١٨٧٤ - أحمد بن حنبل
٧٢٧ فقرة، ج ٩ ص ١٩٢
الصفحة ٩ من ١٩
- ج ٩ ص ٢٣١
قال محمد بن إبراهيم البوشنجي جعلوا يذاكرون أبا عبد الله بالرقة في التقية وما روي فيها فقال كيف تصنعون بحديث خباب "إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار
ج ٩ ص ٢٣٢لا يصده ذلك عن دينه" (٢٥٩) فأيسنا منه.
-
وقال لست أبالي بالحبس ما هو ومنزلي إلا واحد ولا قتلاً بالسيف إنما أخاف فتنة السوط فسمعه بعض أهل الحبس فقال لا عليك يا أبا عبد الله فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي فكانه سري عنه.
-
قال وحدثني من أثق به عن محمد بن إبراهيم بن مصعب وهو يومئذ صاحب شرطة المعتصم خلافة لأخيه إسحاق بن إبراهيم قال ما رأيت أحداً لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك كان أثبت قلباً من أحمد يومئذ ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب.
-
وحدثني بعض أصحابنا عن أبي عبد الرحمن الشافعي أو هو حدثني أنهم أنفذوه إلى أحمد في محبسه ليكلمه في معنى التقية فلعله يجيب قال فصرت إليه أكلمه حتى إذا أكثرت وهو لا يجيبني ثم قال لي ما قولك اليوم في سجدتي السهو؟ وإنما أرسلوه إلى أحمد للإلف الذي كان بينه وبين أحمد أيام لزومهم الشافعي فإن أبا عبد الرحمن كان يومئذ ممن يتقشف ويلبس الصوف وكان أحفظ أصحاب الشافعي للحديث من قبل إن يتبطن بمذاهبه المذمومة ثم لم يحدث أبو عبد الله بعد ما أنبأتك أنه حدثني في أول خلافة الواثق ثم قطعه إلى إن مات إلا ما كان في زمن المتوكل.
-
قال صالح بن أحمد حمل أبي ومحمد بن نوح من بغداد مقيدين فصرنا معهما إلى الأنبار فسأل أبو بكر الأحول أبي يا أبا عبد الله إن عرضت على السيف تجيب؟ قال لا ثم سيرا فسمعت أبي يقول صرنا إلى الرحبة ورحلنا منها في جوف الليل فعرض لنا رجل فقال أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له هذا فقال للجمال على رسلك ثم قال يا هذا ما عليك إن تقتل ها هنا وتدخل الجنة؟ ثم قال أستودعك الله ومضى فسألت عنه فقيل لي هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الشعر في البادية يقال له جابر بن عامر يذكر بخير.
-
أحمد بن أبي الحواري حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال قال أحمد بن حنبل ما
ج ٩ ص ٢٣٣سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق قال يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيداً وإن عشت عشت حميداً فقوى قلبي.
-
قال صالح بن أحمد قال أبي فلما صرنا إلى أذنة (٢٦٠) ورحلنا منها في جوف الليل وفتح لنا بابها إذا رجل قد دخل فقال البشرى! قد مات الرجل يعني المأمون قال أبي وكنت أدعو الله إن لا أراه.
-
محمد بن إبراهيم البوشنجي سمعت أحمد بن حنبل يقول تبينت الإجابة في دعوتين دعوت الله إن لا يجمع بيني وبين المأمون ودعوته إن لا أرى المتوكل فلم أر المأمون مات بالبذندون (٢٦١) قلت وهو نهر الروم وبقي أحمد محبوساً بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه فرد أحمد إلى بغداد وأما المتوكل فإنه نوه بذكر الإمام أحمد والتمس الاجتماع به فلما إن حضر أحمد دار الخلافة بسامراء ليحدث ولد المتوكل ويبرك عليه جلس له المتوكل في طاقة حتى نظر هو وأمه منها إلى أحمد ولم يره أحمد.
