من توفي فيها من الأعيان
٨ فقرات، ج ١٨ ص ٢٩
- ج ١٨ ص ٢٩
كَانُوا يَتَسَاقَطُونَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْمَهَالِكِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ غَرِقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ فِي الْفُرَاتِ بِسَبَبِ الظَّلَامِ، وَكَشَفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ غُمَّةً عَظِيمَةً شَدِيدَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
-
وَدَخَلَ السُّلْطَانُ إِلَى دِمَشْقَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ خَامِسِ رَمَضَانَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْخَلِيفَةُ، وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ، وَفَرِحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ، فَنَزَلَ السُّلْطَانُ فِي الْقَصْرِ الْأَبْلَقِ وَالْمَيْدَانِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَحَوَّلَ إِلَى الْقَلْعَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَصَلَّى بِهَا الْجُمُعَةَ، وَخَلَعَ عَلَى نُوَّابِ الْبِلَادِ، وَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَاسْتَقَرَّتِ الْخَوَاطِرُ، وَذَهَبَ الْيَأْسُ، وَطَابَتْ قُلُوبُ النَّاسِ، وَعَزَلَ السُّلْطَانُ ابْنَ النَّحَّاسِ عَنْ وِلَايَةِ الْمَدِينَةِ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ الْأَمِيرَ عَلَاءَ الدِّينِ أَيْدُغْدِي أَمِيرَ عَلَمٍ، وَعَزَلَ صَارِمَ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ وَالِي الْخَاصِّ عَنْ وِلَايَةِ الْبَرِّ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ الْأَمِيرَ حُسَامَ الدِّينِ لَاجِينَ الصَّغِيرَ، ثُمَّ عَادَ السُّلْطَانُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثِ شَوَّالٍ بَعْدَ أَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَعَيَّدَ بِدِمَشْقَ. وَطَلَبَ الصُّوفِيَّةُ مِنْ نَائِبِ دِمَشْقَ الْأِفْرَمِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ لِلشَّيْخِ صَفِيِّ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ، فَأَذِنَ لَهُ فِي الْمُبَاشَرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسِ شَوَّالٍ عِوَضًا عَنْ نَاصِرِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَدَخَلَ السُّلْطَانُ الْقَاهِرَةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثِ عِشْرِينَ شَوَّالٍ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَزُيِّنَتِ الْقَاهِرَةُ.
- ج ١٨ ص ٣٠
وَفِيهَا جَاءَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ يَوْمَ الْخَمِيسِ بُكْرَةَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ جُمْهُورُهَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، تَلَاطَمَتْ بِسَبَبِهَا الْبِحَارُ، فَكُسِرَتِ الْمَرَاكِبُ، وَتَهَدَّمَتِ الدُّورُ، وَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ عز وجل ، وَتَشَقَّقَتِ الْحِيطَانُ، وَلَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، وَكَانَ مِنْهَا بِالشَّامِ طَائِفَةٌ، لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ أَخَفَّ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ غَيْرِهَا.
-
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ بَاشَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْحَاجِّ الْإِشْبِيلِيُّ الْمَالِكِيُّ إِمَامَةَ مِحْرَابِ الْمَالِكِيَّةِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الصِّنْهَاجِيِّ.
-
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، الشَّيْخُ الْإِمَامُ، الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ، الْحَافِظُ، قَاضِي الْقُضَاةِ: تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْقُشَيْرِيُّ الْمِصْرِيُّ، وُلِدَ يَوْمَ السَّبْتِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِسَاحِلِ مَدِينَةِ يَنْبُعَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ، وَخَرَّجَ، وَصَنَّفَ فِيهِ - إِسْنَادًا وَمَتْنًا - مُصَنَّفَاتٍ عَدِيدَةً فَرِيدَةً مُفِيدَةً، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْعِلْمِ فِي زَمَانِهِ، وَفَاقَ أَقْرَانَهَ، وَرَحَلَ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ، وَدَرَّسَ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ، وَكَانَ وَقُورًا قَلِيلَ
ج ١٨ ص ٣١الْكَلَامِ، غَزِيرَ الْفَوَائِدِ، كَثِيرَ الْعُلُومِ فِي دِيَانَةٍ وَنَزَاهَةٍ، وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَادِيَ عَشَرَ شَهْرِ صَفَرٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْمَذْكُورِ بِسُوقِ الْخَيْلِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَالْأُمَرَاءُ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ الصُّغْرَى رحمه الله .
-
الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ السَّكَنْدَرِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ فَلَاحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَتَفَقَّهَ، وَدَرَّسَ بِالْقُوصِيَّةِ، وَأَعَادَ وَأَفْتَى، وَنَابَ فِي الْخَطَابَةِ مُدَّةً، وَفِي الْحُكْمِ عَنِ ابْنِ جَمَاعَةَ، وَكَانَ دَيِّنًا فَاضِلًا، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ - عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
-
وَبَعْدَ شَهْرٍ سَوِيٍّ، كَانَتْ وَفَاةُ الصَّدْرِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الْعَطَّارِ - كَاتِبِ الدَّرْجِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً - أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ مَحْمُودِ بْنِ أَبِي الْوَحْشِ أَسَدِ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ فِتْيَانَ الشَّيْبَانِيُّ، كَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ
ج ١٨ ص ٣٢وَأَحْسَنِهِمْ تَقِيَّةً، وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ لَهُمْ تَحْتَ الْكَهْفِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، رحمه الله .
-
الْمَلِكُ الْعَادِلُ زَيْنُ الدِّينِ كَتْبُغَا، تُوُفِّيَ بِحَمَاةَ نَائِبًا عَلَيْهَا بَعْدَ صَرْخَدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى، وَنُقِلَ إِلَى تُرْبَتِهٍ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ غَرْبِيَّ الرِّبَاطِ النَّاصِرِيِّ، يُقَالُ لَهَا: الْعَادِلِيَّةُ، وَهِيَ تُرْبَةٌ مَلِيحَةٌ ذَاتُ شَبَابِيكَ، وَبَوَّابَةٍ، وَمِئْذَنَةٍ، وَلَهُ عَلَيْهَا أَوْقَافٌ دَارَّةٌ عَلَى وَظَائِفَ، مِنْ قِرَاءَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِمَامَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ الْمَنْصُورِيَّةِ، وَقَدْ مَلَكَ الْبِلَادَ بَعْدَ مَقْتَلِ الْأَشْرَفِ خَلِيلِ بْنِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ انْتَزَعَ الْمُلْكَ لَاجِينُ، وَجَلَسَ فِي قَلْعَةِ دِمَشْقَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى صَرْخَدَ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ لَاجِينُ، وَأَخَذَ الْمُلْكَ النَّاصِرُ بْنُ قَلَاوُونَ فَاسْتَنَابَهُ بِحَمَاةَ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ، وَأَعْدَلِهِمْ، وَأَكْثَرِهِمْ بِرًّا، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ وَالنُّوَّابِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.