فيما قيل من الأشعار في الخندق وبني قريظة
٥ فقرات، ج ٦ ص ١١١
- ج ٦ ص ١١١
فَصْلٌ (فِيمَا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ)
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ: اهْجُهُمْ - أَوْ هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَزَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: اهْجُ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رحمه الله : وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ - قُلْتُ: وَذَلِكَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ -:
وَمُشْفِقَةٍ تَظُنُّ بِنَا الظُّنُونَا … وَقَدْ قُدْنَا عَرَنْدَسَةً طَحُونًا
ج ٦ ص ١١٢كَأَنَّ زُهَاءَهَا أُحُدٌ إِذَا مَا … بَدَتْ أَرْكَانُهُ لِلنَّاظِرِينَا
تَرَى الْأَبْدَانَ فِيهَا مُسْبِغَاتٍ … عَلَى الْأَبْطَالِ وَالْيَلَبِ الْحَصِينَا
وَجُرْدًا كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَاتٍ … نَؤُمُّ بِهَا الْغُوَاةَ الْخَاطِئِينَا
كَأَنَّهُمُ إِذَا صَالُوا وَصُلْنَا … بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ مُصَافِحُونَا
أُنَاسٌ لَا نَرَى فِيهِمْ رَشِيدًا … وَقَدْ قَالُوا أَلَسْنَا رَاشِدِينَا
فَأَحْجَرْنَاهُمُ شَهْرًا كَرِيتًا … وَكُنَّا فَوْقَهُمْ كَالْقَاهِرِينَا
نُرَاوِحُهُمْ وَنَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ … عَلَيْهِمْ فِي السِّلَاحِ مُدَجَّجِينَا
بِأَيْدِينَا صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ … نَقُدُّ بِهَا الْمَفَارِقَ وَالشُّئُونَا
كَأَنَّ وَمِيضَهُنَّ مُعَرَّيَاتٍ … إِذَا لَاحَتْ بِأَيْدِي مُصْلِتِينَا
وَمِيضُ عَقِيقَةٍ لَمَعَتْ بِلَيْلٍ … تَرَى فِيهَا الْعَقَائِقَ مُسْتَبِينَا
ج ٦ ص ١١٣فَلَوْلَا خَنْدَقٌ كَانُوا لَدَيْهِ … لَدَمَّرْنَا عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَا
وَلَكِنْ حَالَ دُونَهُمُ وَكَانُوا … بِهِ مِنْ خَوْفِنَا مُتَعَوِّذِينَا
فَإِنْ نَرْحَلْ فَإِنَّا قَدْ تَرَكْنَا … لَدَى أَبْيَاتِكُمْ سَعْدًا رَهِينَا
إِذَا جَنَّ الظَّلَامُ سَمِعْتَ نَوْحَى … عَلَى سَعْدٍ يُرَجِّعْنَ الْحَنِينَا
وَسَوْفَ نَزُورُكُمْ عَمَّا قَرِيبٍ … كَمَا زُرْنَاكُمُ مُتَوَازِرِينَا
بِجَمْعٍ مِنْ كِنَانَةَ غَيْرِ عُزْلٍ … كَأُسْدِ الْغَابِ إِذْ حَمَتِ الْعَرِينَا
قَالَ: فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، رضي الله عنه ، فَقَالَ:
وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ مَا لَقِيَنَا … وَلَوْ شَهِدَتْ رَأَتْنَا صَابِرِينَا