-
قال صالح لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرطوس ردا في أقيادهما فلما صار إلى الرقة حملا في سفينة فلما وصلا إلى عانة (٢٦٢) توفي محمد وفك قيده وصلى عليه أبي.
-
وقال حنبل قال أبو عبد الله ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح إني لأرجو إن يكون قد ختم له بخير قال لي ذات يوم يا أبا عبد الله الله الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا فمات وصليت عليه ودفنته أظن قال بعانة.
-
قال صالح وصار أبي إلى بغداد مقيداً فمكث بالياسرية (٢٦٣) أياماً ثم حبس في دار اكتريث عند دار عمارة ثم حول إلى حبس العامة في درب الموصلية فقال كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد فلما كان في رمضان سنة تسع عشر - قلت وذلك بعد موت المأمون بأربعة عشر شهراً - حولت إلى دار إسحاق بن إبراهيم يعني نائب بغداد وأما
ج ٩ ص ٢٣٤حنبل فقال حبس أبو عبد الله في دار عمارة ببغداد في إصطبل الأمير محمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم وكان في حبس ضيق ومرض في رمضان ثم حول بعد قليل إلى سجن العامة فمكث في السجن نحواً من ثلاثين شهراً وكنا ناتيه فقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس ورأيته يصلي بهم في القيد فكان يخرج رجله من حلقه القيد وقت الصلاة والنوم.
-
قال صالح بن أحمد قال أبي كان يوجه إلي يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن أحمد بن رباح والآخر أبو شعيب الحجام فلا يزالان يناظراني حتى إذا قاما دعي بقيد فزيد في قيودي فصار في رجلي أربعة أقياد فلما كان في اليوم الثالث دخل علي فناظرني فقلت له ما تقول في علم الله؟ قال مخلوق قلت كفرت بالله فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم إن هذا رسول أمير المؤمنين فقلت إن هذا قد كفر فلما كان في الليلة الرابعة وجه يعني المعتصم ببغا الكبير إلى إسحاق فأمره بحملي إليه فأدخلت على إسحاق فقال يا أحمد إنها والله نفسك إنه لا يقتلك بالسيف إنه قد آلى إن لم تجبه إن يضربك ضرباً بعد ضرب وأن يقتلك في موضع لا يرى فيه شمس ولا قمر أليس قد قال الله تعالى "إنا جعلناه قرآناً عربياً" الزخرف: ٣، أفيكون مجعولاً إلا مخلوقاً فقلت فقد قال تعالى "فجعلهم كعصف مأكول" الفيل: ٥، أفخلقهم؟ قال فسكت فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت وجيء بدابة فأركبت وعلي الأقياد ما معي من يمسكني فكدت غير مرة إن أخر على وجهي لثقل القيود فجيء بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة ثم أدخلت بيتاً وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع فتوضأت وصليت.
-
فلما كان من الغد أخرجت تكتي وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم فقال أجب فأخذ بيدي وأدخلني عليه والتكة في يدي أحمل بها الأقياد وإذا هو جالس وأحمد بن أبي داود حاضر وقد جمع خلقاً كثيراً من أصحابه فقال لي المعتصم ادنه ادنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه ثم قال اجلس فجلست وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلاً ثم قلت أتاذن في الكلام؟ قال تكلم فقلت إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنية ثم قال إلى شهادة إن لا إله إلا الله فقلت فأنا أشهد إن لا إله إلا الله ثم قلت إن جدك بن عباس يقول لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ سألوه عن الإيمان فقال: أتدرون ما الإيمان؟ " قالوا الله ورسوله أعلم قال " شهادة
ج ٩ ص ٢٣٥إن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم " (٢٦٤) قال أبي فقال يعني المعتصم لولا إني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك.
