١٥٣٨ - الإمام الشافعي
٢١٤ فقرة، ج ٨ ص ٢٣٦
الصفحة ٥ من ٦
- ج ٨ ص ٢٦٩
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر … ومن دونها أرض المهامه والقفر
فوالله ما أدري أللمال والغنى … أساق إليها أم أساق إلى قبري
ج ٨ ص ٢٧٠قال الميموني: سمعت أحمد يقول: سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورات.
-
أخبرنا أبو علي بن الخلال، أخبرنا ابن اللتي، أخبرنا أبو الوقت أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا محمد بن يعقوب سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت.
-
سمعنا جزءًا في رحلة الشافعي فلم أسق منه شيئًا؛ لأنه باطل لمن تأمله، وكذلك عزي إليه أقوال وأصول لم تثبت عنه، ورواية ابن عبد الحكم عنه في محاش النساء منكرة، ونصوصه في تواليفه بخلاف ذلك.
-
وكذا وصية الشافعي من رواية الحسين بن هشام البلدي غير صحيحه.
-
وقال شيخ الإسلام علي بن أحمد بن يوسف الهكاري في كتاب عقيدة الشافعي له: أخبرنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ أخبرنا أبو القاسم بن علقمة الأبهري، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا يونس بن عبد الأعلى سمعت أبا عبد الله الشافعي يقول، وقد سئل عن صفات الله تعالى، وما يؤمن به فقال: لله أسماء، وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته لا يسع أحدًا قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه، فهو كافر فأما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكر، ولا نكفر بالجهل بها أحدًا إلَّا بعد انتهاء الخبر إليه بها، ونثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه كما نفاه عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
قال مصعب بن عبد الله: كان الشافعي يسمر مع أبي إلى الصباح.
وقال المبرد: كان الشافعي من أشعر الناس، وآدب الناس وأعرفهم بالقراءات.
-
ومن مناقب هذا الإمام: قول النبي ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" . أخرجه البخاري (١) .
ج ٨ ص ٢٧١قال يحيى القطان: مما نقله البيهقي في المدخل له: ما رأيت أعقل، أو قال: أفقه من الشافعي، وأنا أدعو الله له، أخصه به.
وقال الحاكم: حدثنا الزبير بن عبد الواحد حدثني العباس بن الفضل بأرسوف، حدثنا محمد بن عوف سمعت أحمد بن حنبل يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني والفقه.
قال إبراهيم الحربي: سألت أحمد عن الشافعي فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح وسألته عن مالك، وذكر القصة.
-
أحمد بن محمد بن عبيدة: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: كان الشافعي إذا أخذ في التفسير، كأنه شهد التنزيل.
-
قال البيهقي فيما أجاز لنا ابن علان، وفاطمة بنت عساكر عن منصور الفراوي أخبرنا أبو المعالي الفارسي، أخبرنا أبو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا محمد بن العباس العصمي، حدثنا أبو إسحاق بن ياسين الهروي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصاري، سمعت المروذي يقول: قال أحمد بن حنبل: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرًا قلت فيها بقول الشافعي؛ لأنه إمام قرشي وقد روي عن النبي: ﷺ أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علمًا" . إلى أن قال أحمد: وإني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي.
-
روى أبو داود الطيالسي، وإسحاق بن إسرائيل حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي الجارود النضر بن حميد، عن أبي الجارود عن أبي الأحوص، عن عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرض علمًا" (١) .
قلت: النضر قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث.
قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة (٢) ، وكان يحدث وطست تحته، فقال
ج ٨ ص ٢٧٢يومًا: اللهم إن كان لك فيه رضى فزد (١) . فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافري - يعني: زاهد مصر-: لست من رجال البلاء، فسل الله العافية.
