاحب رسول الله ﷺ ، أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي، الفلسطيني.

  26. والدار: بطن من لخم، ولخم فخذ من يعرب بن قحطان.

  27. وَفَدَ تميم الداري سنة تسع، فأسلم، فحدَّث عنه النبي ﷺ على المنبر بقصة الجساسة في أمر الدجال (٢) .

  28. ولتميم عدة أحاديث، وكان عابدًا، تلَّاءً لكتاب الله.

  29. حدَّث عنه: ابن عباس، وابن موهب عبد الله، وأنس بن مالك، وكثير ابن مرة، وعطاء بن يزيد الليثي، وزرارة بن أوفى، وشهر بن حوشب، وآخرون.

    قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحوّل بعد قتل عثمان إلى الشام.

    قال البخاري: هو أخو أبي هند الداري، قال ابن سعد: كان وفد الداريين عشرة، فيهم تميم.

    قال ابن جريج: قال عكرمة: لما أسلم تميم قال: يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم، قال: "هي لك" وكتب له بها.

    قال: فجاء تميم بالكتاب إلى عمر، فقال: أنا شاهد ذلك فأمضاه، وذكر الليث أنَّ النبي ﷺ قال له: "ليس لك أن تبيع" .

    قال: فهي في أيدي أهله إلى اليوم.

    قال الواقدي: ليس للنبي ﷺ قطيعة سوى: حبرى، وبيت عينون، أقطعهما تميمًا وأخاه نعيمًا.

  30. وفي "الصحيح" من حديث ابن عباس قال: خرج سهمي مع تميم الداري، وعدي بن بداء، فمات بأرض كفر، فقدما بتركته، ففقدوا جامًا من فضة، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي.

  31. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأنَّ الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت آية: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١١٠] (٣) .

    قال قتادة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٥] قال: سلمان، وابن سلّام، وتميم الداري.

  32. وروى قرة، عن ابن سيرين، قال: جمع القرآن على عهد رسول الله: أُبَيّ وعثمان وزيد وتميم الداري.

    ج ٤ ص ٧٦
  33. وروى أبو قلابة، عن أبي المهلب: كان تميم يختم القرآن في سبع.

  34. وروى عاصم الأحول، عن ابن سيرين: إن تميمًا الداري كان يقرأ القرآن في ركعة.

  35. وروى أبو الضحى، عن مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، صلى ليلة حتى أصبح، أو كاد يقرأ آية يرددها ويبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢٠] .

  36. أبو نباتة يونس بن يحيى، عن المنكدر بن محمد، عن أبيه: إن تميمًا الداري نام ليلة لم يقم يتهجَّد، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع.

  37. سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن رجل قال: أتيت تميمًا الداري فحدَّثنا، فقلت: كم جزؤك؟ قال: لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن ثم يصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة، فوالذي نفسي بيده، لأن أصلي ثلاث ركعات نافلة أحبَّ إليَّ من أن أقرأ القرآن في ليلة، ثم أصبح فأخبر به، فلما أغضبني، قلت: والله إنكم -معاشر صحابة رسول الله ﷺ ، من بقي منكم- لجدير أن تسكتوا فلا تعلموا، وأن تعنفوا من سألكم.

  38. فلما رآني قد غضبت لان وقال: ألَا أحدثك يا ابن أخي? أرأيت إن كنت أنا مؤمنًا قويًّا وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك، فلا تستطيع، فتنبت، أو رأيت إن كنت أنت مؤمنًا قويًّا، وأنا مؤمن ضعيف، حين أحمل قوتك على ضعفي، فلا أستطيع، فأنبت، ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، حتى يستقيم لك الأمر على عبادة تطيقها.

  39. حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن معاوية بن حرمل، قال: قدمت المدينة، فلبثت في المسجد ثلاثًا لا أطعم، فأتيت عمر فقلت: تائب من قبل أن تقدر عليه، قال: من أنت؟ قلت: معاوية بن حرمل، قال: اذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه.

    قال: وكان تميم الداري إذا صلَّى ضرب بيديه على يمينه وشماله، فذهب برجلين، فصليت إلى جنبه، فأخذني، فأتينا بطعام، فبينا نحن ذات ليلة؛ إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر إلى تميم فقال: قم إلى هذه النار، فقال: يا أمير المؤمنين! ومن أنا، وما أنا.

  40. فلم يزل به حتى قام معه، وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب، ودخل تميم خلفها، فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير -قالها ثلاثًا.

    ج ٤ ص ٧٧