-
ثم قال يا عبد الرحمن بن إسحاق ألم آمرك برفع المحنة؟ فقلت الله أكبر إن في هذا لفرجاً للمسلمين ثم قال لهم ناظروه وكلموه يا عبد الرحمن كلمه فقال ما تقول في القرآن قلت ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت فقال لي بعضهم أليس قال الله تعالى "الله خالق كل شيء " الرعد: ١٦، والقرآن أليس؟ شيئاً فقلت قال الله " تدمر كل شيء " الأحقاف: ٢٥، فدمرت إلا ما أراد الله فقال بعضهم " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " الأنبياء: ٢، أفيكون محدث إلا مخلوقاً فقلت قال الله " ص والقرآن " ص: ١، فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولام وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين " إن الله خلق الذكر " (٢٦٥) فقلت هذا خطأ حدثنا غير واحد " إن الله كتب الذكر " واحتجوا بحديث بن مسعود " ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي " (٢٦٥ م) فقلت إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن فقال بعضهم حديث خباب " يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه" (٢٦٦) ، فقلت هكذا هو.
- ج ٩ ص ٢٣٦
قال صالح وجعل بن أبي داود ينظر إلى أبي كالمغضب قال أبي وكان يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه فإذا انقطع الرجل منهم اعترض بن أبي داود فيقول يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع! فيقول كلموه ناظروه فيكلمني هذا فأرد عليه ويكلمني هذا فأرد عليه فإذا انقطعوا يقول المعتصم ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ حتى أقول به فيقول أحمد بن أبي داود أنت لا تقول إلا ما في الكتاب أو السنة؟ فقلت له تأولت تأويلاً فأنت أعلم وما تأولت ما يحبس عليه ولا يقيد عليه.
-
قال حنبل قال أبو عبد الله لقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني إن أحكيه أنكروا الآثار وما ظننتهم على هذا حتى سمعته وجعلوا يرغون يقول الخصم كذا وكذا فاحتججت عليهم بالقرآن بقوله "يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" مريم: ٤٢، أفهذا منكر عندكم؟ فقالوا شبه يا أمير المؤمنين شبه.
-
قال محمد بن إبراهيم البوشنجي حدثني بعض أصحابنا إن أحمد بن أبي داود أقبل على أحمد يكلمه فلم يلتفت إليه حتى قال المعتصم يا أحمد ألا تكلم أبا عبد الله فقلت لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه!! قال صالح وجعل بن أبي داود يقول يا أمير المؤمنين والله لئن أجابك لهو أحب إلي من ألف دينار ومئة ألف دينار فيعد من ذلك ما شاء الله إن يعد فقال لئن أجابني لأطلقكن عنه بيدي ولأركبن إليه بجندي ولأطأن عقبه.
-
ثم قال يا أحمد والله إني عليك لشفيق وإني لأشفق عليك كشفقتي على ابني هارون ما تقول؟ فأقول أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله.
-
فلما طال المجلس ضجر وقال قوموا وحسبني يعني عنده وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني وقال ويحك! أجبني وقال ويحك! ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والحج والجهاد معك فيقول والله إنه لعالم وإنه لفقيه وما يسوءني إن يكون معي يرد عني أهل الملل ثم قال ما كنت تعرف صالحاً الرشيدي؟ قلت قد سمعت به قال كان مؤدبي وكان في ذلك الموضع
ج ٩ ص ٢٣٧جالساً وأشار إلى ناحية من الدار فسألني عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ وسحب يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي قلت أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله فطال المجلس وقام ورددت إلى الموضع.
-
فلما كان بعد المغرب وجه إلي رجلين من أصحاب بن أبي داود يبيتان عندي ويناظراني ويقيمان معي حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام ويجتهدان بي إن أفطر فلا أفعل - قلت وكانت ليالي رمضان - قال ووجه المعتصم إلي بن أبي داود في الليل فقال يقول لك أمير المؤمنين ما تقول؟ فأرد عليه نحواً مما كنت أرد فقال بن أبي داود والله لقد كتب اسمك في السبعة يحيى بن معين وغيره فمحوته ولقد ساءني أخذهم إياك ثم يقول إن أمير المؤمنين قد حلف إن يضربك ضرباً بعد ضرب وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس ويقول إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي ثم انصرف.