صَبَرْنَا لَا نَرَى لِلَّهِ عِدْلًا … عَلَى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا
وَكَانَ لَنَا النَّبِيُّ وَزِيرَ صِدْقٍ … بِهِ نَعْلُو الْبَرِيَّةَ أَجْمَعِينَا
نُقَاتِلُ مَعْشَرًا ظَلَمُوا وَعَقُّوا … وَكَانُوا بِالْعَدَاوَةِ مُرْصِدِينَا
ج ٦ ص ١١٤نُعَالِجُهُمْ إِذَا نَهَضُوا إِلَيْنَا … بِضَرْبٍ يُعْجِلُ الْمُتَسَرِّعِينَا
تَرَانَا فِي فَضَافِضَ سَابِغَاتٍ … كَغُدْرَانِ الْمَلَا مُتَسَرْبِلِينَا
وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ خِفَافٌ … بِهَا نَشْفِي مِرَاحَ الشَّاغِبِينَا
بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ كَأَنَّ أُسْدًا … شَوَابِكُهُنَّ يَحْمِينَ الْعَرِينَا
فَوَارِسُنَا إِذَا بَكَرُوا وَرَاحُوا … عَلَى الْأَعْدَاءِ شُوسًا مُعْلِمِينَا
لِنَنْصُرَ أَحَمَدًا وَاللَّهَ حَتَّى … نَكُونَ عِبَادَ صِدْقٍ مُخْلِصِينَا
وَيَعْلَمَ أَهْلُ مَكَّةَ حِينَ سَارُوا … وَأَحْزَابٌ أَتَوْا مُتَحَزِّبِينَا
بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ … وَأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَا
فَإِمَّا تَقْتُلُوا سَعْدًا سَفَاهًا … فَإِنَّ اللَّهَ خَيْرُ الْقَادِرِينَا
سَيُدْخِلُهُ جِنَانًا طَيِّبَاتٍ … تَكُونُ مُقَامَةً لِلصَّالِحِينَا
كَمَا قَدْ رَدَّكُمْ فَلًّا شَرِيدًا … بِغَيْظِكُمُ خَزَايَا خَائِبِينَا
خَزَايَا لَمْ تَنَالُوا ثَمَّ خَيْرًا … وَكِدْتُمْ أَنْ تَكُونُوا دَامِرِينَا
ج ٦ ص ١١٥بِرِيحٍ عَاصِفٍ هَبَّتْ عَلَيْكُمْ … فَكُنْتُمْ تَحْتَهَا مُتَكَمِّهِينَا
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ قُلْتُ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ -:
حَيِّ الدِّيَارَ مَحَا مَعَارِفَ رَسْمِهَا … طُولُ الْبِلَى وَتَرَاوُحُ الْأَحْقَابِ
فَكَأَنَّمَا كَتَبَ الْيَهُودُ رُسُومَهَا … إِلَّا الْكَنِيفَ وَمَعْقِدَ الْأَطْنَابِ
قَفْرًا كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَلْهُو بِهَا … فِي نِعْمَةٍ بِأَوَانِسٍ أَتْرَابِ
فَاتْرُكْ تَذَكُّرَ مَا مَضَى مِنْ عِيشَةٍ … وَمَحَلَّةٍ خَلَقِ الْمُقَامِ يَبَابِ
-
وَاذْكُرْ بَلَاءَ مَعَاشِرٍ وَاشْكُرْهُمُ … سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ مَنِ الْأَنْصَابِ
أَنْصَابِ مَكَّةَ عَامِدِينَ لِيَثْرِبَ … فِي ذِي غَيَاطِلَ جَحْفَلٍ جَبْجَابِ
يَدَعُ الْحُزُونَ مَنَاهِجًا مَعْلُومَةً … فِي كُلِّ نَشْزٍ ظَاهِرٍ وَشِعَابِ
