ذكر من توفي في هذه السنة من المشاهير والأعيان

٦١ فقرة، ج ١١ ص ٣٤٩

الصفحة ١ من ٢

  1. ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. وَالصَّحِيحُ قَبْلَهَا كَمَا تَقَدَّمَ.

    ج ١١ ص ٣٤٩
  2. الْحُطَيْئَةُ الشَّاعِرُ

    وَاسْمُهُ جَرْوَلُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُؤَيَّةَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عَبْسٍ، أَبُو مُلَيْكَةَ، الشَّاعِرُ الْمُلَقَّبُ بِالْحُطَيْئَةِ لِقَصَرِهِ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَأَسْلَمَ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْهِجَاءِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ هَجَا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَخَالَهُ وَعَمَّهُ، وَنَفْسَهُ وَعِرْسَهُ. فَمِمَّا قَالَ فِي أُمِّهِ قَوْلُهُ:

    تَنَحِّي فَاقْعُدِي عَنِّي بَعِيدًا … أَرَاحَ اللَّهُ مِنْكِ الْعَالَمِينَا

    أَغِرْبَالًا إِذَا اسْتُودِعْتِ سِرًّا … وَكَانَونًا عَلَى الْمُتَحَدِّثِينَا

    جَزَاكِ اللَّهُ شَرًّا مِنْ عَجُوزٍ … وَلَقَّاكِ الْعُقُوقَ مِنَ الْبَنِينَا

    وَقَالَ فِي أَبِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ:

    لَحَاكَ اللَّهُ ثُمَّ لَحَاكَ حَقًّا … أَبًا وَلَحَاكَ مِنْ عَمٍّ وَخَالِ

    ج ١١ ص ٣٥٠فَنِعْمَ الشَّيْخُ أَنْتَ لَدَى الْمَخَازِي … وَبِئْسَ الشَّيْخُ أَنْتَ لَدَى الْمَعَالِي

  3. وَمِمَّا قَالَ فِي نَفْسِهِ يَذُمُّهَا:
  4. أَبَتْ شَفَتَايَ الْيَوْمَ إِلَّا تَكَلُّمًا … بِشَرٍّ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهْ

    أَرَى لِي وَجْهًا شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقَهُ … فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وَقُبِّحَ حَامِلُهْ

    وَقَدْ شَكَاهُ النَّاسُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَحْضَرَهُ وَحَبَسَهُ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ شَكَاهُ لِعُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ يَهْجُوهُ:

    دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا … وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي

    فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَرَاهُ هَجَاكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ طَاعِمًا كَاسِيًا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ لَا يَكُونُ هِجَاءٌ أَشَدَّ مِنْ هَذَا. فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَجَاهُ وَلَكِنْ سَلَحَ عَلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ حَبَسَهُ عُمَرُ، وَقَالَ: يَا خَبِيثُ، لَأَشْغَلَنَّكَ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَأَخْرَجَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَهْجُوَ النَّاسَ وَاسْتَتَابَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ لِسَانَهُ، فَشَفَعُوا فِيهِ حَتَّى أَطْلَقَهُ.

    وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ الْحِزَامِيٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ حَدَّثَنِي عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بِإِخْرَاجِ الْحُطَيْئَةِ مِنَ الْحَبْسِ، وَقَدْ كَلَّمَهُ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ

  5. وَغَيْرُهُ، فَأُخْرِجَ وَأَنَا حَاضِرٌ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
  6. مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ … زُغْبِ الْحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ

    غَادَرْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ … فَارْحَمْ هَدَاكَ مَلِيكُ النَّاسِ يَا عُمَرُ

    أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي مِنْ بَعْدِ صَاحِبِهِ … أَلْقَى إِلَيْكَ مَقَالِيدَ النُّهَى الْبَشَرُ

    لَمْ يُؤْثِرُوكَ بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا … لَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الْإِثَرُ