-
فلما أصبحنا جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه فقال لهم ناظروه وكلموه فجعلوا يناظروني فأرد عليهم فإذا جاؤوا بشيء من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت ما أدري ما هذا قال فيقولون يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا ثبت وإذا كلمناه بشيء يقول لا أدري ما هذا؟ فقال ناظروه فقال رجل يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله فقلت ما تقول في قوله "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" النساء: ١١، قال خص الله بها المؤمنين قلت ما تقول إن كان قاتلاً أو عبداً؟ فسكت وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن فحيث قال لي أراك تنتحل الحديث احتججت بالقرآن يعني وإن السنة خصصت القاتل والعبد فأخرجتهما من العموم قال فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال فلما ضجر قال قوموا ثم خلابي وبعبد الرحمن بن إسحاق فلم يزل يكلمني ثم قام ودخل ورددت إلى الموضع.
-
قال فلما كانت الليلة الثالثة قلت خليق إن يحدث غداً من أمري شيء فقلت للموكل بي أريد خيطاً فجاءني بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي مخافة إن يحدث من أمري شيء فأتعرى فلما كان من الغد أدخلت إلى الدار فإذا هي غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط وغير ذلك ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء فلما انتهيت إليه قال اقعد ثم قال ناظروه كلموه فجعلوا يناظروني يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا
ج ٩ ص ٢٣٨فأرد عليه وجعل صوتي يعلو أصواتهم فجعل بعض من هو قائم على رأسي يومئ إلي بيده فلما طال المجلس نحاني ثم خلا بهم ثم نحاهم وردني إلى عنده وقال ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي فرددت عليه نحو ردي فقال عليك وذكر اللعن خذوه اسحبوه خلعوه فسحبت وخلعت.
-
قال وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي ﷺ في كم قميصي فوجه إلي إسحاق بن إبراهيم يقول ما هذا المصرور؟ قلت شعر من شعر رسول الله ﷺ وسعى بعضهم ليخرق القميص عني فقال المعتصم لا تخرقوه فنزع فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بالشعر قال وجلس المعتصم على كرسي ثم قال العقابين والسياط فجيء بالعقابين فمدت يداي فقال بعض من حضر خلفي خذ ناتئ الخشبتين بيديك وشد عليهما فلم أفهم ما قال فتخلعت يداي.
-
قال محمد بن إبراهيم البوشنجي ذكروا إن المعتصم ألان في أمر أحمد لما علق في العقابين ورأى ثباته وتصميمه وصلابته حتى أغراه أحمد بن أبي دواد وقال يا أمير المؤمنين إن تركته قيل قد ترك مذهب المأمون وسخط قوله فهاجه ذلك على ضربه.
-
وقال صالح قال أبي ولما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال ائتوني بغيرها ثم قال للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول له شد قطع الله يدك! ثم يتنحى ويتقدم آخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك شد قطع الله يدك! فلما ضربت سبعة عشر سوطاً قام إلي يعني المعتصم فقال يا أحمد علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق وجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال أتريد إن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول ويلك! إمامك على رأسك قائم وقال بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله وجعلوا يقولون يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم! فقال لي ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به فرجع وجلس وقال للجلاد تقدم وأوجع قطع الله يدك ثم قام الثانية وجعل يقول ويحك يا أحمد أجبني فجعلوا يقبلون علي ويقولون يا أحمد إمامك على رأسك قائم وجعل عبد الرحمن يقول من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع والمعتصم يقول أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي ثم رجع وقال للجلاد تقدم فجعل يضربني سوطين ويتنحى وهو في خلال ذلك يقول شد قطع الله يدك فذهب عقلي ثم أفقت بعد فإذا الأقياد قد أطلقت عني فقال لي رجل ممن حضر كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية
ج ٩ ص ٢٣٩ودسناك! قال أبي فما شعرت بذلك وأتوني بسويق وقالوا اشرب وتقيأ فقلت لا أفطر ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت الظهر فتقدم بن سماعة فصلى فلما انفتل من صلاته وقال لي صليت والدم يسيل في ثوبك؟ قلت قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً.