فِيهَا الْجِيَادُ شَوَازِبٌ مَجْنُوبَةٌ … قُبُّ الْبُطُونِ لَوَاحِقُ الْأَقْرَابِ
ج ٦ ص ١١٦مِنْ كُلِّ سَلْهَبَةٍ وَأَجْرَدَ سَلْهَبٍ … كَالسِّيدِ بَادَرَ غَفْلَةَ الرُّقَّابِ
جَيْشٌ عُيَيْنَةُ قَاصِدٌ بِلِوَائِهِ … فِيهِ وَصَخْرٌ قَائِدُ الْأَحْزَابِ
قَرْمَانِ كَالْبَدْرَيْنِ أَصْبَحَ فِيهِمَا … غَيْثُ الْفَقِيرِ وَمَعْقِلُ الْهُرَّابِ
حَتَّى إِذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَدَوْا … لِلْمَوْتِ كُلَّ مُجَرَّبٍ قَضَّابِ
شَهْرًا وَعَشْرًا قَاهِرِينَ مُحَمَّدًا … وَصِحَابَهُ فِي الْحَرْبِ خَيْرُ صِحَابِ
نَادَوْا بِرِحْلَتِهِمْ صَبِيحَةَ قُلْتُمُ … كِدْنَا نَكُونُ بِهَا مَعَ الْخُيَّابِ
لَوْلَا الْخَنَادِقُ غَادَرُوا مِنْ جَمْعِهِمْ … قَتْلَى لِطَيْرٍ سُغَّبٍ وَذِئَابِ
قَالَ: فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رضي الله عنه ، فَقَالَ:
هَلْ رَسْمُ دَارِسَةِ الْمُقَامِ يَبَابِ … مُتَكَلِّمٌ لِمُحَاوِرٍ بِجَوَابِ
قَفْرٌ عَفَا رِهَمُ السَّحَابِ رُسُومَهُ … وَهُبُوبُ كُلِّ مُطِلَّةٍ مِرْبَابِ
وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِهَا الْحُلُولَ يُزِينُهُمْ … بِيضُ الْوُجُوهِ ثَوَاقِبُ الْأَحْسَابِ
فَدَعِي الدِّيَارَ وَذِكْرَ كُلِّ خَرِيدَةٍ … بَيْضَاءَ آنِسَةِ الْحَدِيثِ كَعَابِ
ج ٦ ص ١١٧وَاشْكُ الْهُمُومَ إِلَى الْإِلَهِ وَمَا تَرَى … مِنْ مَعْشَرٍ ظَلَمُوا الرَّسُولَ غِضَابِ
سَارُوا بِجَمْعِهِمُ إِلَيْهِ وَأَلَّبُوا … أَهْلَ الْقُرَى وَبِوَادِيَ الْأَعْرَابِ
جَيْشٌ عُيَيْنَةُ وَابْنُ حَرْبٍ فِيهِمُ … مُتَخَمِّطُونَ بِحَلْبَةِ الْأَحْزَابِ
حَتَّى إِذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَجَوْا … قَتْلَ الرَّسُولِ وَمَغْنَمَ الْأَسْلَابِ
وَغَدَوْا عَلَيْنَا قَادِرِينَ بِأَيْدِهِمْ … رُدُّوا بِغَيْظِهِمُ عَلَى الْأَعْقَابِ
بِهُبُوبِ مُعْصِفَةٍ تُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ … وَجُنُودِ رَبِّكَ سَيِّدِ الْأَرْبَابِ
فَكَفَى الْإِلَهُ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَهُمْ … وَأَثَابَهُمْ فِي الْأَجْرِ خَيْرَ ثَوَابِ
مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا فَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ … تَنْزِيلُ نَصْرِ مَلِيكِنَا الْوَهَّابِ
وَأَقَرَّ عَيْنَ مُحَمَّدٍ وَصِحَابِهِ … وَأَذَلَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ مُرْتَابِ
عَاتِي الْفُؤَادِ مُوَقَّعٍ ذِي رِيبَةٍ … فِي الْكُفْرِ لَيْسَ بِطَاهِرِ الْأَثْوَابِ