-
الزبير بن عبد الواحد: حدثنا محمد بن عقيل الفريابي قال: قال المزني أو الربيع: كنا يومًا عند الشافعي إذ جاء شيخ عليه ثياب صوف، وفي يده عكازة فقام الشافعي وسوى عليه ثيابه وسلم الشيخ، وجلس، وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة له إذ قال الشيخ: أسأل؟ قال: سل قال: ما الحجة في دين الله؟ قال: كتاب الله. قال: وماذا؟ قال: سنة رسول الله ﷺ قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أين قلت: اتفاق الأمة؟ فتدبر الشافعي ساعة فقال الشيخ: قد أجلتك ثلاثًا فإن جئت بحجة من كتاب الله، وإلا تب إلى الله تعالى فتغير لون الشافعي ثم إنه ذهب فلم يخرج إلى اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه، وهو مسقام فجلس فلم يكن بأسرع من أن جاء الشيخ فسلم وجلس فقال: حاجتي فقال الشافعي: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] قال: فلا يصليه على خلاف المؤمنين إلَّا وهو فرض.
فقال: صدقت وقام فذهب. فقال الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه.
-
أنبئت بهذه القصة عن منصور الفراوي أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي، أخبرنا أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير فذكرها.
قلت الزعفراني: قدم علينا الشافعي بغداد في سنة خمس وتسعين فأقام عندنا أشهرًا ثم خرج وكان يخضب بالحناء، وكان خفيف العارضين.
وقال أحمد بن سنان: رأيته أحمر الرأس واللحية يعني: أنه اختضب.
قال الطبراني: سمعت أبا يزيد القراطيسي يقول: حضرت جنازة ابن وهب، وحضرت مجلس الشافعي.
-
أبو نعيم في الحلية: حدثنا عبيد بن خلف البزار حدثني إسحاق بن عبد الرحمن، سمعت حسينًا الكرابيسي سمعت الشافعي يقول: كنت امرأ أكتب الشعر، فآتي البوادي،
ج ٨ ص ٢٧٣فأسمع منهم فقدمت مكة فخرجت، وأنا أتمثل بشعر للبيد، وأضرب وحشي قدمي بالسوط فضربني رجل من ورائي، من الحجبة فقال: رجل من قريش ثم ابن المطلب رضي من دينه ودنياه أن يكون معلمًا، ما الشعر إذا استحكمت فيه فعدت معلمًا؟ تفقه يعلك الله فنفعني الله بكلامه فكتبت ما شاء الله من ابن عيينه ثم كنت أجالس مسلم بن خالد، ثم قدمت على مالك فلما عرضت عليه إلى كتاب السير قال لي: تفقه تعل يا ابن أخي فجئت إلى مصعب بن عبد الله، فكلمته أن يكلم لي بعض أهلنا، فيعطيني شيئًا فإنه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم. فقال لي مصعب: أتيت فلانًا فكلمته فقال: أتكلمني في رجل كان منا فخالفنا؟ قال: فأعطاني مائة دينار. ثم قال لي مصعب: إن الرشيد كتب إلي أن أصير إلى اليمن قاضيًا، فتخرج معنا لعل الله أن يعوضك فخرجت معه، وجالسنا الناس فكتب مطرف بن مازن إلى الرشيد: إن أردت اليمن لا يفسد عليك، ولا يخرج من يدك، فأخرج عنه محمد بن إدريس، وذكر أقوامًا من الطالبيين فبعث إلى حماد البربري، فأوثقت بالحديد حتى قدمنا على هارون الرقة فأدخلت عليه … وذكر اجتماعه بعد بمحمد بن الحسن ومناظرته له.
قال الحميدي: عن الشافعي قال: كان منزلنا بمكة في شعب الخيف فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث، أو المسألة وكانت لنا جرة قديمة، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة.
قال عمرو بن عثمان المكي: عن الزعفراني عن يحيى بن معين سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين.
قال ابن ماجة القزويني: جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل فبينا هو عنده إذ مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يسلم عليه وتبعه فأبطأ، ويحيى جالس فلما جاء قال يحيى: يا أبا عبد الله! كم هذا؟ فقال: دع عنك هذا إن أردت الفقه فالزم ذنب البغلة.
قال أحمد بن العباس النسائي: سمعت أحمد بن حنبل ما لا أحصيه وهو يقول: قال أبو عبد الله الشافعي ثم قال: ما رأيت أحدًا أتبع للأثر من الشافعي.
