من توفي فيها من الأعيان
٧ فقرات، ج ١٧ ص ٣١٠
- ج ١٧ ص ٣١٠
وَقَدْ كَانَ الصَّالِحُ، رحمه الله ، مَلِكًا عَاقِلًا حَازِمًا، تَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ أَطْوَارًا كَثِيرَةً، وَقَدْ كَانَ الْأَشْرَفُ مُوسَى أَوْصَى لَهُ بِدِمَشْقَ مِنْ بَعْدِهِ، فَمَلَكَهَا شُهُورًا، ثُمَّ انْتَزَعَهَا مِنْهُ أَخُوهُ الْكَامِلُ، ثُمَّ مَلَكَهَا مِنْ يَدِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، فَاسْتَمَرَّ فِيهَا أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، ثُمَّ اسْتَعَادَهَا مِنْهُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ عَامَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، وَاسْتَقَرَّتْ بِيَدِهِ بَلَدَاهُ بَعْلَبَكُّ وَبُصْرَى، ثُمَّ أُخِذَتَا مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ بَلَدٌ يَأْوِي إِلَيْهِ، فَلَجَأَ إِلَى الْمَمْلَكَةِ الْحَلَبِيَّةِ فِي جِوَارِ النَّاصِرِ يُوسُفَ صَاحِبِ حَلَبَ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرْنَا عُدِمَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَلَا يُدْرَى مَا فُعِلَ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَهُوَ وَاقِفُ التُّرْبَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَدَارِ الْحَدِيثِ وَالْإِقْرَاءِ بِدِمَشْقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
- وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ:
-
الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ تُورَانْشَاهْ بْنُ الصَّالِحِ أَيُّوبَ بْنِ الْكَامِلِ بْنِ الْعَادِلِ
كَانَ
ج ١٧ ص ٣١١أَوَّلًا صَاحِبَ حِصْنِ كَيْفَا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ فِي أَيَّامِهِ فَلَا يُجِيبُهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَمَا ذَكَرْنَا اسْتَدْعَاهُ الْأُمَرَاءُ، فَأَجَابَهُمْ وَجَاءَ إِلَيْهِمْ فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مُتَخَلِّعًا لَا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ. وَقَدْ رُئِيَ أَبُوهُ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَهْ … صَارَ لِلْعَالَمِ مُثْلَهْ
لَمْ يُرَاعُوا فِيهِ إِلًّا … لَا وَلَا مَنْ كَانَ قَبْلَهْ
سَتَرَاهُمْ عَنْ قَرِيبٍ … لِأَقَلِّ النَّاسِ أُكْلَهْ
وَكَانَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ اقْتِتَالِ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامَيْنِ.
-
وَمِمَّنْ عُدِمَ فِيمَا بَيْنُ الصَّفَّيْنِ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَمِنْهُمُ الشَّمْسُ لُؤْلُؤٌ مُدَبِّرُ مَمَالِكِ الْحَلَبِيِّينَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
- وَاقِفَةُ الْحَافِظِيَّةِ:
-
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْخَاتُّونِ أَرْغُونَ الْحَافِظِيَّةِ، سُمِّيَتِ الْحَافِظِيَّةَ لِخِدْمَتِهَا وَتَرْبِيَتِهَا الْحَافِظَ صَاحِبَ قَلْعَةِ جَعْبَرٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةً عَاقِلَةً مُدَبِّرَةً، عُمِّرَتْ دَهْرًا، وَلَهَا أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُصْلِحُ الْأَطْعِمَةَ لِلْمُغِيثِ عُمَرَ بْنِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، فَصَادَرَهَا الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَخَذَ
ج ١٧ ص ٣١٢مِنْهَا أَرْبَعَ مِائَةِ صُنْدُوقٍ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ وَقَفَتْ دَارَهَا بِدِمَشْقَ عَلَى خُدَّامِهَا، وَاشْتَرَتْ بُسْتَانَ النَّجِيبِ يَاقُوتٍ الَّذِي كَانَ خَادِمَ الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْكِنْدِيِّ، وَجَعَلَتْ فِيهِ تُرْبَةً وَمَسْجِدًا، وَوَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَوْقَافًا جَيِّدَةً، رَحِمَهَا اللَّهُ.
-
وَاقِفُ الْأَمِينِيَّةِ الَّتِي بِبَعْلَبَكَّ، أَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ غَزَّالٌ الْمُتَطَبِّبُ
وَزِيرُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ أَبِي الْخِيَشِ الَّذِي كَانَ مَشْئُومًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى سُلْطَانِهِ، وَسَبَبًا فِي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْهُ وَعَنْ مَخْدُومِهِ، وَهَذَا هُوَ وَزِيرُ السَّوْءِ، وَقَدِ اتَّهَمَهُ السِّبْطُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَسَتِّرًا بِالدِّينِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ دِينٌ، فَأَرَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَمَّا عُدِمَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بِدِيَارِ مِصْرَ; عَمَدَ مَنْ عَمَدَ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَيْهِ وَإِلَى ابْنِ يَغْمُورٍ نَاصِرِ الدِّينِ، فَشَنَقُوهُمَا وَصَلَبُوهُمَا عَلَى الْقَلْعَةِ بِمِصْرَ. وَقَدْ وُجِدَ لِأَمِينِ الدَّوْلَةِ غَزَّالٍ هَذَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالتُّحَفِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَثَاثِ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَشَرَةُ آلَافِ مُجَلَّدٍ بِخَطٍّ مَنْسُوبٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْخُطُوطِ النَّفِيسَةِ الْفَائِقَةِ.