فصل في ذكر البديع من الكلام
١٬٠٣٤ فقرة، ج ١ ص ٦٦
الصفحة ٢٤ من ٢٦
- ج ٢ ص ٨٧
ومن ذلك قول أبي تمام: يمدُّون من أيدٍ عواصٍ عواصمٍ * تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضبُ (١) وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب (٢) ، كقوله: ألا دارِها بالماء حتى تلينَها * فلن تُكرِمَ الصهباءَ حتى تهينَها وكذلك قوله: ديارُ نوارٍ ما ديارُ نوارِ * كسونك شجواً هُن منه عَوَارِ (٣) وكقول ابن المعتز: سأثنى على عهد المطيرة والقصر * وأدعو لها بالساكنين وبالقطر (٤) / وكقوله أيضا: هي الدارُ إلا أنها منهم قَفْرُ * وأني بها ثاوٍ وأنهمُ سَفْرُ (٥) / وكقوله: للأماني حديثٌ [قد] يقر * ويسوء الدهر من قد يَسرُّ (٦)
-
وكقول المتنبي: وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدني * وقد أرانى المشيب الروح في بدلى (٧) وقد قيل: إن من هذا القبيل قوله عز وجل: (خلق الانسان من عجل سأريكم آيَاتي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ) (٨) ، وقوله: (قُلِ اللَّهِ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِيني فَاعْبدُواْ مَا شِئْتُم مِنْ دونه) (٩) .
-
* * * ويعدون من البديع " المقابلة " ، وهي أن يوفق بين معان ونظائرها والمضاد بضده، وذلك مثل قول النابغة الجعدى:
ج ٢ ص ٨٨فتى تم فيه ما يَسُرُّ صديقَهُ * على أن فيه ما يَسوءُ الأعاديا (١) / وقال تأبط شرّاً: أهزُّ به في ندوة الحي عِطْفَهُ * كما هزّ عطفي بالهجان الأواركُ (٢)
-
وكقول الآخر: وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئب * وإذا حديث سرنى لم أشرز (٣) وكقول الآخر: وذى إخوة قطعت أرحام بينهم * كما تركوني واحدا لا أخاليا (٤) ونظيره من القرآن: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ، ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ منكم بربهم يشركون) (٥) .
-
[ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة] (٦) .
-
* * * / ويعدون من البديع " الموازنة " ، وذلك كقول بعضهم: اصبر على حر اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع (٧) .
- ج ٢ ص ٨٩
وكقول امرئ القيس: سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا * [له حجبات مشرفات على الفال] (١) ونظيره من القرآن: (والسماء ذات البروج.
-
واليوم الموعود وشاهد ومشهود) (٢) .
-
* * * ويعدون من البديع " المساواة " ، وهي أن يكون اللفظ مساوياً / للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه.
-
وذلك يعد من البلاغة، وذلك كقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ * وإن خالها تخفَى على الناس تُعْلَمِ (٣) وكقول جرير: فلو شاء قومي كان حلميَ فيهمُ * وكان على جُهّال اعدائِهم جهلي (٤) وكقول الاخر (٥) : اذا انت لم تقصر عن الجهل والخنا * أصبت حليما أو أصابك جاهل وكقول الهذلى (٦) : فلا تجز عن من سنة أنت سرتها * وأول راض سنة من يسيرها (٧)
- ج ٢ ص ٩٠
وكقول الآخر (١) : فإن هم طاوعوكِ فطاوِعيهم * وإن عاصَوك فاعصي من عصاكِ / ونظير ذلك في القرآن كثير.
-
* * * ومما يعدونه من البديع " الإشارة " وهو اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة.
وقال بعضهم (٢) في وصف البلاغة: [البلاغة] لمحة دالة.
-
ومن ذلك قول طرفة:
فظلَّ لنا يومٌ لذيذٌ بنعمةٍ * فقل في مقيلٍ نحسُهُ متغيَّبُ (٣) وكقول زيد الخيل: فخيبة من يخيب علي غَنيّ * وباهلةَ بن أعصَر والرباب (٤)
- ج ٢ ص ٩١
ونظيره من القرآن: (ولو أن قُرآناً سُيِّرَتْ به الجبال أو قطعت به الأرض أو كّلم به الموتى بل للهِ الأمرُ جميعاً) (١) .
-
ومواضع كثيرة.
-
* * * ويعدون من البديع " المبالغة " ، و " الغلو " .
-
والمبالغة: تأكيد معاني القول، وذلك كقول (٢) الشاعر: ونكرِمُ جارَنا ما كان فينا * ونُتبعُهُ الكرامَةَ حيثُ مالا (٣) ومن ذلك قول الآخر (٤) : وهم تركُوك أسْلحَ من حُبارى * رأت صقراً وأشْرَدَ من نعامِ / فقوله: " رأت صقراً " مبالغة.