-
أبو حاتم: حدثنا يونس سمعت الشافعي يقول: ناظرت يومًا محمد ابن الحسن فاشتد مناظرتي له فجعلت أوداجه تنتفخ، وأزراره تنقطع زرًا زرًا.
-
وعن الشافعي قال: سميت ببغداد ناصر الحديث.
ج ٨ ص ٢٧٤وقال يونس: سمعت الشافعي يقول: ما فاتني أحد كان أشد علي من الليث وابن أبي ذئب، والليث أتبع للأثر من مالك.
-
أخبرنا أحمد بن سلامة إجازة عن مسعود الجمال، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهل، حدثني حسان بن أبان القاضي بمصر، حدثني جامع بن القاسم البلخي، حدثني أبو بكر محمد بن يزيد بن حكيم المستملي، قال: رأيت الشافعي في المسجد الحرام، وقد جعلت له طنافس فجلس عليها فأتاه رجل من أهل خراسان فقال: يا أبا عبد الله! ما تقول في أكل فرخ الزنبور؟ فقال: حرام. فقال: حرام؟ ! قال: نعم من كتاب الله وسنة رسول الله، والمعقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وحدثنا سفيان عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعي، عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر" (١) . هذا الكتاب والسنة. وحدثونا عن إسرائيل قال أبو بكر المستملي: حدثنا أبو أحمد عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة: أن عمر أمر بقتل الزنبور وفي المعقول: أن ما أمر بقتله فحرام أكله.
وقال أبو نعيم: حدثنا الحسن بن سعيد حدثنا زكريا الساجي سمعت البويطي سمعت الشافعي يقول: إنما خلق الله الخلق ب "كن" فإذا كانت "كن" مخلوقة فكأن مخلوقًا خلق بمخلوق.
-
الربيع: سمعت الشافعي يقول: لم أر أحدًا أشهد بالزور من الرافضة.
وقال: لا يبلغ في هذا الشأن رجل حتى يضر به الفقر، ويؤثره على كل شيء.
ج ٨ ص ٢٧٥وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: يا يونس! الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
وقال لي: رضا الناس غاية لا تدرك، وليس إلى السلامة منهم سبيل فعليك بما ينفعك فالزمه.
-
وعن الشافعي: العلم ما نفع ليس العلم ما حفظ.
-
وعنه: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل.
-
وعنه: لم أعلم أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته.
-
أبو نعيم: حدثنا ابن المقرئ سمعت يوسف بن محمد بن يوسف المروزي يقول: عن عمر بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أبيه، سمعت الشافعي يقول: بينما أنا أدور في طلب العلم، ودخلت اليمن فقيل لي: بها إنسان من وسطها إلى أسفل، بدن امرأة، ومن وسطها إلى فوق بدنان مفترقان بأربع أيد، ورأسين ووجهين، فأحببت أن أنظر إليها، فلم أستحل حتى خطبتها من أبيها، فدخلت فإذا هي كما ذكر لي فلعهدي بهما، وهما يتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان ويأكلان، ثم إني نزلت عنها وغبت عن تلك البلد أحسبه قال: سنتين ثم عدت، فقيل لي: أحسن الله عزاءك في الجسد الواحد توفي، فعمد إليه فربط من أسفل بحبل، وترك حتى ذبل فقطع ودفن قال الشافعي: فلعهدي بالجسد الواحد في السوق ذاهبًا وجائيًا أو نحوه.
-
هذه حكاية عجيبة منكرة، وفي إسنادها من يجهل.
-
وعن الشافعي قال: ما نقص من أثمان السود إلَّا لضعف عقولهم وإلا هو لون من الألوان.
-
إبراهيم بن محمد بن الحسن الأصبهاني: حدثنا الربيع قال: كان الشافعي يختم في رمضان ستين ختمة (١) .
قال إبراهيم بن محمد الشافعي: ما رأيت أحدًا أحسن صلاة من الشافعي وذاك أنه أخذ
ج ٨ ص ٢٧٦من مسلم بن خالد، وأخذ مسلم من ابن جريج، وأخذ ابن جريج من عطاء، وأخذ عطاء من ابن الزبير وأخذ ابن الزبير من أبي بكر الصديق وأخذ أبو بكر من النبي ﷺ .
