قصة عمرو بن مرة الجهني
٢١ فقرة، ج ٣ ص ٥٢٩
- ج ٣ ص ٥٢٩
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخُزَاعِيُّ الْأَهْوَازِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ بْنِ دِلْهَاثِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ يَاسِرِ بْنِ سُوَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ دِلْهَاثٍ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَاهُ يَاسِرَ بْنَ سُوَيْدٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَأَيْتَ فِي نَوْمِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ نُورًا سَاطِعًا مِنَ الْكَعْبَةِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَبَلِ يَثْرِبَ وَأَشْعَرِ جُهَيْنَةَ فَسَمِعْتُ صَوْتًا بَيْنَ النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: انْقَشَعَتِ الظَّلْمَاءُ، وَسَطَعَ الضِّيَاءُ، وَبُعِثَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ أَضَاءَ إِضَاءَةً أُخْرَى حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الْحِيرَةِ وَأَبْيَضِ الْمَدَائِنِ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ، وَوُصِلَتِ الْأَرْحَامُ فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا فَقُلْتُ لِقَوْمِي: وَاللَّهِ لَيَحَدُثَنَّ لِهَذَا الْحَيِّ مَنْ قُرَيْشٍ حَدَثٌ، وَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بِلَادِنَا جَاءَنِي رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ: أَحْمَدُ قَدْ بُعِثَ فَأَتَيْتُهُ فَأُخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ أَنَا النَّبِيُّ الْمُرْسَلُ إِلَى الْعِبَادِ كَافَّةً أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَآمُرُهُمْ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَفْضِ الْأَصْنَامِ، وَحَجِّ
ج ٣ ص ٥٣٠الْبَيْتِ، وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَمَنْ أَجَابَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ عَصَى فَلَهُ النَّارُ فَآمِنْ بِاللَّهِ يَا عَمْرُو يُؤَمِّنْكَ اللَّهُ مِنْ هَوْلِ جَهَنَّمَ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَإِنْ رَغَمَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ الْأَقْوَامِ، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ أَبْيَاتًا قُلْتُهَا حِينَ سَمِعْتُ بِهِ وَكَانَ لَنَا صَنَمٌ وَكَانَ أَبِي سَادِنًا لَهُ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَكَسَرْتُهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَا أَقُولُ
شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَأَنَّنِي … لِآلِهَةِ الْأَحْجَارِ أَوَّلُ تَارِكِ
وَشَمَّرْتُ عَنْ سَاقِ الْإِزَارِ مُهَاجِرًا … إِلَيْكَ أَجُوبُ الْقَفْرَ بَعْدَ الدَّكَادِكِ
لِأَصْحَبَ خَيْرَ النَّاسِ نَفْسًا وَوَالِدًا … رَسُولَ مَلِيكِ النَّاسِ فَوْقَ الْحَبَائِكِ
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَرْحَبًا بِكَ يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْنِي إِلَى قَوْمِي لَعَلَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِي كَمَا مَنَّ عَلَيَّ بِكَ فَبَعَثَنِي إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ وَالْقَوْلِ السَّدِيدِ وَلَا تَكُنْ فَظًّا وَلَا مُتَكَبِّرًا وَلَا حَسُودًا فَذَكَرَ أَنَّهُ أَتَى قَوْمَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ وَفَدَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
ج ٣ ص ٥٣١فَرَحَّبَ بِهِمْ وَحَيَّاهُمْ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، هَذِهِ نُسْخَتُهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ صَادِقٍ، وَحَقٍّ نَاطِقٍ، مَعَ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ لِجُهَيْنَةَ بْنِ زَيْدٍ: إِنَّ لَكُمْ بُطُونَ الْأَرْضِ وَسُهُولَهَا وَتِلَاعَ الْأَوْدِيَةِ وَظُهُورَهَا، تَزْرَعُونَ نَبَاتَهُ وَتَشْرَبُونَ صَافِيَهَ عَلَى أَنْ تُقِرُّوا بِالْخُمْسِ، وَتُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَمْسِ، وَفِي التَّبِيعَةِ وَالصُّرَيْمَةِ إِنِ اجْتَمَعَتَا شَاتَانِ، وَإِنْ تَفَرَّقَتَا شَاةٌ شَاةٌ، لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَةِ صَدَقَةٌ وَلَا عَلَى الْوَارِدَةِ لَبْقَةٌ، وَشَهِدَ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِكِتَابِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَذَكَرَ شِعْرًا قَالَهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ فِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
-
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الْأَحْزَابِ: ٧] قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي آدَمَ يَوْمَ قَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢]
- ج ٣ ص ٥٣٢
أَخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقًا خَاصًّا، وَأَكَّدَ مَعَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ أُولِي الْعَزْمِ أَصْحَابِ الشَّرَائِعِ الْكِبَارِ، الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ نُوحٌ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
-
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مَنْ طُرُقٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَلَبِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقَدٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى جُعِلْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي الطِّينِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ
