ما قيل من الشعر يوم الفتح
فقرتان، ج ٦ ص ٥٩٠
- ج ٦ ص ٥٩٠
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَشْرَةَ آلَافٍ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَبْعُمِائَةٍ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَلْفٌ. وَمِنْ بَنِي غِفَارٍ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَمِنْ أَسْلَمَ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَمِنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمْ وَطَوَائِفِ الْعَرَبِ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ. وَقَالَ عُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْفَتْحِ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنَ الشِّعْرِ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ
عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ … إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ
ج ٦ ص ٥٩١دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ
تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ وَالسَّمَاءُ … وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ
خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ … فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفٍ
يُؤَرِّقُنِي إِذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ … لِشَعْثَاءَ الَّتِي قَدْ تَيَّمَتْهُ
فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ … كَأَنَّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ
يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ … إِذَا مَا الْأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا
فَهُنَّ لَطَيِّبِ الرَّاحِ الْفِدَاءُ … نُوَلِّيهَا الْمَلَامَةَ إِنْ أَلَمْنَا
إِذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لِحَاءُ … وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا
وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ
ج ٦ ص ٥٩٢عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ
يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ مُصْغِيَاتٍ … عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَإِمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمَرْنَا … وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجَلَادِ يَوْمٍ … يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا … وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا … يَقُولُ الْحَقَ إِنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ
شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا صَدِّقُوهُ … فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ قَدْ سَيَّرْتُ جُنْدًا … هُمُ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ
لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ … سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا … وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي … مُغَلْغَلَةً. فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ
بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا … وَعَبْدَ الدَّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
ج ٦ ص ٥٩٣أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ … فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا … أَمِينَ اللَّهِ شَيْمَتُهُ الْوَفَاءُ
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
فِإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ … وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا حَسَّانُ قَبْلَ الْفَتْحِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي قَالَهُ مُتَوَجِّهٌ، لِمَا فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَيْتِ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ يُلَطِّمْنَ الْخَيْلَ بِالْخُمُرِ، تَبَسَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، رضي الله عنه .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ زُنَيْمٍ الدُّئِلِيُّ، يَعْتَذِرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا كَانَ قَالَ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ - يَعْنِي لَمَّا جَاءَ يَسْتَنْصِرُ عَلَيْهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ -:
أَأَنْتَ الَّذِي تُهْدَى مَعَدٌّ بِأَمْرِهِ … بَلِ اللَّهُ يَهْدِيهِمْ وَقَالَ لَكَ اشْهَدِ