-
قال صالح ثم خلي عنه فصار إلى منزله وكان مكثه في السجن منذ أخذ إلى إن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهراً ولقد حدثني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال يا بن أخي رحمة الله على أبي عبد الله والله ما رأيت أحداً يشبهه ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع تفئة ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولني فناوله قدحاً فيه ماء وثلج فأخذه ونظر فيه ثم رده ولم يشرب فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول! قال صالح فكنت ألتمس وأحتال إن أوصل إليه طعاماً أو رغيفاً في تلك الأيام فلم أقدر وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة قال وما ظننت إن أحداً يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه.
-
قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول ذهب عقلي مراراً فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلي نفسي وإذا استرخيت وسقطت رفع الضرب أصابني ذلك مراراً ورأيته يعني المعتصم قاعداً في الشمس بغير مظلة فسمعته وقد أفقت يقول لابن أبي داود لقد ارتكبت إثماً في أمر هذا الرجل فقال يا أمير المؤمنين إنه - والله - كافر مشرك قد أشرك من غير وجه فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد وقد كان أراد تخليتي بلا ضرب فلم يدعه ولا إسحاق بن إبراهيم.
-
قال حنبل وبلغني إن المعتصم قال لابن أبي داود بعدما ضرب أبو عبد الله كم ضرب؟ قال أربعة أو نيفاً وثلاثين سوطاً.
-
قال أبو الفضل عبيد الله الزهري قال المروذي قلت وأبو عبد الله بين الهنبازين يا أستاذ قال الله تعالى "لا تقتلوا أنفسكم" النساء: ٢٩. قال يا مروذي اخرج وانظر فخرجت إلى رحبة دار الخلافة فرأيت خلقاً لا يحصيهم إلا الله والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر فقال لهم المروذي ماذا تعملون؟ قالوا ننظر ما يقول أحمد فنكتبه فدخل فأخبره فقال يا مروذي! أضل هؤلاء كلهم؟! فهذه حكاية منقطعة.
- ج ٩ ص ٢٤٠
قال بن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال لما حمل أحمد ليضرب جاؤوا إلى بشر بن الحارث وقالوا قد وجب عليك إن تتكلم فقال أتريدون مني أقوم مقام الأنبياء ليس ذا عندي حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه.
-
الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي حدثنا داود بن عرفة حدثنا ميمون بن أصبغ قال كنت ببغداد وامتحن أحمد فأخذت مالاً له خطر فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس فأدخلت فإذا السيوف قد جردت وبالرماح قد ركزت وبالتراس (٢٦٧) قد صففت وبالسياط قد وضعت وألبست قباء أسود ومنطقة وسيفاً ووقفت حيث أسمع الكلام فأتى أمير المؤمنين على كرسي وأتي بأحمد فقال له وقرابتي من رسول الله ﷺ لأضربنك بالسياط أو تقول كما أقول ثم التفت إلى جلاد فقال خذه إليك فأخذه فلما ضرب سوطاً قال باسم الله فلما ضرب الثاني قال لا حول ولا قوة إلا بالله فلما ضرب الثالث قال القرآن كلام الله غير مخلوق فلما ضرب الرابع قال "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" التوبة: ٥١، فضرب تسعة وعشرين سوطاً وكانت تكته حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فقلت الساعة ينهتك فرمى بطرفه إلى السماء وحرك شفتيه فما كان بأسرع من إن بقي السراويل لم ينزل فدخلت عليه بعد سبعة أيام فقلت يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء فما قلت؟ قال قلت اللهم أسالك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم إني على الصواب فلا تهتك لي ستراً.
-
هذه حكاية منكرة أخاف إن يكون داود وضعها.