عَلِقَ الشَّقَاءُ بِقَلْبِهِ فَفُؤَادُهُ … فِي الْكُفْرِ آخِرَ هَذِهِ الْأَحْقَابِ
قَالَ: وَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، رضي الله عنه ، أَيْضًا فَقَالَ:
أَبْقَى لَنَا حَدَثُ الْحُرُوبِ بَقِيَّةً … مِنْ خَيْرِ نِحْلَةِ رَبِّنَا الْوَهَّابِ
ج ٦ ص ١١٨.. بَيْضَاءَ مُشْرِفَةِ الذُّرَى وَمَعَاطِنًا
حُمَّ الْجُذُوعِ غَزِيرَةَ الْأَحْلَابِ … كَاللُّوبِ يُبْذَلُ جَمُّهَا وَحَفِيلُهَا
لِلْجَارِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْمُنْتَابِ … وَنَزَائِعًا مِثْلَ السِّرَاحِ نَمَى بِهَا
عَلَفُ الشَّعِيرِ وَجَزَّةُ الْمِقْضَابِ … عَرِيَ الشَّوَى مِنْهَا وَأَرْدَفَ نَحْضَهَا
جُرْدَ الْمُتُونِ وَسَائِرِ الْآرَابِ … قَوْدًا تَرَاحُ إِلَى الصِّيَاحِ إِذَا غَدَتْ
فِعْلَ الضِّرَاءِ تَرَاحُ لِلْكَلَّابِ … وَتَحُوطُ سَائِمَةَ الدِّيَارِ وَتَارَةً
تُرْدِي الْعِدَا وَتَئُوبُ بِالْأَسْلَابِ … حُوشَ الْوُحُوشِ مُطَارَةً عِنْدَ الْوَغَى
عُبْسَ اللِّقَاءِ مُبِينَةَ الْإِنْجَابِ … عُلِفَتْ عَلَى دَعَةٍ فَصَارَتْ بُدَّنًا
دُخْسَ الْبَضِيعِ خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ …
ج ٦ ص ١١٩يَغْدُونَ بِالزَّغْفِ الْمُضَاعَفِ شَكُّهُ … وَبِمُتْرَصَاتٍ فِي الثِّقَافِ صِيَابِ
وَصَوَارِمٍ نَزَعَ الصَّيَاقِلُ عَلْبَهَا … وَبِكُلِّ أَرْوَعَ مَاجِدِ الْأَنْسَابِ
يَصِلُ الْيَمِينَ بِمَارِنٍ مُتَقَارِبٍ … وُكِلَتْ وَقِيعَتُهُ إِلَى خَبَّابِ
وَأَغَرَّ أَزْرَقَ فِي الْقَنَاةِ كَأَنَّهُ … فِي طُخْيَةِ الظَّلْمَاءِ ضَوْءُ شِهَابِ
وَكَتِيبَةٍ يَنْفِي الْقِرَانَ قَتِيرُهَا … وَتَرُدُّ حَدَّ قَوَاحِزِ النُّشَّابِ
جَأْوَى مُلَمْلِمَةٍ كَأَنَّ رِمَاحَهَا … فِي كُلِّ مَجْمَعَةٍ ضَرِيمَةُ غَابِ
تَأْوِي إِلَى ظِلِّ اللِّوَاءِ كَأَنَّهُ … فِي صَعْدَةِ الْخَطِّيِّ فَيْءُ عُقَابِ
أَعْيَتْ أَبَا كَرْبٍ وَأَعْيَتْ تُبَّعًا … وَأَبَتْ بَسَالَتُهَا عَلَى الْأَعْرَابِ
ج ٦ ص ١٢٠وَمَوَاعِظٌ مِنْ رَبِّنَا نُهْدَى بِهَا … بِلِسَانِ أَزْهَرَ طَيِّبِ الْأَثْوَابِ
عُرِضَتْ عَلَيْنَا فَاشْتَهَيْنَا ذِكْرَهَا … مِنْ بَعْدِ مَا عُرِضَتْ عَلَى الْأَحْزَابِ
حِكَمًا يَرَاهَا الْمُجْرِمُونَ بِزَعْمِهِمْ … حَرَجًا وَيَفْهَمُهَا ذَوُو الْأَلْبَابِ
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبَّهَا … فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ
-
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْبَيْتَ: لَقَدْ شَكَرَكَ اللَّهُ يَا كَعْبُ عَلَى قَوْلِكَ هَذَا.