-
ومن الغلو قول أبي نواس: توهمتها في كأسها فكأنما * توهمتُ شيئاً ليس يُدركه العقْلُ فما يرتقي التكييفُ فيها إلى مدى * يُحد به إلا ومن قبلِهِ قبلُ (٥) وقول زهير: لو كان يقعُد فوق الشمس من كرمٍ * قومٌ بأولهم أو مجدهم - قعدوا (٦) وكقول النابغة: بلغنا السماء مجدُنا وسناؤنا * وأنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا (٧)
- ج ٢ ص ٩٢
وكقول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا حيثما نلت أطولُ (١) وما بلغ المهدون في القول مِدحةً * وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضلُ (٢) / وقول الآخر (٣) : له هِمَمٌ لا منتهى لكبارِها * وهمتُهُ الصُّغرى أجلُّ من الدهرِ له راحةٌ لو أن معشارَ جُودها * على البرِّ صار البرُّ أندى من البحر * * * ويرون من البديع " الإيغال " في الشعر خاصة، فلا يطلب مثله في القرآن
إلا في الفواصل، كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب (٤) فقد أوغل بالقافية في الوصف وأكد التشبيه بها، والمعنى قد يستقل دونها.
-
* * * ومن البديع عندهم " التوشيح " .
-
وهو أن يشهد (٥) أول البيت بقافيته وأول الكلام بآخره، كقول البحتري: / فليس الذي حللته بمحلل * وليس الذي حرمته بحرامِ (٦) ومثله في القرآن: (فَمنَ تَابَ مِنَ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عليه إن الله غفور رحيم) (٧) .
- ج ٢ ص ٩٣
ومن ذلك " رد عجز الكلام على صدره " .
-
كقول الله عز وجل: (اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَلآخِرَةُ أَكْبرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تفضيلا) (١) وكقوله: (لا تفتروا على الله كذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بعذابٍ، وقد خابَ من افْتَرى) (٢) .
-
ومن هذا الباب قول القائل (٣) : وإن لم يكن إلا تعللُ ساعةٍ * قليلاً فإني نافعٌ لي قليلُها وكقول جرير: / سقى الرملَ جونٌ مستهلٌ غمامُهُ * وما ذاك إلا حُبّ من حلَّ بالرملِ (٤) وكقول الآخر (٥) : يَودُّ الفتى طولَ السلامةِ والغِنى * فكيف يرى طولَ السلامةِ يفعلُ وكقول أبي صخر الهذلي: عجبتُ لسعي الدهرِ بيني وبينَها * فلما انقضى ما بيننا سكنَ الدهرُ (٦) وكقول الآخر: أصدُّ بأيدي العيس عن قصدٍ أرضِها * وقلبي إليها بالمودة قاصد (٧)
- ج ٢ ص ٩٤
وكقول عمرو بن معدي كرب: إذا لم تستطعْ شيئاً فدعْهُ * وجاوزْهُ إلى ما تستطيعُ (١) * * * ومن البديع " صحة التقسيم " ومن ذلك قول نصيب: / فقال فريقُ القوم: لا وفريقُهم: * نعم، وفريقٌ قال: ويَحَك ما ندري (٢) وليس في أقسام الجواب أكثر من هذا.
-
وكقول الآخر (٣) : فكأنها فيه نهارٌ سَاطِعٌ * وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ (٤) وقول المقنع الكندى: وإن يأكلوا لحمي وفْرتُ لحومَهم * وإن يهدِموا مجدي بنيتُ لهم مجدا (٥) وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم * وإن هم هووا غيى هويتُ لهم رُشدا وإن زجروا طيراً بنحسٍ تَمُّر بي * زجرتُ لهم طيَراً تمرُّ بهم سَعدا وكقول عروة بن حزام: بمن لو أراه عانيا لفديته * ومن لو رأني عانيا لفداني (٦) ونحوه قول الله عز وجل: (اللَّهُ ولى الذين آمنوا، يخرجهم من / الظلمات
ج ٢ ص ٩٥إلى النور، والذين كفروا أوليائهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (١) .
-
* * * ونحوه: " صحة التفسير " .
-
[وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحولها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها ولا زيادة ولا نقصان] (٢) .
-
كقول القائل (٣) : ولي فرسٌ للحلم بالحلم ملجمٌ * ولى فرس للجهل بالجهل مسرج * * * ومن البديع: " التكميل والتتميم " .
-
[وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصححة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها.
-
كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق] (٤) .
- / وكقول نافع بن خليفة:
-
رجالٌ إذا لم يَقْبَلُوا الحقَّ منهمُ * ويعطوه عادوا بالسيوفِ القواطع (٥) وإنما تم جودة المعنى بقوله: " ويعطوه " .
-
وذلك كقول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إلى آخر الآية.
ثم قال: (إن الله عليم خبير) (٦) .
-
* * * ومن البديع: " الترضيع " .
-
وذلك على ألوان (٧) .
- ج ٢ ص ٩٦
منها قول امرئ القيس: مخش مجش مقبل مدبر معا * كتيس ظباء الحلب العدوان (١) ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس: يامنة امتنها السكرُ * ما ينقضي مني لها الشكرُ (٢) وكقوله، وقد ذكرناه قبل هذا (٣) : / ديارُ نوارٍ ما ديار نوار * كسونك شجوا هن منه عوار
* * * ومن ذلك: " الترصيع مع التجنيس " ، كقول ابن المعتز: ألم تجزع على الربع المحيلِ * وأطلالٍ وآثار محول (٤) ونظيره من القرآن كقوله: (إِنَّ الَّذينَ اتَّقَواْ إِذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ، وإخْوَانُهُم يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) (٥) .
-
وقوله: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لأَجْرَاً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (٦) .
-
وكقوله: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لشديد) (٧) .
-
وكقوله: (والطور.