-
وعن الشافعي قال: رأيت باليمن بنات تسع يحضن كثيرًا. قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: يقولون: ماء العراق، وما في الدنيا مثل ماء مصر للرجال لقد قدمت مصر، وأنا مثل الخصي ما أتحرك. قال: فما برح من مصر حتى ولد له.
-
محمد بن إبراهيم بن جناد: حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي سمعت الشافعي يقول: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يشغلون به عن القرآن.
-
عن الشافعي: ما أفلح سمين قط إلَّا أن يكون محمد بن الحسن قيل: ولم؟ قال: لأن العاقل لا يعدو من إحدى خلتين: إما يغتم لآخرته أو لدنياه والشحم مع الغم لا ينعقد.
-
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمرو المعدل في سنة اثنتين وتسعين وبعدها، أخبرنا الحسن بن علي بن الحسين الأسدي أخبرنا جدي أبو القاسم الحسين بن الحسن، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الفقيه، أخبرنا محمد بن الفضل بن نظيف الفراء بمصر سنة تسع عشرة، وأربع مائة حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين الصابوني سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة، حدثنا المزني حدثنا الشافعي، عن مالك عن نافع عن عبد الله: أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال. فقيل: إنك تواصل؟ فقال: "لست مثلكم إني أطعم وأسقى" (١) .
قلت: كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين، والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف، العري من الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
ج ٨ ص ٢٧٧بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] ، فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم ولا ندعي فيهم العصمة نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة. ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة وحمزة وجعفر، ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين وبنات نبينا ﷺ وأهل بدر، مع كونهم على مراتب. ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء، وسلمان الفارسي وابن عمر، وسائر أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص آية سورة الفتح. ثم عموم المهاجرين والأنصار، كخالد بن الوليد والعباس، وعبد الله بن عمرو وهذه الحلبة. ثم سائر من صحب رسول الله ﷺ وجاهد معه أو حج معه، أو سمع منه رضي الله عنهم أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله ﷺ المهاجرات والمدنيات، وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية، وسائر الصحابيات فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه ولا كرامة فأكثره باطل وكذب، وافتراء فدأب الروافض رواية الأباطيل أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقة من به سكران؟!
-
ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها ووقع في كتب التواريخ، وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولحوم العلماء مسمومة، وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط يل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن والحسن من الضعيف.
-
وإمامنا فبحمد الله ثبت في الحديث حافظ لما وعى عديم الغلط موصوف بالإتقان متين الديانة، فمن نال منه بجهل وهوى، ممن علم أنه منافس له فقد ظلم نفسه ومقتته العلماء ولاح لكل حافظ تحامله، وجر الناس برجله ومن أثنى عليه، واعترف بإمامته وإتقانه وهم أهل العقد والحل قديمًا وحديثًا فقد أصابوا، وأجملوا وهدوا ووفقوا.
-
وأما أئمتنا اليوم وحكامنا، فإذا أعدموا ما وجد من قدح بهوى فقد يقال: أحسنوا ووفقوا، وطاعتهم في ذلك مفترضة لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر.
-
وبكل حال فالجهال والضلال قد تكلموا في خيار الصحابة، وفي الحديث الثابت: "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليرزقهم ويعافيهم" (١) .
- ج ٨ ص ٢٧٨
وقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الإمام رحمه الله ، فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال من تعرض إلى الإمام ولله الحمد.
-
ولا ريب أن الإمام لما سكن مصر، وخالف أقرانه من المالكية ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة، وخالف شيخه في مسائل تألموا منه ونالوا منه وجرت بينهم وحشة غفر الله للكل وقد اعترف الإمام سحنون، وقال: لم يكن في الشافعي بدعة فصدق، والله فرحم الله الشافعي، وأين مثل الشافعي والله في صدقه وشرفه ونبله وسعة علمه، وفرط ذكائه ونصره للحق، وكثرة مناقبه رحمه الله تعالى.
