فصل: في بقية كبراء الصحابة
١٬٨٧٥ فقرة، ج ٤ ص ٥
الصفحة ٤٣ من ٤٧
- ج ٤ ص ٢٧١
لما قتل أمير المؤمنين علي بايع أهل العراق ابنه الحسن وتجهزوا لقصد الشام في كتائب أمثال الجبال وكان الحسن سيداً كبير القدر يرى حقن الدماء ويكره الفتن ورأى من العراقيين ما يكره.
ج ٤ ص ٢٧٢قال جرير بن حازم: بايع أهل الكوفة الحسن بعد أبيه وأحبوه أكثر من أبيه.
وقال ابن شوذب: سار الحسن يطلب الشام وأقبل معاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل له العهد بالخلافة من بعده فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين فيقول: العار خير من النار.
-
وعن عوانة بن الحكم قال: سار الحسن حتى نزل المدائن وبعث على المقدمة قيس بن سعد في اثني عشر ألفاً فبينا الحسن بالمدائن إذ صاح صائح ألا إن قيساً قد قتل فاختبط الناس وانتهب الغوغاء سرادق الحسن حتى نازعوه بساطاً تحته وطعنه خارجي من بني أسد بخنجر فقتلوا الخارجي فنزل الحسن القصر الأبيض وكاتب معاوية في الصلح.
-
وروى نحواً من هذا الشعبي وأبو إسحاق. وتوجع من تلك الضربة أشهراً وعوفي.
قال هلال بن خباب: قال الحسن بن علي: يا أهل الكوفة! لو لم تذهل نفسي عليكم إلا لثلاث لذهلت لقتلكم أبي وطعنكم في فخذي وانتهابكم ثقلي.
قال النبي ﷺ في الحسن: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٥٧١) ثم إن معاوية أجاب إلى الصلح وسر بذلك ودخل هو والحسن الكوفة راكبين وتسلم معاوية الخلافة في آخر ربيع الآخر وسمي عام الجماعة لاجتماعهم على إمام وهو عام أحد وأربعين.
وقال ابن إسحاق: بويع معاوية بالخلافة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لما دخل الكوفة.
وقال أبو معشر: بايعه الحسن بأذرح في جمادى الأولى وهو عام الجماعة.
قال المدائني: أقبل معاوية إلى العراق في ستين ألفاً واستخلف على الشام الضحاك بن قيس فلما بلغ الحسن أن معاوية عبر جسر منبج عقد لقيس بن سعد على اثني عشر ألفاً فسار إلى مسكن وأقبل معاوية إلى الأخنونية في عشرة أيام معه القصاص يعظون ويحضون أهل الشام فنزلوا بإزاء عسكر قيس وقدم بسر بن أبي أرطاة إليهم فكان بينهم مناوشة ثم تحاجزوا.
قال الزهري: عمل معاوية عامين ما يخرم عمل عمر ثم إنه بعد.
- ج ٤ ص ٢٧٣
الأعمش: عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية في النخيلة الجمعة في الضحى ثم خطب وقال: ما قاتلنا لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا أو تزكوا قد عرفت أنكم تفعلون ذلك ولكن إنما قاتلناكم لأتأمر عليكم فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون.
-
السري بن إسماعيل عن الشعبي حدثني سفيان بن الليل قلت للحسن لما رجع إلى المدينة من الكوفة يا مذل المؤمنين: قال لا تقل ذلك فإني سمعت أبي يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية فعلمت أن أمر الله واقع فكرهت القتال.
-
السري تالف.
-
شعيب: عن الزهري عن القاسم بن محمد أن معاوية لما قدم المدينة حاجاً دخل على عائشة فلم يشهد كلامهما إلا ذكوان مولاها فقالت له: أمنت أن أخبأ لك رجلاً يقتلك بأخي محمد قال صدقت ثم وعظته وحضته على الاتباع فلما خرج اتكأ على ذكوان وقال والله ما سمعت خطيباً -ليس رسول الله ﷺ أبلغ من عائشة.
-
محمد بن سعد: حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثني علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت: قدم معاوية فأرسل إلى عائشة أن أرسلي إلي بأنبجانية رسول الله ﷺ وشعره فأرسلت به معي أحمله حتى دخلت عليه فأخذ الأنبجانية فلبسها ودعا بماء فغسل الشعر فشربه وأفاض على جلده.