ج ٣ ص ٥٣٣قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَتَّى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي قِصَّةِ آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّتَهُ خَصَّ الْأَنْبِيَاءَ بِنُورٍ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ كَانَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ، وَرُتَبِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَنُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ أَظْهَرَ وَأَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ. وَهَذَا تَنْوِيهٌ عَظِيمٌ، وَتَنْبِيهٌ ظَاهِرٌ عَلَى شَرَفِهِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ هِلَالٍ السُّلَمِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنْبِئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ الْأَنْبِيَاءِ يَرَيْنَ وَرَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ وَهْبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ،
ج ٣ ص ٥٣٤وَزَادَ إِنَّ أُمَّهُ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا، أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ بُدَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ أَيْضًا، وَهَكَذَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ بِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَّى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ دَعْلَجٍ وَسَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [اَلْأَحْزَابِ: ٧]
ج ٣ ص ٥٣٥قَالَ: كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
-
وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَشَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مِثْلَهُ. وَهَذَا أَثْبَتُ، وَأَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَآدَمُ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ سَابِقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا مَحَالَةَ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِعْلَامِ بِهِ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مَنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَزَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي آخِرِهِ: فَكَانَ ﷺ آخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ وَبِهِ خُتِمَتِ النُّبُوَّةُ وَهُوَ السَّابِقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَكْتُوبٍ فِي النُّبُوَّةِ وَالْعَهْدِ. ثُمَّ قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْفَضِيلَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النُّبُوَّةَ قَبْلَ
ج ٣ ص ٥٣٦تَمَامِ خَلْقِ آدَمَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِيجَابُ هُوَ مَا أَعْلَمَ اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ. مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ وَقَضَائِهِ، مِنْ بِعْثَتِهِ لَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَهَذَا الْكَلَامُ يُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
-
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَفِيهِ كَلَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إِلَّا غَفَرْتَ لِي. فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ كَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا، وَلَمْ أَخْلُقْهُ بَعْدُ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ، وَنَفَخْتَ فِيَّ مَنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ. فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، وَإِذْ قَدْ سَأَلْتَنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آلِ عِمْرَانَ: ٨١، ٨٢]
- ج ٣ ص ٥٣٧
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلِيَنْصُرَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلِيَنْصُرُنَّهُ.
-
وَهَذَا تَنْوِيهٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِهِ، وَعَظَمَتِهِ فِي سَائِرِ الْمِلَلِ، وَعَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِعْلَامٌ لَهُمْ وَمِنْهُمْ بِرِسَالَتِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَأَنَّهُ أَكْرَمُ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَقَدْ أَوْضَحَ أَمْرَهُ، وَكَشَفَ خَبَرَهُ وَبَيَّنَ سِرَّهُ وَجَلَّى مَجْدَهُ وَمَوْلِدَهُ وَبَلَدَهُ، إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ فِي قَوْلِهِ عليه السلام حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَةِ: ١٢٩] فَكَانَ أَوَّلُ بَيَانِ أَمْرِهِ عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْوُضُوحِ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ أَكْرَمِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا الْفَرَجُ يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ
ج ٣ ص ٥٣٨أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْمَوْلِدِ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ حُجْرِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ أَوَّلَ أَمْرِ نُبُوَّتِكَ؟ فَقَالَ: أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الْمِيثَاقَ كَمَا أَخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ، وَرَأَتْ أَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهَا سِرَاجٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ ..
وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ قَالَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ أَيْضًا، وَفِيهِ بِشَارَةٌ لِأَهْلِ مَحَلَّتِنَا أَرْضِ بُصْرَى، أَنَّهَا أَوَّلُ بُقْعَةٍ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ خَلَصَ إِلَيْهَا نُورُ النُّبُوَّةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَكَانَ فَتْحُهَا صُلْحًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَقَدْ قَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ فِي صُحْبَةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَتْ عِنْدَهَا قِصَّةُ بَحِيرَى الرَّاهِبِ كَمَا بَيَّنَاهُ وَالثَّانِيَةُ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ مَوْلَى خَدِيجَةَ فِي تِجَارَةٍ لَهَا، وَبِهَا مَبْرَكُ النَّاقَةِ الَّتِي يُقَالُ: إِنَّ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرَكَتْ عَلَيْهِ فَأَثَّرَ ذَلِكَ فِيهَا،
ج ٣ ص ٥٣٩فِيمَا يُذْكَرُ. ثُمَّ نُقِلَ وَبُنِيَ عَلَيْهِ مَسْجِدٌ مَشْهُورٌ الْيَوْمَ. وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي أَضَاءَتْ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ عِنْدَهَا مِنْ نُورِ النَّارِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَفْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
-
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الْآيَةَ [اَلْأَعْرَافِ: ١٥٧] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي صَخْرٍ الْعُقَيْلِيِّ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ قَالَ: جَلَبْتُ جَلُوبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ بَيْعِي قُلْتُ: لَأَلْقَيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلْأَسْمَعَنَّ مِنْهُ، قَالَ: فَتَلَقَّانِي بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ فَتَبِعْتُهُمْ حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ نَاشِرَ التَّوْرَاةِ يَقْرَؤُهَا، يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ عَنِ ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ هَلْ تَجِدُ فِي
ج ٣ ص ٥٤٠كِتَابِكَ ذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا أَيْ: لَا. فَقَالَ ابْنُهُ: إِيْ وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا صِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: أَقِيمُوا الْيَهُودِيَّ عَنْ أَخِيكُمْ. ثُمَّ وَلِيَ كَفْنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَلَهُ شَوَاهِدُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه .
-
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ أَبُو بَحْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْفَلَتَانِ بْنِ عَاصِمٍ، وَذَكَرَ أَنَّ خَالَهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ شَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى رَجُلٍ فَإِذَا يَهُودِيٌّ عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَنَعْلَانِ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَلِّمُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَالْقُرْآنُ؟ لَوْ تَشَاءُ قَرَأْتُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَبِمَ تَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أَتَجِدُنِي نَبِيًّا؟ قَالَ: إِنَّا نَجِدُ نَعْتَكَ وَمَخْرَجَكَ فَلَمَّا خَرَجْتَ رَجَوْنَا أَنْ تَكُونَ فِينَا فَلَمَّا رَأَيْنَاكَ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَسْتَ
ج ٣ ص ٥٤١بِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلِمَ يَا يَهُودِيُّ؟ قَالَ: إِنَّا نَجِدُهُ مَكْتُوبًا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا نَرَى مَعَكَ إِلَّا نَفَرًا يَسِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أُمَّتِي لَأَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ فَقَالَ: أَخْرِجُوا أَعْلَمَكُمْ. فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا. فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاشَدَهُ بِدِينِهِ وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَطْعَمَهُمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ بِهِ مِنَ الْغَمَامِ أَتَعْلَمُنِي رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَإِنَّ الْقَوْمَ لَيَعْرِفُونَ مَا أَعْرِفُ، وَإِنَّ صِفَتَكَ وَنَعْتَكَ لَمُبَيَّنٌ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَكِنَّهُمْ حَسَدُوكُ قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ خِلَافَ قَوْمِي، وَعَسَى أَنْ يَتَّبِعُوكَ وَيُسْلِمُوا فَأُسْلِمُ، وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ:» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَاحِبِ مُوسَى وَأَخِيهِ وَالْمُصَدِّقِ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى أَلَا إِنَّ اللَّهَ قَالَ لَكُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَأَهْلَ التَّوْرَاةِ إِنَّكُمْ تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ إِنَّ مُحَمَّدًا: رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا
ج ٣ ص ٥٤٢سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [اَلْفَتْحِ: ٢٩] . وَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، وَبِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَطْعَمَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَسْلَافِكُمْ وَأَسْبَاطِكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَيْبَسَ الْبَحْرَ لِآبَائِكُمْ حَتَّى أَنْجَاكُمْ مَنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، إِلَّا أَخْبَرْتُمُونَا: هَلْ تَجِدُونَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ فَلَا كُرْهَ عَلَيْكُمْ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى نَبِيِّهِ ﷺ .