-
قال الحافظ أبو بكر الخطيب في مسألة الاحتجاج بالإمام الشافعي فيما قرأت على أبي الفضل بن عساكر، عن عبد العزيز بن محمد أخبرنا يوسف بن أيوب الزاهد، أخبرنا الخطيب قال: سألني بعض إخواننا بيان علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي في الجامع؟ وذكر أن بعض من يذهب إلى رأى أبي حنيفه ضعف أحاديث الشافعي، واعترض بإعراض البخاري عن روايته ولولا ما أخذ الله على العلماء فيما يعلمونه ليبيننه للناس لكان أولى الأشياء الإعراض عن اعتراض الجهال وتركهم يعمهون. وذكر لي من يشار إليه خلو كتاب مسلم، وغيره من حديث الشافعي. فأجبته بما فتح الله لي: ومثل الشافعي من حسد وإلى ستر معالمه قصد ويأبى الله إلَّا أن يتم نوره ويظهر من كل حق مستوره، وكيف لا يغبط من حاز الكمال بما جمع الله له من الخلال اللواتي لا ينكرها إلَّا ظاهر الجهل، أو ذاهب العقل ثم أخذ الخطيب يعدد علوم الإمام ومناقبه، وتعظيم الأئمه له وقال:
أبى الله إلَّا رفعه وعلوه … وليس لما يعليه ذو العرش واضع
إلى أن قال: والبخاري هذب ما في جامعه غير أنه عدل عن كثير من الأصول، إيثارًا للإيجاز قال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلَّا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
-
فترك البخاري الاحتجاج بالشافعي، إنما هو لا لمعنى يوجب ضعفه لكن غني عنه بما هو أعلى منه إذ أقدم شيوخ الشافعي: مالك، والدراوردي، وداود العطار، وابن عيينة، والبخاري لم يدرك الشافعي بل لقي من هو أسن منه، كعبيد الله بن موسى، وأبي عاصم ممن رووا عن التابعين، وحدثه عن شيوخ الشافعي عدة، فلم ير أن يروي عن رجل عن الشافعي عن مالك.
- ج ٨ ص ٢٧٩
فإن قيل: فقد روى عن المسندي عن معاوية بن عمرو عن الفزاري عن مالك، فلا شك أن البخاري سمع هذا الخبر من أصحاب مالك، وهو في الموطأ فهذا ينقض عليك?!
-
قلنا: إنه لم يرو حديثا نازلا، وهو عنده عال إلَّا لمعنى ما يجده في العالي، فأما أن يورد النازل وهو عنده عال لا لمعنى يختص به، ولا على وجه المتابعة لبعض ما اختلف فيه فهذا غير موجود في الكتاب، وحديث الفزاري فيه بيان الخبر، وهو معدوم في غيره وجوده الفزاري بتصريح السماع، ثم سرد الخطيب ذلك من طرق عدة قال: والبخاري يتبع الألفاظ بالخبر في بعض الأحاديث، ويراعيها وإنا اعتبرنا روايات الشافعي التي ضمنها كتبه فلم نجد فيها حديثا واحدًا على شرط البخاري أغرب به ولا تفرد بمعنى فيه يشبه ما بيناه. ومثل ذلك القول في ترك مسلم إياه لإدراكه ما أدرك البخاري من ذلك. وأما أبو داود فأخرج في سننه للشافعي غير حديث، وأخرج له الترمذي وابن خزيمة وابن أبي حاتم.
-
ثم سرد الخطيب فصلًا في ثناء مشايخه، وأقرانه عليه ثم سرد أشياء في غمز بعض الأئمة، فأساء ما شاء -أعني غامزه.
-
وبلغنا عن الإمام الشافعي ألفاظ قد لا تثبت ولكنها حكم فمنها:
ما أفلح من طلب العلم إلَّا بالقلة.
-
وعنه قال: ما كذبت قط ولا حلفت بالله ولا تركت غسل الجمعة وما شبعت منذ ست عشرة سنة، إلَّا شبعة طرحتها من ساعتي. وعنه قال: من لم تعزه التقوى فلا عز له.