-
أبو بكر الهذلي: عن الشعبي قال: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقته قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك وأعلى أمرك فسكت حتى دخل المدينة وعلا المنبر فحمد الله وقال: أما بعد فإني والله وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها وإني لعالم بما في نفوسكم ولكن خالستكم بسيفي هذا مخالسة ولقد أردت نفسي على عمل أبي بكر وعمر فلم أجدها تقوم بذلك ووجدتها عن عمل عمر أشد نفوراً وحاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت علي وأين مثل هؤلاء هيهات أن يدرك فضلهم غير أني سلكت طريقاً لي فيه منفعة ولكم فيه مثل ذلك ولكل فيه مواكلة حسنة ومشاربة جميلة ما استقامت السيرة فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه ومهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذني وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فارضوا ببعضه فإنها ليست بقائبة قوبها وإن السيل إن جاء تترى -وإن قل- أغنى إياكم والفتنة فلا تهموا بها فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة وتورث الاستئصال وأستغفر الله لي ولكم ثم نزل.
- ج ٤ ص ٢٧٤
"القائبة" : البيضة "والقوب" : الفرخ يقال قابت البيضة إذا انفلقت عن الفرخ.
-
محمد بن بشر العبدي: حدثنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد مرفوعاً: "إذا رأيتم فلاناً يخطب على منبري فاقتلوه " .
-
رواه جندل بن والق عن محمد بن بشر فقال بدل "فلاناً " معاوية وتابعه الوليد بن القاسم عن مجالد.
وقال حماد وجماعة: عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه" .
-
الحكم بن ظهير -واه- عن عاصم عن زر عن عبد الله مرفوعاً نحوه.
-
وجاء عن الحسن مرسلاً. وروي بإسناد مظلم عن جابر مرفوعاً: "إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فإنه أمين مأمون " .
-
هذا كذب. ويقال: هو معاوية بن تابوه المنافق.
قال سعيد بن عبد العزيز: لما قتل عثمان ووقع الاختلاف لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية فأغزاهم مرات. ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة براً وبحراً حتى أجاز بهم الخليج وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها ثم قفل.
-
الليث عن بكير عن بسر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب يعني معاوية.
-
أبو بكر بن أبي مريم: عن ثابت مولى سفيان سمعت معاوية وهو يقول: إني لست بخيركم وإن فيكم من هو خير مني: ابن عمر وعبد الله ابن عمرو وغيرهم ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم وأنعمكم لكم ولاية وأحسنكم خلقاً.
-
عقيل ومعمر عن الزهري حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية فقضى حاجته ثم خلا به فقال يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال دعنا من هذا وأحسن قال لا والله لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي قال مسور فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينت له فقال لا أبرأ من الذنب فهل تعد لنا يا مسور مانلي من الإصلاح في أمر العامة فإن الحسنة بعشر أمثالها أم تعد الذنوب وتترك الإحسان قال ما تذكر إلا الذنوب قال معاوية فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه فهل لك يا مسور ذنوب في
ج ٤ ص ٢٧٥خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر؟ قال نعم قال فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي ولكن والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها قال فخصمني قال عروة فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه.
-
عمرو بن واقد: حدثنا يونس بن ميسرة: سمعت معاوية يقول على منبر دمشق: تصدقوا ولا يقل أحدكم: إني مقل فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغني.
-
الشافعي: أنبأنا عبد المجيد عن ابن جريج أخبرني عتبة بن محمد أخبرني كريب مولى ابن عباس أنه رأى معاوية صلى العشاء ثم أوتر بركعة واحدة لم يزد فأخبر ابن عباس فقال أصاب أي بني! ليس أحد منا أعلم من معاوية. هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر.
-
أبو اليمان: حدثنا ابن أبي مريم عن عطية بن قيس قال: خطبنا معاوية فقال: إن في بيت مالكم فضلاً عن عطائكم وأنا قاسمه بينكم.
-
هشام بن عمار: حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس قال: رأيت معاوية في سوق دمشق على بغلة خلفه وصيف قد أردفه عليه قميص مرقوع الجيب.
قال أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال: كان معاوية وما رأينا بعده مثله.
-
ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد عن الشعبي سمعت معاوية يقول لو أن علياً لم يفعل ما فعل ثم كان في غار لذهب الناس إليه حتى يستخرجوه منه.
-
العوام بن حوشب: عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال ما رأيت أحداً أسود من معاوية قلت: ولا عمر قال كان عمر خيراً منه وكان معاوية أسود منه.
-
وروي عن أبي يعقوب عن ابن عمر نحوه.
وروى ابن إسحاق عن نافع: عن ابن عمر مثله ولفظه ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله ﷺ كان أسود من معاوية فقلت كان أسود من أبي بكر؟ فقال كان أبو بكر خيراً منه وهو كان أسود. قلت كان أسود من عمر؟ … الحديث.