-
وَقَدْ ذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ فِي كِتَابِ الْمُبْتَدَأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ بَعْدَ أَنْ خَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَاسْتَذَلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِسَبْعِ سِنِينَ رَأَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا عَظِيمَةً هَالَتْهُ فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالْحُزَاةَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ رُؤْيَاهُ تِلْكَ فَقَالُوا: لِيَقُصَّهَا الْمَلِكُ حَتَّى نُخْبِرَهُ بِتَأْوِيلِهَا فَقَالَ: إِنِّي أُنْسِيتُهَا، وَإِنْ لَمْ تُخْبِرُونِي بِهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَتَلْتُكُمْ عَنْ آخِرِكُمْ فَذَهَبُوا خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِنْ
ج ٣ ص ٥٤٣وَعِيدِهِ. فَسَمِعَ بِذَلِكَ دَانْيَالُ عليه السلام وَهُوَ فِي سِجْنِهِ فَقَالَ لِلسَّجَّانِ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا عِنْدَهُ عِلْمُ رُؤْيَاكَ وَتَأْوِيلُهَا. فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ فَطَلَبَهُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ. فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ لِي؟ فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ آتَانِي عِلْمًا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْجُدَ لِغَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ بُخْتُنَصَّرُ: إِنِّي أُحِبُّ الَّذِينَ يُوفُونَ لِأَرْبَابِهِمْ بِالْعُهُودِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ رُؤْيَايَ. قَالَ لَهُ دَانْيَالُ: رَأَيْتَ صَنَمًا عَظِيمًا رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ، أَعْلَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَوَسَطُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَسْفَلُهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَرِجْلَاهُ مِنْ فَخَّارٍ فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُ وَإِحْكَامُ صَنْعَتِهِ قَذَفَهُ اللَّهُ بِحَجَرٍ مِنَ السَّمَاءِ فَوَقَعَ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِهِ حَتَّى طَحَنَهُ، وَاخْتَلَطَ ذَهَبُهُ وَفِضَّتُهُ وَنُحَاسُهُ وَحَدِيدُهُ وَفَخَّارُهُ حَتَّى تَخَيَّلَ إِلَيْكَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يُمَيِّزُوا بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَنَظَرْتَ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي قُذِفَ بِهِ يَرْبُو وَيَعْظُمُ وَيَنْتَشِرُ حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَصِرْتَ لَا تَرَى إِلَّا الْحَجَرَ وَالسَّمَاءَ. فَقَالَ لَهُ بُخْتُنَصَّرَ: صَدَقْتَ هَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُهَا فَمَا تَأْوِيلُهَا؟.
فَقَالَ دَانْيَالُ: أَمَّا الصَّنَمُ; فَأُمَمٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَفِي وَسَطِهِ، وَفِي آخِرِهِ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي قُذِفَ بِهِ الصَّنَمُ; فَدِينٌ يَقْذِفُ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيُظْهِرُهُ عَلَيْهَا فَيَبْعَثُ اللَّهُ نَبِيًّا أُمِّيًّا مِنَ الْعَرَبِ فَيُدَوِّخُ
ج ٣ ص ٥٤٤بِهِ الْأُمَمَ وَالْأَدْيَانَ، كَمَا رَأَيْتَ الْحَجَرَ دَوَّخَ أَصْنَافَ الصَّنَمِ، وَيَظْهَرُ عَلَى الْأَدْيَانِ وَالْأُمَمِ، كَمَا رَأَيْتَ الْحَجَرَ ظَهَرَ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا فَيُمَحِّصُ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ، وَيُزْهِقُ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيَهْدِي بِهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ، وَيُعَلِّمُ بِهِ الْأُمِّيِّينَ، وَيُقَوِّي بِهِ الضَّعَفَةَ، وَيَعِزُّ بِهِ الْأَذِلَّةَ، وَيَنْصُرُ بِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْقِصَّةِ فِي إِطْلَاقِ بُخْتَنَصَّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيْ دَانْيَالَ عليه السلام ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي قِصَّةِ وُفُودِهِ عَلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَسُؤَالِهِ لَهُ عَنْ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرِيبًا مِنْ سُؤَالِ هِرَقْلَ لِأَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ أَسَاقِفَةَ النَّصَارَى فِي الْكَنَائِسِ عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخْبَرُوهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهِيَ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمِدْرَاسِ الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَسْلِمُوا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَتَجِدُونَ صِفَتِي فِي كُتُبِكُمْ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ. فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِصِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ; يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [اَلْأَحْزَابِ: ٤٥] وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، وَأَنْتَ عَبْدِي
- ج ٣ ص ٥٤٥
وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا سَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمُوا الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ; بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْعَوْفِيِّ عَنْ فُلَيْحٍ بِهِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - قِيلَ: ابْنُ رَجَاءٍ، وَقِيلَ: ابْنُ صَالِحٍ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ بِهِ، وَلَفْظُهُ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، وَفِيهِ زِيَادَةٌ.