قُلْتُ: وَمُرَادُهُ بِسَخِينَةَ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِمْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِمُ الطَّعَامَ السُّخْنَ، الَّذِي لَا يَتَهَيَّأُ لِغَيْرِهِمْ غَالِبًا مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ … بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الْأَبَاءِ الْمُحْرَقِ
فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً تَسُنُّ سُيُوفَهَا … بَيْنَ الْمَذَادِ وَبَيْنَ جِزْعِ الْخَنْدَقِ
ج ٦ ص ١٢١دَرِبُوا بِضَرْبِ الْمُعْلِمِينَ وَأَسْلَمُوا … مُهَجَاتِ أَنْفُسِهِمْ لِرَبِّ الْمَشْرِقِ
فِي عُصْبَةٍ نَصَرَ الْإِلَهُ نَبِيَّهُ … بِهَمُ وَكَانَ بِعَبْدِهِ ذَا مَرْفَقِ
فِي كُلِّ سَابِغَةٍ يَحُطُّ فُضُولُهَا … كَالنَّهْيِ هَبَّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ
بَيْضَاءَ مُحْكَمَةً كَأَنَّ قَتِيرَهَا … حَدَقُ الْجَنَادِبِ ذَاتَ شَكٍّ مُوثَقِ
جَدْلَاءَ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنَّدٍ … صَافِي الْحَدِيدَةِ صَارِمٍ ذِي رَوْنَقِ
تِلْكُمْ مَعَ التَّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا … يَوْمَ الْهِيَاجِ وَكُلَّ سَاعَةِ مَصْدَقِ
نَصِلُ السُّيُوفَ إِذَا قَصَرْنَ بِخَطْوِنَا … قُدُمًا وَنُلْحِقُهَا إِذَا لَمْ تَلْحَقِ
فَتَرَى الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا … بَلْهَ الْأَكُفَّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقِ
نَلْقَى الْعَدُوَّ بِفَخْمَةٍ مَلْمُومَةٍ … تَنْفِي الْجُمُوعَ كَقَصْدِ رَأَسِ الْمُشْرِقِ
ج ٦ ص ١٢٢.. وَنُعِدُّ لِلْأَعْدَاءِ كُلَّ مُقَلَّصٍ
وَرْدٍ وَمَحْجُولِ الْقَوَائِمِ أَبْلَقِ … تَرْدِي بِفُرْسَانٍ كَأَنَّ كُمَاتَهُمْ
عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلٍّ مُلْثِقِ … صُدُقٍ يُعَاطُونَ الْكُمَاةَ حُتُوفَهُمْ
تَحْتَ الْعَمَايَةِ بِالْوَشِيجِ الْمُزْهِقِ … أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوِّهِ
فِي الْحَرْبِ إِنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفِّقِ … لِتَكُونَ غَيْظًا لِلْعَدُوِّ وَحُيَّطًا
لِلدَّارِ إِنْ دَلَفَتْ خُيُولُ النُّزَّقِ … وَيُعِينُنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ بِقُوَّةٍ
مِنْهُ وَصِدْقِ الصَّبْرِ سَاعَةَ نَلْتَقِي … وَنُطِيعُ أَمْرَ نَبِيِّنَا وَنُجِيبُهُ
وَإِذَا دَعَا لِكَرِيهَةٍ لَمْ نُسْبَقِ … وَمَتَى يُنَادِ إِلَى الشَّدَائِدِ نَأْتِهَا
وَمَتَى نَرَى الْحَوْمَاتِ فِيهَا نُعْنِقِ … مَنْ يَتَّبِعْ قَوْلَ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ
فَينَا مُطَاعُ الْأَمْرِ حَقُّ مُصَدَّقِ … فَبِذَاكَ يَنْصُرُنَا وَيُظْهِرُ عِزَّنَا
وَيُصِيبُنَا مِنْ نَيْلِ ذَاكَ بِمِرْفَقِ .... إِنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا
كَفَرُوا وَضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الْمُتَّقِي
ج ٦ ص ١٢٣قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا:
لَقَدْ عَلِمَ الْأَحْزَابُ حِينَ تَأَلَّبُوا … عَلَيْنَا وَرَامُوا دِينَنَا مَا نُوَادِعُ
أَضَامِيمُ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أَصْفَقَتْ … وَخِنْدِفَ لَمْ يَدْرُوا بِمَا هُوَ وَاقِعُ
يَذُودُونَنَا عَنْ دِينِنَا وَنَذُودُهُمْ … عَنِ الْكُفْرِ وَالرَّحْمَنُ رَاءٍ وَسَامِعُ
إِذَا غَايَظُونَا فِي مَقَامٍ أَعَانَنَا … عَلَى غَيْظِهِمْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَاسِعُ
وَذَلِكَ حِفْظُ اللَّهِ فِينَا وَفَضْلُهُ … عَلَيْنَا وَمَنْ لَمْ يَحْفَظِ اللَّهُ ضَائِعُ
