كائنة عجيبة غريبة جدا

١٦ فقرة، ج ١٨ ص ٥١٣

  1. ثُمَّ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَقَعَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ جَيْشِ دِمَشْقَ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أُلْجَيْبُغَا نَائِبِ طَرَابُلُسَ، الَّذِي جَاءَ فَأَمْسَكَ نَائِبَ دِمَشْقَ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ أَرْغُونَ شَاهْ النَّاصِرِيَّ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ، وَقَتَلَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَقَامَ بِالْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ يَسْتَخْلِصُ أَمْوَالَهُ، وَحَوَاصِلَهُ، وَيَجْمَعُهَا عِنْدَهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْأُمَرَاءُ الْكِبَارُ، وَأَمَرُوهُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَمْوَالَ إِلَى قَلْعَةِ السُّلْطَانِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَاتَّهَمُوهُ فِي أَمْرِهِ، وَشَكُّوا فِي الْكِتَابِ الَّذِي عَلَى يَدِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِمَسْكِهِ وَقَتْلِهِ، وَرَكِبُوا مُلْبِسِينَ تَحْتَ الْقَلْعَةِ وَأَبْوَابِ الْمَيَادِينِ، وَرَكِبَ هُوَ فِي أَصْحَابِهِ وَهُمْ فِي دُونِ الْمِائَةِ، وَقَائِلٌ

    ج ١٨ ص ٥١٤يَقُولُ: هُمْ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ. جَعَلُوا يَحْمِلُونَ عَلَى الْجَيْشِ حَمْلَ الْمُسْتَقْبِلِينَ، إِنَّمَا يُدَافِعُهُمْ مُدَافَعَةَ الْمُتَبَرِّمِينَ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَرْسُومٌ بِقَتْلِهِمْ وَلَا قِتَالِهِمْ; فَلِهَذَا وَلَّى أَكْثَرُهُمْ مُنْهَزِمِينَ، فَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ حَتَّى بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أُلْجَيْبُغَا الْعَادِلِيُّ، فَقُطِعَتْ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، وَقُتِلَ آخَرُونَ مِنْ أَجْنَادِ الْحَلْقَةِ وَالْمُسْتَخْدَمِينَ، ثُمَّ انْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى أَنْ أَخَذَ أُلْجَيْبُغَا الْمُظَفَّرِيُّ مِنْ خُيُولِ أَرْغُونَ شَاهْ الْمُرْتَبِطَةِ فِي إِسْطَبْلِهِ مَا أَرَادَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمِزَّةِ صَاعِدًا عَلَى عَقَبَتِهَا، وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ الَّتِي جَمَعَهَا مِنْ حَوَاصِلِ أَرْغُونَ شَاهْ، وَاسْتَمَرَّ ذَاهِبًا، وَلَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْجَيْشِ، وَصُحْبَتُهُ الْأَمِيرُ فَخْرُ الدِّينِ إِيَاسُ الَّذِي كَانَ حَاجِبًا، وَنَابَ فِي حَلَبَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَذَهَبَا بِمَنْ مَعَهُمَا إِلَى طَرَابُلُسَ، وَكَتَبَ أُمَرَاءُ الشَّامِ إِلَى السُّلْطَانِ يُعْلِمُونَهُ بِصُورَةِ مَا وَقَعَ، فَجَاءَ الْبَرِيدُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ السُّلْطَانِ عَلْمٌ بِمَا وَقَعَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ عَلَى يَدَيْهِ مُفْتَعِلٌ، وَجَاءَ الْأَمْرُ لِأَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ جَيْشِ دِمَشْقَ أَنْ يَسِيرُوا وَرَاءَهُ لِيُمْسِكُوهُ، ثُمَّ أُضِيفَ نَائِبُ صَفَدَ مُقَدَّمًا عَلَى الْجَمِيعِ، فَخَرَجُوا فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ.

    ج ١٨ ص ٥١٣
  2. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسِ رَبِيعٍ الْآخِرِ خَرَجَتِ الْعَسَاكِرُ فِي طَلَبِ سَيْفِ الدِّينِ أُلْجَيْبُغَا الَّذِي فَعَلَ الْأَفَاعِيلَ، وَخَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ بِالسَّالِمِيِّ بَعْدَ مَا قَتَلَ نَائِبَ

    ج ١٨ ص ٥١٥سَلْطَنَتِهَا وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهَا، وَجَرَحَ خَلْقًا مِنْ أَجْنَادِهَا، وَقُطِعَتْ يَدُ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أُلْجَيْبُغَا الْعَادِلِي فِي الْمَعْرَكَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الْأُلُوفِ الْمُقَدَّمِينَ.

