من توفي فيها من الأعيان

٩ فقرات، ج ١٥ ص ٧٩٥

  1. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِي عَشَرَ شَعْبَانَ هَجَمَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ الْمُدَرِّسِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فَسَبُّوهُ وَشَتَمُوهُ; لِامْتِنَاعِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْجَامِعِ وَتَدْرِيسِهِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ، وَأَهَانُوهُ وَجَرُّوهُ، وَلُعِنَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَجَلَسَ أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي عِمَامَةَ، فَلَعَنَ الْمُعْتَزِلَةَ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ.

    ج ١٥ ص ٧٩٥
  2. وَفِي شَوَّالٍ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ السُّلْطَانَ غَزَا بَلَدًا عَظِيمًا، فِيهِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دَارٍ، وَأَلْفُ بِيعَةٍ وَدَيْرٍ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ.

  3. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ حَدَثَ بِالنَّاسِ وَبَاءٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا، وَعُدِمَ الشِّيرْخُشْكَ وَقَلَّ التَّمْرُهِنْدِيٍّ، وَزَادَ الْحَرُّ فِي تَشَارِينَ، وَفَسَدَ الْهَوَاءُ.

  4. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ خُلِعَ عَلَى أَبِي الْغَنَائِمِ الْمَعْمَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ فِي بَيْتِ النُّوبَةِ بِنِقَابَةِ الطَّالِبِيِّينَ، وَالْحَجِّ وَالْمَظَالِمِ، وَلُقِّبَ بِالطَّاهِرِ ذِي الْمَنَاقِبِ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ فِي الْمَوْكِبِ.

  5. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

  6. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

    ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ

    هُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ صَالِحِ بْنِ خَلَفِ بْنِ مَعْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى

    ج ١٥ ص ٧٩٦يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ، أَصْلُ جَدِّهِ يَزِيدُ هَذَا فَارِسِيٌّ، أَسْلَمَ وَخَلَّفَ الْمَذْكُورَ، أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَتْ بَلَدُهُمْ قُرْطُبَةُ فَوُلِدَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا بِهَا فِي سَلْخِ رَمَضَانَ، مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَاشْتَغَلَ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، فَبَرَزَ فِيهَا، وَفَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ، وَصَنَّفَ الْكُتُبَ الْمُفِيدَةَ الْمَشْهُورَةَ، يُقَالُ: إِنَّهُ جَمَعَ أَرْبَعَمِائَةِ مُجَلَّدَةٍ مِنْ تَصْنِيفِهِ فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَمَانِينَ أَلْفَ وَرَقَةٍ.

  7. وَكَانَ أَدِيبًا طَبِيبًا شَاعِرًا فَصِيحًا، لَهُ فِي الطِّبِّ وَالْمَنْطِقِ الْيَدُ الْعُلْيَا، وَكَانَ مِنْ بَيْتِ وِزَارَةٍ وَرِيَاسَةٍ وَوَجَاهَةٍ وَمَالٍ وَثَرْوَةٍ، وَكَانَ مُصَاحِبًا لِلشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمِرِيِّ، وَكَانَ مُنَاوِئًا لِلشَّيْخِ أَبِي الْوَلِيدِ سُلَيْمَانَ بْنِ خَلَفٍ الْبَاجِيِّ، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاظَرَاتٌ يَطُولُ شَرْحُهَا.

  8. وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ كَثِيرَ الْوَقِيعَةِ فِي الْعُلَمَاءِ بِلِسَانِهِ وَقَلَمِهِ أَيْضًا، فَأَوْرَثَهُ ذَلِكَ حِقْدًا فِي قُلُوبِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى بَغَّضُوهُ إِلَى مُلُوكِهِمْ، فَطَرَدُوهُ عَنْ بِلَادِهِ، حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي قَرْيَةٍ لَهُ فِي ثَانِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ.

  9. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرِيًّا فِي الْفُرُوعِ، لَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ، لَا الْجَلِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا الَّذِي وَضَعَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ خَطَأً كَبِيرًا فِي نَظَرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَكَانَ مَعَ هَذَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَأْوِيلًا فِي بَابِ الْأُصُولِ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَضَلَّعَ أَوَّلًا مِنْ عِلْمِ الْمَنْطِقِ، أَخَذَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَذْحِجِيِّ الْكِنَانِيِّ الْقُرْطُبِيِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا وَابْنُ خَلِّكَانَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.