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا … أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ
ج ٦ ص ٥٩٤أَحَثَّ عَلَى خَيْرٍ وَأَسْبَغَ نَائِلًا … إِذَا رَاحَ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ الْمُهَنَّدِ
وَأَكْسَى لِبُرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ … وَأَعْطَى لِرَأْسِ السَّابِقِ الْمُتَجَرِّدِ
تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ مُدْرِكِي … وَأَنْ وَعِيدًا مِنْكَ كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ
تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قَادِرٌ … عَلَى كُلِّ صِرْمٍ مُتْهِمِينَ وَمُنْجِدِ
-
تَعَلَّمْ بِأَنَّ الرَّكْبَ رَكْبَ عُوَيْمِرٍ … هُمُ الْكَاذِبُونَ الْمُخْلِفُو كُلِّ مَوْعِدِ
وَنَبَّوْا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي هَجَوْتُهُ … فَلَا حَمَلَتْ سَوْطِي إِلَيَّ إِذَنْ يَدِي
سِوَى أَنَّنِي قَدْ قُلْتُ وَيْلُ امِّ فِتْيَةٍ … أُصِيبُوا بِنَحْسٍ لَا بِطَلْقٍ وَأَسْعُدِ
أَصَابَهُمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ … كِفَاءً فَعَزَّتْ عَبْرَتِي وَتَبَلُّدِي
وَإِنَّكَ قَدْ أَخْفَرْتَ إِنْ كُنْتَ سَاعِيًا … بِعَبْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَةِ مَهْوَدِ
ج ٦ ص ٥٩٥ذُؤَيْبٌ وَكُلْثُومٌ وَسَلْمَى تَتَابَعُوا … جَمِيعًا فَإِنْ لَا تَدْمَعِ الْعَيْنُ أَكْمَدِ
وَسَلْمَى وَسَلْمَى لَيْسَ حَيٌّ كَمِثْلِهِ … وَإِخْوَتُهُ وَهَلْ مُلُوكٌ كَأَعْبُدِ
فَإِنِّيَ لَا دِينًا فَتَقْتُ وَلَا دَمًا … هَرَقْتُ تَبَيَّنْ عَالِمَ الْحَقِّ وَاقْصِدِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي يَوْمِ الْفَتْحِ:
نَفَى أَهْلَ الْحَبَلَّقِ كُلَّ فَجٍّ … مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وَبَنُو خُفَافِ
ضَرَبْنَاهُمْ بِمَكَةَ يَوْمَ فَتْحِ النَّ … بِيِّ الْخَيْرِ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ
صَبَحْنَاهُمْ بِسَبْعٍ مِنْ سُلَيْمٍ … وَأَلْفٍ مِنْ بَنِي عُثْمَانَ وَافِ
نَطَأْ أَكْتَافَهُمْ ضَرْبًا وَطَعْنًا … وَرَشْقًا بِالْمُرَيَّشَةِ اللِّطَافِ
تَرَى بَيْنَ الْصُفُوفِ لَهَا حَفَيْفًا … كَمَا انْصَاعَ الْفُوَاقُ مِنَ الرِّصَافِ
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ تَجُولُ فِيهِمْ … بِأَرْمَاحٍ مُقَوَّمَةِ الثِّقَافِ
فَأُبْنَا غَانِمِينَ بِمَا اشْتَهَيْنَا … وَآبُوا نَادِمِينَ عَلَى الْخِلَافِ
ج ٦ ص ٥٩٦وَأَعْطَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا … مَوَاثِقَنَا عَلَى حُسْنِ التَّصَافِي
وَقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَنَا فَهَمُّوا … غَدَاةَ الرَّوْعِ مِنَّا بِانْصِرَافِ
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ فِي فَتْحِ مَكَّةَ:
مِنَّا بِمَكْةَ يَوْمَ فَتْحِ مُحَمَّدٍ … أَلْفٌ تَسِيلُ بِهِ الْبِطَاحُ مُسَوَّمُ
نَصَرُوا الرَّسُولَ وَشَاهَدُوا آيَاتِهِ … وَشِعَارُهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ مُقَدَّمُ
فِي مَنْزِلٍ ثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ … ضَنْكٍ كَأَنَّ الْهَامَ فِيهِ الْحَنْتَمُ
جَرَّتْ سَنَابِكَهَا بِنَجْدٍ قَبْلَهَا … حَتَّى اسْتَقَامَ لَهَا الْحِجَازُ الْأَدْهَمُ
اللَّهُ مَكَّنَهُ لَهُ وَأَذَلَّهُ … حُكْمُ السُّيُوفِ لَنَا وَجَدٌّ مِزْحَمُ
عَوْدُ الرِّيَاسَةِ شَامِخٌ عِرْنِينُهُ … مُتَطَلِّعٌ ثُغَرَ الْمَكَارِمِ خِضْرِمُ
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي سَبَبِ إِسْلَامِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَعْبُدُ صَنَمًا مِنْ حِجَارَةٍ يُقَالُ لَهُ: ضِمَارٌ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَاهُ بِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ
ج ٦ ص ٥٩٧يَوْمًا يَخْدِمُهُ إِذْ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ جَوْفِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلِّهَا … أَوْدَى ضِمَارُ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى … بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
أَوْدَى ضِمَارُ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً … قَبْلَ الْكِتَابِ إِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
قَالَ: فَحَرَّقَ عَبَّاسٌ ضِمَارًا، ثُمَّ لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِكَمَالِهَا فِي بَابِ هَوَاتِفِ الْجَانِّ، مَعَ أَمْثَالِهَا وَأَشْكَالِهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.