  3. وَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ سَابِعُهُ نُودِيَ بِالْبَلَدِ عَلَى مَنْ يَقْرَبُهَا مِنَ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ أَحَدٌ عَنِ الْخُرُوجِ بِالْغَدِ، فَأَصْبَحُوا فِي سُرْعَةٍ عَظِيمَةٍ، وَاسْتُنِيبَ فِي الْبَلَدِ نِيَابَةً عَنِ النَّائِبِ الرَّاتِبِ الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْخَطِيرِ، فَحَكَمَ بِدَارِ السَّعَادَةِ عَلَى عَادَةِ النُّوَّابِ.

  4. وَفِي لَيْلَةِ السَّبْتِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ سَادِسَ عَشَرَهُ دَخَلَ الْجَيْشُ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ أُلْجَيْبُغَا الْمُظَفَّرِيِّ، وَهُوَ مَعَهُمْ أَسِيرٌ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْفَخْرُ إِيَاسُ الْحَاجِبُ مَأْسُورٌ مَعَهُمْ، فَأُودِعَا فِي الْقَلْعَةِ مُهَانَيْنِ مِنْ جِسْرِ بَابِ النَّصْرِ الَّذِي تُجَاهَ دَارِ السَّعَادَةِ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْأَمِيرِ بَدْرِ الدِّينِ الْخَطِيرِ فِي دَارِ السَّعَادَةِ وَهُوَ نَائِبُ الْغَيْبَةِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

  5. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْهُ خَرَجَا مِنَ الْقَلْعَةِ إِلَى سُوقِ الْخَيْلِ، فَوُسِّطَا بِحَضْرَةِ الْجَيْشِ، وَعُلِّقَتْ جُثَّتُهُمَا عَلَى الْخُشُبِ لِيَرَاهُمَا النَّاسُ، فَمَكَثَا أَيَّامًا ثُمَّ أُنْزِلَا فَدُفِنَا بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.

  6. وَفِي أَوَائِلِ شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ جَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ نَائِبِ حَلَبَ سَيْفِ الدِّينِ قُطْلِيشَا، فَفَرِحُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِمَوْتِهِ، وَذَلِكَ لِسُوءِ أَعْمَالِهِ فِي مَدِينَةِ حَمَاةَ فِي

    ج ١٨ ص ٥١٦زَمَنِ الطَّاعُونِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاطُ عَلَى التَّرِكَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ جَهْرَةً، حَتَّى حَصَلَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى حَلَبَ بَعْدَ نَائِبِهَا الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَرُقْطَايَ الَّذِي كَانَ عُيِّنَ لِنِيَابَةِ دِمَشْقَ بَعْدَ مَوْتِ أَرْغُونَ شَاهْ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِتَلِّقِيهِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ بَرَزَ مَنْزِلَةً وَاحِدَةً مِنْ حَلَبَ فَمَاتَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَلَمَّا صَارَ قُطْلَيْشَا إِلَى حَلَبَ لَمْ يَقُمْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَ حَصَّلَهَا، لَا فِي دُنْيَاهُ وَلَا فِي أُخْرَاهُ.

  7. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ دَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَيْتَمُشُ النَّاصِرِيُّ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى دِمَشْقَ نَائِبًا عَلَيْهَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجَيْشُ عَلَى الْعَادَةِ، فَقَبَّلَ الْعَتَبَةَ، وَلَبِسَ الْحِيَاصَةَ وَالسَّيْفَ، وَأُعْطِيَ تَقْلِيدَهُ وَمَنْشُورَهُ هُنَالِكَ، ثُمَّ وَقَفَ فِي الْمَوْكِبِ عَلَى عَادَةِ النُّوَّابِ، وَرَجَعَ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ، وَحَكَمَ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ، وَهُوَ حَسَنُ الشَّكْلِ، تَامُّ الْخِلْقَةِ، وَكَانَ الشَّامُ بِلَا نَائِبٍ مُسْتَقِلٍّ قَرِيبًا مِنْ شَهْرَيْنِ وَنِصْفٍ، وَفِي يَوْمِ دُخُولِهِ حَبَسَ أَرْبَعَةً مِنْ أُمَرَاءِ الطَّبْلَخَانَاهْ; وَهُمُ الْقَاسِمِيُّ، وَأَوْلَادُ الْأَبُوبَكْرِيِّ الثَّلَاثَةُ، اعْتَقَلَهُمْ فِي الْقَلْعَةِ لِمُمَالَأَتِهِمْ أُلْجَيْبُغَا الْمُظَفَّرِيَّ عَلَى أَرْغُونَ شَاهْ نَائِبِ الشَّامِ.

  8. وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ خَامِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ حَكَمَ الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ ابْنُ

    ج ١٨ ص ٥١٧الْقَاضِي عِمَادِ الدِّينِ الطَّرَسُوسِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَذَلِكَ بِتَوْقِيعٍ سُلْطَانِيٍّ، وَخِلْعَةٍ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.

  9. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ حَصَلَ الصُّلْحُ بَيْنَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ، وَبَيْنَ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، عَلَى يَدَيِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بْنِ فَضْلٍ مَلِكِ الْعَرَبِ، فِي بُسْتَانِ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَكَانَ قَدْ نَقَمَ عَلَيْهِ إِكْثَارَهُ مِنَ الْفُتْيَا بِمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ.

  10. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ نُقِلَتْ جُثَّةُ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَرْغُونَ شَاهْ مِنْ مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تُرْبَتِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا تَحْتَ الطَّارِمَةِ، وَشَرَعَ فِي تَكْمِيلِ التُّرْبَةِ وَالْمَسْجِدِ الَّذِي قِبَلَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَاجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ عَلَى يَدَيْ أُلْجَيْبُغَا الْمُظَفَّرِيِّ قَبْلَ إِتْمَامِهِمَا، وَحِينَ قَتَلُوهُ ذَبْحًا دَفَنُوهُ لَيْلًا فِي مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى تُرْبَتِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَذْكُورَةِ.

  11. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ لِلْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ بِقَرِيبٍ مِنْ سَاعَةٍ، فَصَلَّى النَّاسُ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَرْتِيبِ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ رَأَوُا الْوَقْتَ بَاقِيًا، فَأَعَادَ الْخَطِيبُ الْفَجْرَ بَعْدَ صَلَاةِ الْأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ثَانِيًا، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهُ.

  12. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَامِنِ شَهْرِ شَعْبَانَ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ مُنَجَّا الْحَنْبَلِيُّ بِالْمِسْمَارِيَّةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ الظُّهْرَ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، ثُمَّ بِظَاهِرِ بَابِ النَّصْرِ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، رحمه الله .

    ج ١٨ ص ٥١٨
  13. وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ بُكْرَةَ النَّهَارِ اسْتُدْعِيَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيُّ مِنَ الصَّالِحِيَّةِ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ، وَكَانَ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ لِمَذْهَبِهِ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، فَأُحْضِرَتِ الْخِلْعَةُ بَيْنَ يَدَيِ النَّائِبِ وَالْقُضَاةِ الْبَاقِينَ، وَأُرِيدَ عَلَى لُبْسِهَا وَقَبُولِ الْوِلَايَةِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَصَمَّمَ، وَبَالَغَ فِي الِامْتِنَاعِ جِدًّا، وَخَرَجَ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَرَاحَ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ فَبَالَغَ النَّاسُ فِي تَعْظِيمِهِ، وَبَقِيَ الْقُضَاةُ يَوْمَ ذَلِكَ فِي دَارِ السَّعَادَةِ، ثُمَّ بَعَثُوا إِلَيْهِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَحَضَرَ مِنَ الصَّالِحِيَّةِ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَبِلَ وَلَبِسَ الْخِلْعَةَ، وَخَرَجَ إِلَى الْجَامِعِ فَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ الْقُضَاةُ وَهَنَّأَهُ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِهِ; لِدِيَانَتِهِ، وَصِيَانَتِهِ، وَفَضِيلَتِهِ، وَأَمَانَتِهِ.

  14. وَبَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ بِأَيَّامٍ حَكَمَ الْفَقِيهُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ نِيَابَةً عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيِّ الْمَقْدِسِيِّ، وَابْنُ مُفْلِحٍ زَوْجُ ابْنَتِهِ.

  15. وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ حَضَرَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْمُفِيدُ أَمِينُ الدِّينِ الْإِيجِيُّ الْمَالِكِيُّ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ بِالْمَدْرَسَةِ النَّاصِرِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، نَزَلَ لَهُ عَنْهَا الصَّدْرُ أَمِينُ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ وَكَيْلُ بَيْتِ الْمَالِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَكَابِرُ وَالْأَعْيَانُ.

    ج ١٨ ص ٥١٩
  16. وَفِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ تَكَامَلَ بِنَاءُ التُّرْبَةِ الَّتِي تَحْتَ الطَّارِمَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَرْغُونَ شَاهْ، الَّذِي كَانَ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ بِدِمَشْقَ، وَكَذَلِكَ الْقِبْلِيُّ مِنْهَا، وَصَلَّى فِيهَا النَّاسُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَسْجِدًا صَغِيرًا فَعَمَرَهُ، وَكَبَّرَهُ، وَجَاءَ كَأَنَّهُ جَامِعٌ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ.