خصائص ومعجزات عيسى ابن مريم عليه السلام
٥ فقرات، ج ٩ ص ٣٨٩
- ج ٩ ص ٣٨٩
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ الطَّائِيُّ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ حِمَارٌ أَسْوَدُ، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ فُلَانٍ، كُنَّا سَبْعَةَ إِخْوَةٍ، كُلُّنَا رَكِبَنَا الْأَنْبِيَاءُ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ، وَكُنْتُ لَكَ، فَمَلَكَنِي رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَكُنْتُ إِذَا ذَكَرْتُكَ كَبَوْتُ بِهِ فَيُوجِعُنِي ضَرْبًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَأَنْتَ يَعْفُورٌ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، وَلَا نَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فِيهَا غُنْيَةٌ عَنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَكَارَتِهِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام .
-
وَيُسَمَّى الْمَسِيحُ; فَقِيلَ: لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ. وَقِيلَ: لِمَسْحِ قَدَمِهِ. وَقِيلَ: لِخُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدِّهَانِ. وَقِيلَ: لِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ. وَقِيلَ: لِمَسْحِ اللَّهِ الذُّنُوبَ عَنْهُ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ أَحَدًا إِلَّا بَرِئَ. حَكَاهَا كُلُّهَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ رحمه الله .
- ج ٩ ص ٣٩٠
وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ، عليه السلام ، مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، كَمَا خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، وَكَمَا خُلِقَ آدَمُ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَإِنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ وَبِنَفْخِ جِبْرِيلَ فِي فَرْجِ مَرْيَمَ، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهَا عِيسَى.
-
وَمِنْ خَصَائِصِهِ وَأُمِّهِ أَنَّ إِبْلِيسَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، حِينَ وُلِدَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ كَمَا جَاءَ فِي «الصَّحِيحِ» . وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَهُوَ حَيٌّ الْآنَ بِجَسَدِهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَسَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَيَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ بِالْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي قِصَّتِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا مُعْجِزَاتُ عِيسَى، عليه السلام ، فَمِنْهَا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَإِحْيَاءُ الْجَمَادِ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ كَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الذِّرَاعَ الْمَسْمُومَةَ، وَهَذَا الْإِحْيَاءُ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ مِنْ وُجُوهٍ; أَحَدُهَا، أَنَّهُ إِحْيَاءُ جُزْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ دُونَ بُقِّيةِ بَدَنِهِ، وَهَذَا مُعْجِزٌ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبَدَنِ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَحْيَاهُ وَحْدَهُ مُنْفَصِلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَعَ مَوْتِ الْبَقِيَّةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْحَيَاةَ
ج ٩ ص ٣٩١مَعَ الْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَيَوَانُ يَعْقِلُ فِي حَيَاتِهِ فَصَارَ جُزْؤُهُ حَيًّا يَعْقِلُ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَى النُّطْقِ وَالْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنِ الْحَيَوَانُ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ مِمَّا يَتَكَلَّمُ، وَفِي هَذَا مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَيَاةِ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ .
قُلْتُ: وَفِي حُلُولِ الْحَيَاةِ وَالْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ فِي الْحَجَرِ الَّذِي كَانَ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنَ الْمُعْجِزِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْحَيَوَانِ فِي الْجُمْلَةِ; لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلًّا لِلْحَيَاةِ فِي وَقْتٍ، بِخِلَافِ هَذَا حَيْثُ لَا حَيَاةَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَسْلِيمُ الْأَحْجَارِ وَالْمَدَرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَشْجَارُ وَالْأَغْصَانُ وَشَهَادَتُهَا بِالرِّسَالَةِ، وَحَنِينُ الْجِذْعِ إِلَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. قَالَ شَيْخُنَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا كِتَابًا فِيمَنْ عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَكَرَ مِنْهَا كَثِيرًا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعْقِلُ، فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّى قُبِضَ، فَبَسَطْنَا عَلَيْهِ ثَوْبَهُ وَسَجَّيْنَاهُ، وَلَهُ أَمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا بَعْضُنَا، وَقَالَ: يَا هَذِهِ احْتَسِبِي مُصِيبَتَكِ عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ أَمَاتَ ابْنِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَتْ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُونَ؟ ! قُلْنَا: نَعَمْ. فَمَدَّتْ يَدَيْهَا