-
قال جعفر بن أحمد بن فارس الأصبهاني حدثنا أحمد بن أبي عبيد الله قال قال أحمد بن الفرج حضرت أحمد بن حنبل لما ضرب فتقدم أبو الدن فضربه بضعة عشر سوطاً فأقبل الدم من أكتافه وكان عليه سراويل فانقطع خيطه فنزل فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان فسألته قال قلت إلهي وسيدي وقفتني هذا الموقف فتهتكني على رؤوس الخلائق.
-
وهذه الحكاية لا تصح وقد ساق صاحب الحلية من الخرافات السمجة هنا ما يستحيا من ذكره.
- ج ٩ ص ٢٤١
فمن ذلك قال حدثنا الحسين بن محمد حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القاضي حدثني أبو عبد الله الجوهري حدثنا يوسف بن يعقوب سمعت علي بن محمد القرشي قال لما جرد أحمد ليضرب وبقي في سراويله فبينما هو يضرب انحل سراويله فحرك شفتيه فرأيت يدين خرجتا من تحته فشدتا السراويل فلما فرغوا من الضرب سألناه قال فقلت يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلا هو إن كنت على حق فلا تبد عورتي.
-
أوردها البيهقي في مناقب أحمد وما جسر على توهيتها بل روى عن أبي مسعود البجلي عن بن جهضم ذاك الكذاب حدثنا أبو بكر النجاد حدثنا بن أبي العوام الرياحي نحواً منها وفيها إن مئزره اضطرب فحرك شفتيه فرأيت كفاً من ذهب خرج من تحت مئزره بقدرة الله فصاحت العامة.
-
أخبرني بن الفراء حدثنا بن قدامة حدثنا بن خضير حدثنا بن يوسف حدثنا البرمكي حدثنا علي بن مردك حدثنا بن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان أنه بلغه إن المعتصم نظر عند ضربه إياه إلى شيء مصرور في كمه فقال أي شيء هذا؟ قال شعر من شعر النبي ﷺ قال هاته وأخذها منه ثم قال أحمد بن سنان كان ينبغي إن يرحمه عندما رأى شعرة من شعر النبي ﷺ معه في تلك الحال.
-
وبه قال بن أبي حاتم قال أبو الفضل صالح خلي عنه فصار إلى المنزل ووجه إلى المطبق فجيء برجل ممن يبصر الضرب والعلاج فنظر إلى ضربه فقال قد رأيت من ضرب ألف سوط ما رأيت ضرباً مثل هذا لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه ثم أخذ ميلاً فأدخله في بعض تلك الجراحات فنظر إليه فقال لم ينقب؟ وجعل يأتيه ويعالجه وكان قد أصاب وجهه غير ضربة ومكث منكباً على وجهه كم شاء الله ثم قال له إن هاهنا شيئاً أريد إن أقطعه فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها فيقطعه بسكين معه وهو صابر لذلك يجهر بحمد الله في ذلك فبرأ منه ولم يزل يتوجع من مواضع منه وكان أثر الضرب بيناً في ظهره إلى إن توفي.
-
ودخلت يوماً فقلت له بلغني إن رجلاً جاء إليك فقال اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك فقلت لا أجعل أحداً في حل فتبسم أبي وسكت وسمعت أبي يقول لقد جعلت الميت في حل من ضربه إياي ثم قال مررت بهذه الآية "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" الشورى: ٤٠، فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما أخبرنا
ج ٩ ص ٢٤٢هاشم بن القاسم أخبرنا المبارك بن فضالة قال أخبرني من سمع الحسن يقول إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله رب العالمين ثم نودي إن لا يقوم إلا من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا قال فجعلت الميت في حل قال وما على رجل إن لا يعذب الله بسببه أحداً.
-
وبه قال بن أبي حاتم حدثني أحمد بن سنان قال بلغني إن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل يوم فتح عاصمة بابك (٢٦٨) وظفر به أو في فتح عمورية فقال هو في حل من ضربي.