هَدَانَا لِدِينِ الْحَقِّ وَاخْتَارَهُ لَنَا … وَلِلَّهِ فَوْقَ الصَّانِعِينَ صَنَائِعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَعْنِي طَوِيلَةً.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي مَقْتَلِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
لَقَدْ لَقِيَتْ قُرَيْظَةُ مَا سَآهَا … وَمَا وَجَدَتْ لِذُلٍّ مِنْ نَصِيرِ
أَصَابَهُمُ بَلَاءٌ كَانَ فِيهِ … سِوَى مَا قَدْ أَصَابَ بَنِي النَّضِيرِ
ج ٦ ص ١٢٤غَدَاةَ أَتَاهُمُ يَهْوِي إِلَيْهِمْ … رَسُولُ اللَّهِ كَالْقَمَرِ الْمُنِيرِ
لَهُ خَيْلٌ مُجَنَّبَةٌ تَعَادَى … بِفُرْسَانٍ عَلَيْهَا كَالصُّقُورِ
تَرَكْنَاهُمْ وَمَا ظَفِرُوا بِشَيْءٍ … دِمَاؤُهُمُ عَلَيْهَا كَالْعَبِيرِ
فَهُمْ صَرْعَى تَحُومُ الطَّيْرُ فِيهِمُ … كَذَاكَ يُدَانُ ذُو الْعِنْدِ الْفَجُورِ
فَأَنْذِرْ مِثْلَهَا نُصْحًا قُرَيْشًا … مِنَ الرَّحْمَنِ إِنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي
قَالَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا … وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ
هُمُ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ … وَهُمْ عُمْيٌ مِنَ التَّوْرَاةِ بُورُ
كَفَرْتُمْ بِالْقُرَانِ وَقَدْ أُتِيتُمْ … بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ
-
فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ:
أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ … وَحَرَّقَ فِي طَوَائِفِهَا السَّعِيرُ
سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ … وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ
ج ٦ ص ١٢٥فَلَوْ كَانَ النَّخِيلُ بِهَا رِكَابًا … لَقَالُوا لَا مُقَامَ لَكُمْ فَسِيرُوا
قُلْتُ: وَهَذَا قَالَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» بَعْضُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ.
-
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ جَوَابَ حَسَّانَ فِي ذَلِكَ لِجَبَلِ بْنِ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيِّ، تَرَكْنَاهُ قَصْدًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي سَعْدًا وَجَمَاعَةً مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ:
أَلَا يَا لَقَوْمِي هَلْ لِمَا حُمَّ دَافِعُ … وَهَلْ مَا مَضَى مِنْ صَالِحِ الْعَيْشِ رَاجِعُ
تَذَكَّرْتُ عَصْرًا قَدْ مَضَى فَتَهَافَتَتْ … بَنَاتُ الْحَشَا وَانْهَلَّ مِنِّي الْمَدَامِعُ
صَبَابَةُ وَجْدٍ ذَكَّرَتْنِيَ إِخْوَةً … وَقَتْلَى مَضَى فِيهَا طُفَيْلٌ وَرَافِعُ
وَسَعْدٌ فَأَضْحَوْا فِي الْجِنَانِ وَأَوْحَشَتْ … مَنَازِلُهُمْ فَالْأَرْضُ مِنْهُمْ بَلَاقِعُ
وَفَوْا يَوْمَ بَدْرٍ لِلرَّسُولِ وَفَوْقَهُمْ … ظِلَالُ الْمَنَايَا وَالسُّيُوفُ اللَّوَامِعُ
دَعَا فَأَجَابُوهُ بِحَقٍّ وَكُلُّهُمْ … مُطِيعٌ لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ وَسَامِعُ
فَمَا نَكَلُوا حَتَّى تَوَالَوْا جَمَاعَةً … وَلَا يَقْطَعُ الْآجَالَ إِلَّا الْمَصَارِعُ
ج ٦ ص ١٢٦لِأَنَّهُمُ يَرْجُونَ مِنْهُ شَفَاعَةً … إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا النَّبِيُّونَ شَافِعُ
فَذَلِكَ يَا خَيْرَ الْعِبَادِ بَلَاؤُنَا … إِجَابَتُنَا لِلَّهِ وَالْمَوْتُ نَاقِعُ
لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إِلَيْكَ وَخَلْفُنَا … لِأَوَّلِنَا فِي مِلَّةِ اللَّهِ تَابِعُ
وَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ … وَأَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ لَا بُدَّ وَاقِعُ