أثر آخر من أغرب الآثار عن كعب الأحبار في جهنم

٣ فقرات، ج ٢٠ ص ١٨٣

  1. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ عَائِشَةَ، حَدَّثَنَا سَلْمٌ الْخَوَّاصُ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمْعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، فَصَارُوا صُفُوفًا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ

    ج ٢٠ ص ١٨٤ائْتِنِي بِجَهَنَّمَ. فَيَأْتِي بِهَا جِبْرِيلُ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ مِنَ الْخَلَائِقِ عَلَى قَدْرِ مِائَةِ عَامٍ زَفَرَتْ زَفْرَةً طَارَتْ لَهَا أَفْئِدَةُ الْخَلَائِقِ، ثُمَّ زَفَرَتْ ثَانِيَةً، فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ زَفَرَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبْلُغُ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَتَذْهَلُ الْعُقُولُ، فَيَفْزَعُ كُلُّ امْرِئٍ إِلَى عَمَلِهِ، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، عليه السلام ، يَقُولُ: بِخُلَّتِي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي. وَيَقُولُ مُوسَى عليه السلام : بِمُنَاجَاتِي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي. وَإِنَّ عِيسَى، عليه السلام ، لَيَقُولُ: بِمَا أَكْرَمَتْنِي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُكَ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَمُحَمَّدٌ ﷺ يَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ نَفْسِي، إِنَّمَا أَسْأَلُكَ أُمَّتِي. قَالَ: فَيُجِيبُهُ الْجَلِيلُ ﷻ : أَوْلِيَائِي مِنْ أُمَّتِكَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُقِرَّنَّ عَيْنَكَ فِي أُمَّتِكَ. ثُمَّ تَقِفُ الْمَلَائِكَةُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عز وجل ، يَنْتَظِرُونَ مَا يُؤَمَرُونَ بِهِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ: مَعَاشِرَ الزَّبَانِيَةِ، انْطَلِقُوا بِالْمُصِرِّينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِلَى النَّارِ، فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَيْهِمْ بِتَهَاوُنِهِمْ بِأَمْرِي فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَاسْتِخْفَافِهِمْ بِحَقِّي، وَانْتِهَاكِهِمْ حُرْمَتِي، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ، وَيُبَارِزُونِي بِالْمَعَاصِي مَعَ كَرَامَتِي لَهُمْ، وَتَفْضِيلِي إِيَّاهُمْ عَلَى الْأُمَمِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا فَضْلِي، وَعِظَمَ نِعْمَتِي. فَعِنْدَهَا تَأْخُذُ الزَّبَانِيَةُ بِلِحَى الرِّجَالِ، وَذَوَائِبِ النِّسَاءِ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يُسَاقُ إِلَى النَّارِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مُسْوَدًّا وَجْهُهُ، وَقَدْ وُضِعَتِ الْأَنْكَالُ فِي قَدَمَيْهِ، وَالْأَغْلَالُ فِي عُنُقِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُسَاقُونَ بِأَلْوَانِهِمْ، فَإِذَا وَرَدُوا عَلَى مَالِكٍ قَالَ

    ج ٢٠ ص ١٨٥لَهُمْ: مُعَاشِرَ الْأَشْقِيَاءِ، مِنْ أَيِّ أُمَّةٍ أَنْتُمْ؟ فَمَا وَرَدَ عَلَيَّ أَحْسَنُ وُجُوهًا مِنْكُمْ. فَيَقُولُونَ: يَا مَالِكُ، نَحْنُ مِنْ أُمَّةِ الْقُرْآنِ. فَيَقُولُ لَهُمْ: مَعَاشِرَ الْأَشْقِيَاءِ، أَوَلَيْسَ الْقُرْآنُ أُنْزِلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ: فَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالنَّحِيبِ وَالْبُكَاءِ: وَامُحَمَّدَاهُ، يَا مُحَمَّدُ، اشْفَعْ لِمَنْ آمَنَ بِكَ مِمَّنْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ مِنْ أُمَّتِكَ. قَالَ: فَيُنَادَى مَالِكٌ، بِتَهَدُّدٍ وَانْتِهَارٍ: يَا مَالِكُ، مَنْ أَمَرَكَ بِمُعَاتَبَةِ الْأَشْقِيَاءِ وَمُحَادَثَتِهِمْ، وَالتَّوَقُّفِ عَنْ إِدْخَالِهِمُ الْعَذَابَ؟ يَا مَالِكُ، لَا تُسَوِّدْ وُجُوهَهُمْ، فَقَدْ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِي بِهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا، يَا مَالِكُ لَا تُغِلَّهُمْ بِالْأَغْلَالِ؟ فَقَدْ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَا مَالِكُ، لَا تُقَيِّدْهُمْ بِالْأَنْكَالِ، فَقَدْ طَافُوا حَوْلَ بَيْتِيَ الْحَرَامِ، يَا مَالِكُ لَا تُلْبِسْهُمُ الْقَطِرَانَ؟ فَقَدْ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ لِلْإِحْرَامِ، يَا مَالِكُ، مُرِ النَّارَ لَا تُحْرِقُ أَلْسِنَتَهُمْ; فَقَدْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَا مَالِكُ، قُلْ لِلنَّارِ تَأْخُذُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَالنَّارُ أَعْرَفُ بِهِمْ وَبِمَقَادِيرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا. فَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى سُرَّتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى صَدْرِهِ. قَالَ: فَإِذَا انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ كَبَائِرِهِمْ وَعُتُوِّهُمْ وَإِصْرَارِهِمْ فَتَحَ بَيْنِهِمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بَابًا، وَهُمْ فِي الطَّبَقِ الْأَعْلَى مِنَ النَّارِ، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدَاهُ، ارْحَمْ مِنْ أُمَّتِكَ الْأَشْقِيَاءَ، وَاشْفَعْ لَهُمْ؟ فَقَدْ أَكَلَتِ النَّارُ لُحُومَهُمْ وَعِظَامَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ. ثُمَّ يُنَادُونَ: يَا رَبَّاهُ، يَا

    ج ٢٠ ص ١٨٣
  2. سَيِّدَاهُ، ارْحَمْ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسَاءَ وَأَخْطَأَ وَتَعَدَّى. فَعِنْدَهَا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ لَهُمْ: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ إِيمَانُكُمْ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ؟! فَيَغْضَبُ اللَّهُ لِذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ، انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ مَنَ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَيُخْرِجُهُمْ ضَبَائِرَ، قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ. فَيَمْكُثُونَ حَتَّى يَعُودُوا أَنْضَرَ مَا كَانُوا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ، عز وجل ، بِإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ، مَكْتُوبٌ عَلَى جِبَاهِهِمْ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَيُعْرَفُونَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ، فَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَمْحُوَ عَنْهُمْ تِلْكَ السِّمَةَ، فَيَمْحُوهَا اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَا يُعْرَفُونَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

    ج ٢٠ ص ١٨٦
  3. لِبَعْضِ هَذَا الْأَثَرِ شَوَاهِدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ ذِكْرُ آخِرِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.