-
معمر: عن همام بن منبه سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت رجلاً كان أخلق للملك من
ج ٤ ص ٢٧٦معاوية كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب يعني ابن الزبير.
-
أيوب: عن أبي قلابة قال كعب بن مالك: لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية.
-
مجالد: عن الشعبي عن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أثقل حلماً ولا أبطأ جهلاً ولا أبعد أناة منه.
-
ويروى عن معاوية قال: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي.
-
مجالد: عن الشعبي قال: أغلظ رجل لمعاوية فقال أنهاك عن السلطان فإن غضبه غضب الصبي وأخذه أخذ الأسد.
-
الأصمعي: حدثنا ابن عون قال: كان الرجل يقول لمعاوية: والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنقومنك فيقول بماذا؟ فيقولون بالخشب فيقول: إذاً أستقيم.
-
عن ابن عباس قال: علمت بما كان معاوية يغلب الناس كان إذا طاروا وقع وإذا وقعوا طار.
-
مجالد: عن الشعبي عن زياد بن أبيه قال ما غلبني معاوية في شيء إلا باباً واحداً استعملت فلاناً فكسر الخراج فخشي أن أعاقبه ففر مني إلى معاوية فكتبت إليه إن هذا أدب سوء لمن قبلي فكتب إلي: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة أن نلين جميعاً فيمرح الناس في المعصية ولا نشتد جميعاً فنحمل الناس على المهالك ولكن تكون للشدة والفظاظة وأكون أنا للين والألفة.
-
أبو مسهر: عن سعيد بن عبد العزيز قال: قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار.
وقال عروة: بعث معاوية مرة إلى عائشة بمئة ألف فوالله ما أمست حتى فرقتها.
-
حسين بن واقد: عن ابن بريدة دخل الحسن بن علي على معاوية فقال: لأجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي فأعطاه أربع مئة ألف.
-
جرير: عن مغيرة قال بعث الحسن وابن جعفر إلى معاوية يسألانه فأعطى كلّاً منهما مئة ألف فبلغ ذلك علياً فقال لهما: ألا تستحيان؟ رجل نطعن في عيبه غدوة وعشية تسألانه المال!؟ قالا: لأنك حرمتنا وجاد هو لنا.
- ج ٤ ص ٢٧٧
أبو هلال عن قتادة قال معاوية: واعجباً للحسن! شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه ثم قال لابن عباس: لا يسوؤك الله ولا يحزنك في الحسن قال أما ما أبقى الله لي أمير المؤمنين فلن يسوءني الله ولن يحزنني قال فأعطاه ألف ألف من بين عروض وعين قال: اقسمه في أهلك.
-
روى العتبي قال: قيل لمعاوية أسرع إليك الشيب قال: كيف لا ولا أعدم رجلاً من العرب قائماً على رأسي يلقح لي كلاماً يلزمني جوابه فإن أصبت لم أحمد وإن أخطأت سارت به البرد.
قال مالك: إن معاوية قال لقد نتفت الشيب مدة قال وكان يخرج إلى مصلاه ورداؤه يحمل من الكبر ودخل عليه إنسان وهو يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال هذا الذي كنتم تمنون لي.
-
محمد بن الحسن بن أبي يزيد: عن مجالد عن الشعبي قال: لما أصاب معاوية اللقوة بكى فقال له مروان: ما يبكيك؟ قال: راجعت ما كنت عنه عزوفاً كبرت سني ورق عظمي وكثر دمعي ورميت في أحسني وما يبدو مني ولولا هواي في يزيد لأبصرت قصدي.
-
هشام بن عمار: حدثنا عبد المؤمن بن مهلهل حدثني رجل قال حج معاوية فاطلع في بئر عادية بالأبواء فضربته اللقوة فدخل داره بمكة وأرخى حجابه واعتم بعمامة سوداء على شقه الذي لم يصب ثم أذن للناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس! إن ابن آدم بعرض بلاء إما مبتلى ليؤجر أو معاقب بذنب وإما مستعتب ليعتب وما أعتذر من واحدة من ثلاث فإن ابتليت فقد ابتلي الصالحون قبلي وإن عوقبت فقد عوقب الخاطئون قبلي وما آمن أن أكون منهم وإن مرض عضو مني فما أحصي صحيحي ولو كان الأمر إلى نفسي ما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني فأنا ابن بضع وستين فرحم الله من دعا لي بالعافية فوالله لئن عتب علي بعض خاصتكم لقد كنت حدباً على عامتكم فعج الناس يدعون له وبكى.