-
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحٍ عَنْ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءٍ وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقِيتُ كَعْبًا فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَمَا اخْتَلَفَ حَرْفًا، وَقَالَ فِي الْبُيُوعِ: وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّا
ج ٣ ص ٥٤٦أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُهُ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابَ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِمِثْلِهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ; بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ يَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ ابْنُ سَلَامٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَشْبَهُ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَكْثَرُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَجَدَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ زَامِلَتَيْنِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْهُمَا كَثِيرًا، وَلِيُعْلَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ كَانُوا يُطْلِقُونَ التَّوْرَاةَ عَلَى كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهِيَ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى، وَقَدْ ثَبَتَ شَاهِدُ ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ.
-
وَقَالَ يُونُسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قُلْتُ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُونَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، اسْمُهُ الْمُتَوَكِّلُ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَأُعْطِيَ
ج ٣ ص ٥٤٧الْمَفَاتِيحَ فَيُبَصِّرُ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنًا عُورًا، وَيُسْمِعُ آذَانًا وُقْرًا، وَيُقِيمُ بِهِ أَلْسُنًا مُعْوَجَّةً حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُعِينُ الْمَظْلُومَ وَيَمْنَعُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا قَالَ: نُودُوا: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ اسْتَجَبْتُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوَنِي، وَأَعْطَيْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِي. وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: يَا دَاوُدُ إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكَ نَبِيٌّ اسْمُهُ أَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ صَادِقًا سَيِّدًا، لَا أَغْضَبُ عَلَيْهِ أَبَدًا وَلَا يُغْضِبُنِي أَبَدًا، وَقَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْصِيَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ أَعْطَيْتُهُمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهُمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ حَتَّى يَأْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُورُهُمْ مِثْلُ نُورِ الْأَنْبِيَاءِ. إِلَى أَنْ قَالَ: يَا دَاوُدُ إِنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَهُ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا.
- ج ٣ ص ٥٤٨
وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [اَلْقِصَصِ: ٥٢، ٥٣] وَقَالَ تَعَالَى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الْبَقَرَةِ: ١٤٦] وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [اَلْإِسْرَاءِ: ١٠٧، ١٠٨] أَيْ: إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا بِوُجُودِ مُحَمَّدٍ وَإِرْسَالِهِ لَكَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَسُبْحَانَ الْقَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [اَلْمَائِدَةِ: ٨٣] وَفِي قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ، وَسَلْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
-
وَذَكَرْنَا فِي تَضَاعِيفِ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، مَا تَقَدَّمُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ وَصْفِهِمْ لِبِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَعْتِهِ وَبَلَدِ مَوْلِدِهِ وَدَارِ مُهَاجَرِهِ، وَنَعْتِ أُمَّتِهِ فِي قِصَّةِ
ج ٣ ص ٥٤٩مُوسَى وَأَشْعِيَا وَأَرْمِيَا وَدَانْيَالَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ آخِرِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَاتَمِهِمْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، أَنَّهُ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا قَائِلًا لَهُمْ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [اَلصَّفِّ: ٦] وَفِي الْإِنْجِيلِ الْبِشَارَةُ بِالْبَارَقْلِيطِ وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ .
-
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا سَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا فَيْضٌ الْبَجَلِيُّ حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ عز وجل إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: جُدَّ فِي أَمْرِي، وَاسْمَعْ وَأَطِعْ يَا ابْنَ الطَّاهِرَةِ الْبِكْرِ الْبَتُولِ، أَنَا خَلَقْتُكَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ فَجَعَلْتُكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ فَبَيِّنْ لِأَهْلِ سُورَانَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ بَلِّغْ مَنْ بَيْنِ يَدَيْكَ أَنِّي أَنَا الْحَقُّ الْقَائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ صَدِّقُوا بِالنَّبِيِّ
ج ٣ ص ٥٥٠الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ، صَاحِبِ الْجَمَلِ وَالْمِدْرَعَةِ وَالْعِمَامَةِ وَهِيَ التَّاجُ وَالنَّعْلَيْنِ وَالْهِرَاوَةِ وَهِيَ الْقَضِيبُ، الْجَعْدُ الرَّأْسِ الصَّلْتُ الْجَبِينِ الْمَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ الْأَنْجَلُ الْعَيْنَيْنِ الْأَهْدَبُ الْأَشْفَارِ الْأَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ الْأَقْنَى الْأَنْفِ الْوَاضِحُ الْخَدَّيْنِ الْكَثُّ اللِّحْيَةِ، عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ رِيحُ الْمِسْكِ يَنْضَحُ مِنْهُ، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ وَكَأَنَّ الذَّهَبَ يَجْرِي فِي تَرَاقِيهِ، لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ تَجْرِي كَالْقَضِيبِ لَيْسَ فِي بَطْنِهِ شَعْرٌ غَيْرُهُ، شَثْنُ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ، إِذَا جَاءَ مَعَ النَّاسِ غَمَرَهُمْ، وَإِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنَ الصَّخْرِ وَيَتَحَدَّرُ مِنْ صَبَبٍ، ذُو النَّسْلِ الْقَلِيلِ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الذُّكُورَ مِنْ صُلْبِهِ. هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ حَدَّثَنِي بَعْضُ
ج ٣ ص ٥٥١عُمُومَتِي وَآبَائِي أَنَّهُمْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ وَرَقَةٌ يَتَوَارَثُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهِيَ عِنْدَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ ذَكَرُوهَا لَهُ وَأَتَوْهُ بِهَا، مَكْتُوبٌ فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تَبَابٍ، هَذَا الذِّكْرُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يُسَبِّلُونَ أَطْرَافَهُمْ وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيَخُوضُونَ الْبُحُورَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ فِيهِمْ صَلَاةٌ لَوْ كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ مَا أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، وَفِي عَادٍ مَا أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ، وَفِي ثَمُودَ مَا أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. بِسْمِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تِبَابٍ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً أُخْرَى، قَالَ: فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَرَأْتُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهَا.
-
وَذَكَرْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ [اَلْأَعْرَافِ: ١٥٧] قِصَّةَ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيِّ حِينَ بَعَثَهُ الصِّدِّيقُ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى هِرَقْلَ، يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ عز وجل فَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُمْ صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ فِي رَبْعَةٍ، مِنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، عَلَى النَّعْتِ وَالشَّكْلِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ صُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامَ قَائِمًا إِكْرَامًا لَهُ. ثُمَّ جَلَسَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَتَأَمَّلُهَا. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: مَنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الصُّوَرُ؟ فَقَالَ: إِنَّ آدَمَ سَأَلَ
ج ٣ ص ٥٥٢رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِهِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُوَرَهُمْ فَكَانَ فِي خِزَانَةِ آدَمَ عليه السلام عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَدَفَعَهَا إِلَى دَانْيَالَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي قَدْ طَابَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِي، وَإِنِّي كُنْتُ عَبْدًا لِأَشَرِّكُمْ مَلَكَةً حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ أَجَازَنَا فَأَحْسَنَ جَائِزَتَنَا وَسَرَّحَنَا.
-
فَلَمَّا أَتَيْنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا رَأَيْنَا وَمَا أَجَازَنَا وَمَا قَالَ لَنَا. قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مِسْكِينٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَفَعَلَ. ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ وَالْيَهُودَ يَجِدُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ عِنْدَهُمْ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِطُولِهِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
وَقَالَ الْأُمَوِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قَدِمْتُ بِرَقِيقٍ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ أَعْطَانِيهِمْ فَقَالُوا لِي: يَا عَمْرُو لَوْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ لَعَرَفْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخْبِرَنَا فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَهُوَ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. فَمَرَّ عُمَرُ فَقُلْتُ: أَهُوَ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. فَدَخَلْنَا الدَّارَ فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادُونِي: يَا عَمْرُو هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ
ج ٣ ص ٥٥٣هُوَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِهِ أَحَدٌ، عَرَفُوهُ بِمَا كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ إِنْذَارُ سَبَأٍ لِقَوْمِهِ، وَبِشَارَتِهِ لَهُمْ بِوُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِعْرٍ أَسْلَفْنَاهُ فِي تَرْجَمَتِهِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْحَبْرَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ لِتُبَّعٍ الْيَمَانِيِّ، حِينَ حَاصَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّهَا مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَرَجَعَ عَنْهَا، وَنَظَمَ شِعْرًا يَتَضَمَّنُ السَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .