فصل بيان وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان موجودتان

٢١ فقرة، ج ٢٠ ص ٤٣٦

  1. فَصْلٌ فِي بَيَانِ وُجُودِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ خِلَافَ ذَلِكَ

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] . وَقَالَ: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الْحَدِيدِ: ٢١] . وَقَالَ: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ آلِ عِمْرَانَ: [١٣١] وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ آلِ فِرْعَوْنَ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا غَافِرٍ: [٤٦] الْآيَةَ. وَقَالَ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السَّجْدَةِ: ١٧] .

    ج ٢٠ ص ٤٣٦
  2. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، دُخْرًا، بَلْهَ كُلَّ مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ» . ثُمَّ قَرَأَ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السَّجْدَةِ: ١٧] .

  3. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

  4. وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

    ج ٢٠ ص ٤٣٧
  5. وَرُوِّينَا فِي «مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ» ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» .

  6. وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: » حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ «.

  7. وَذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: » لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا «. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي النَّارِ.

  8. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: » لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ «.

  9. وَفِي» الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ

    ج ٢٠ ص ٤٣٨النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: » تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ «. الْحَدِيثَ.

  10. وَفِيهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: » الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ «.

  11. وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: » إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ «.

  12. وَفِي» الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:» إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ «. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ لَيْلَتَئِذٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النَّجْمِ: ١٣ - ١٥] . وَقَالَ فِي صِفَةِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى: » إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ «. وَذَكَرَ أَنَّ الْبَاطِنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ.

  13. وَفِي» الصَّحِيحَيْنِ «:» ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ «.

  14. وَفِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

    ج ٢٠ ص ٤٣٩قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ» .

  15. وَفِي مَنَاقِبِ عُمْرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ جَارِيَةً تَوَضَّأُ عِنْدَ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ» . فَبَكَى عُمَرُ، رضي الله عنه ، وَقَالَ: أَوَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ جَابِرٍ.

    وَقَالَ عليه السلام لِبِلَالٍ: «أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَ نَعْلَيْكَ أَمَامِي، فَأَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ» . فَقَالَ: مَا تَوَضَّأْتُ إِلَّا وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ. الْحَدِيثَ.

  16. وَأَخْبَرَ عَنْ الرُّمَيْصَاءِ أَنَّهُ رَآهَا فِي الْجَنَّةِ. أَخْرَجَاهُ عَنْ جَابِرٍ.

  17. وَأَخْبَرَ فِي يَوْمِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ - وَفِي رِوَايَةٍ: دَنَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ - وَأَنَّهُ هَمَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْجَنَّةِ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ، وَقَالَ: «لَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا» .

  18. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ» .

    وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «وَرَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ» . وَقَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا تَخْمُشُهَا» . وَأَخْبَرَ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي نَحَّى غُصْنَ شَوْكٍ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، قَالَ: «فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَسْتَظِلُّ بِهِ فِي الْجَنَّةِ» . وَهُوَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ.

    ج ٢٠ ص ٤٤٠
  19. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: » اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ «.

  20. وَفِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «مِنْ طَرِيقِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: » وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ

    ج ٢٠ ص ٤٤١كَثِيرًا «. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: » رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ «. وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إِذَا قَالَ بَعْدَ وُضُوئِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.

  21. وَفِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:» إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ «.

    وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [الْبَقَرَةِ: ٣٥] . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ جَنَّةُ الْمَأْوَى، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا جَنَّةٌ فِي الْأَرْضِ خَلَقَهَا اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي أَوَّلِهِ فِي قِصَّةِ آدَمَ.

    وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ، حَدَّثَنَا الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَبَلٍ فِي الْجَنَّةِ يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وَكَذَا رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