    فَامْنُنْ عَلَى صِبْيَةٍ بِالرَّمْلِ مَسْكَنُهُمْ … بَيْنَ الْأَبَاطِحِ يَغْشَاهُمْ بِهَا الْقَدْرُ

    نَفْسِي فِدَاؤُكَ كَمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمُ … مِنْ عَرْضِ دَاوِيَّةٍ يَعْمَى بِهَا الْخُبُرُ

    قَالَ: فَلَمَّا قَالَ الْحُطَيْئَةُ:

    مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ

    بَكَى عُمَرُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَعْدَلَ مِنْ رَجُلٍ يَبْكِي عَلَى تَرْكِهِ الْحُطَيْئَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَرَادَ قَطْعَ لِسَانِ الْحُطَيْئَةِ لِئَلَّا يَهْجُوَ بِهِ النَّاسَ، فَأَجْلَسَهُ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَجِيءَ بِالْمُوسَى، فَقَالَ النَّاسُ: لَا يَعُودُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَشَارُوا إِلَيْهِ قُلْ: لَا أَعُودُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: النِّجَاءَ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لَهُ عُمَرُ: ارْجِعْ يَا حُطَيْئَةُ. فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ عِنْدَ شَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ كَسَرَ لَكَ نُمْرُقَةً، وَبَسَطَ لَكَ أُخْرَى، وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ، غَنِّنَا. فَانْدَفَعْتَ تُغَنِّيهِ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ. قَالَ أَسْلَمُ: فَرَأَيْتُ الْحُطَيْئَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَدْ كَسَرَ لَهُ نُمْرُقَةً، وَبَسَطَ لَهُ أُخْرَى، وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ، غَنِّنَا. فَانْدَفَعَ حُطَيْئَةُ يُغَنِّي،

    ج ١١ ص ٣٥٢فَقُلْتُ لَهُ: يَا حُطَيْئَةُ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ عُمَرَ حِينَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ؟ فَفَزِعَ وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَرْءَ، لَوْ كَانَ حَيًّا مَا فَعَلْنَا هَذَا. فَقَلَتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَكُنْتَ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ.

    وَقَالَ الزُّبَيْرُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِلْحُطَيْئَةِ: دَعْ قَوْلَ الشِّعْرِ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: هُوَ مَأْكَلَةُ عِيَالِي، وَنَمْلَةٌ عَلَى لِسَانِي. قَالَ: فَدَعِ الْمِدْحَةَ الْمُجْحِفَةَ. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: تَقُولُ: بَنُو فُلَانٍ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ. امْدَحْ وَلَا تُفَضِّلْ. فَقَالَ: أَنْتَ أَشْعَرُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

  7. وَمِنْ مَدِيحِهِ الْجَيِّدِ الْمَشْهُورِ قَوْلُهُ:

    أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لَا أَبَا لِأَبِيكُمُ … مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا

    أُولَئِكَ قَوْمِي إِنْ بَنَوْا أَحْسَنُوا الْبِنَا … وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفُوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا

    وَإِنْ كَانَتِ النَّعْمَاءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِهَا … وَإِنْ أَنْعَمُوا لَا كَدَّرُوهَا وَلَا

    كَدُّوا

    قَالُوا: وَلَمَّا احْتُضِرَ الْحُطَيْئَةُ قِيلَ لَهُ: أَوْصِ. فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِالشِّعْرِ. ثُمَّ قَالَ:

    الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهْ … إِذَا ارْتَقَى فِيهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهْ

    زَلَّتْ بِهِ إِلَى الْحَضِيضِ قَدَمُهْ … وَالشِّعْرُ لَا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ

    ج ١١ ص ٣٥٣يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ» : تُوُفِّيَ الْحُطَيْئَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَذَكَرَ أَيْضًا فِيهَا وَفَاةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

  8. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْقِشْبِ

    وَاسْمُهُ جُنْدَبُ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ الْأَزْدِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، حَلِيفُ بَنِي الْمُطَّلِبِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بُحَيْنَةَ، وَهِيَ أُمُّهُ بُحَيْنَةُ بِنْتُ الْأَرَتِّ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَصَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ نَاسِكًا صَوَّامًا قَوَّامًا، وَكَانَ مِمَّنْ يَسْرُدُ صَوْمَ الدَّهْرِ كُلِّهِ.

    قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ يَنْزِلُ بَطْنَ رِيمٍ عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَمَاتَ فِي عَمَلِ مَرْوَانَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، مَا بَيْنَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ إِلَى ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ نَقَلَ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، يَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  9. قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ

    صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ كَأَبِيهِ، لَهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حَدِيثٌ، وَهُوَ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ، وَلَهُ فِي «الْمُسْنَدِ» حَدِيثٌ فِي

    ج ١١ ص ٣٥٤صَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَحَدِيثُ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَارِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَخَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ.

  10. وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ مِنَ الْأَمِيرِ. وَحَمَلَ لِوَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ. وَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجِرَّاحِ، وَمَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَأَصَابَهُمْ ذَلِكَ الْجَهْدُ الْكَثِيرُ، فَنَحَرَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ تِسْعَ جَزَائِرَ، حَتَّى وَجَدُوا تِلْكَ الدَّابَّةَ عَلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا شَهْرًا حَتَّى سَمِنُوا.

  11. وَكَانَ قَيْسٌ سَيِّدًا مُطَاعًا كَرِيمًا مُمَدَّحًا شُجَاعًا، وَلَّاهُ عَلِيٌّ نِيَابَةَ مِصْرَ، وَكَانَ يُقَاوِمُ بِدَهَائِهِ وَخَدِيعَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ لِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَمْ يَزَلْ مُعَاوِيَةُ يَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى عَزَلَهُ عَلِيٌّ عَنْ مِصْرَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَاسْتَخَفَّهُ مُعَاوِيَةُ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ مِصْرَ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ. وَأَقَامَ قَيْسٌ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، وَلَزِمَهُ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ جَاءَهُ لِيُبَايِعَهُ، كَمَا بَايَعَهُ أَصْحَابُهُ.

    قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَدِمَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ;

    ج ١١ ص ٣٥٥لِيُبَايِعَهُ كَمَا بَايَعَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَأَنْتَ يَا قَيْسُ تُلْجِمُ عَلَيَّ مَعَ مَنْ أَلْجَمَ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ هَذَا الْيَوْمَ إِلَّا وَقَدْ ظَفِرَ بِكَ ظُفْرٌ مِنْ أَظَافِرِي مُوجِعٌ. فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ كُنْتُ كَارِهًا أَنْ أَقُومَ فِي هَذَا الْمُقَامِ فَأُحَيِّيَكَ بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَلِمَ؟ وَهَلْ أَنْتَ إِلَّا حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ؟ فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: وَأَنْتَ يَا مُعَاوِيَةُ كُنْتَ صَنَمًا مِنْ أَصْنَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ كَارِهًا، وَخَرَجْتَ مِنْهُ طَائِعًا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ غَفْرًا، مُدَّ يَدَكَ. فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: إِنْ شِئْتَ زِدْتَ وَزِدْتُ.

    وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَالَتْ عَجُوزٌ لِقَيْسٍ: أَشْكُو إِلَيْكَ قِلَّةَ الْجِرْذَانِ. فَقَالَ قَيْسٌ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْكِنَايَةَ! امْلَئُوا بَيْتَهَا خُبْزًا وَلَحْمًا وَسَمْنًا وَتَمْرًا.

    وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَانَتْ لَهُ صَحْفَةٌ يُدَارُ بِهَا حَيْثُ دَارَ، وَكَانَ يُنَادِي لَهُ مُنَادٍ: هَلُمُّوا إِلَى اللَّحْمِ وَالثَّرِيدِ. وَكَانَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ مِنْ قَبْلِهِ يَفْعَلَانِ كَفِعْلِهِ.

    وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: بَاعَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَرْضًا بِتِسْعِينَ أَلْفًا، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ أَرَادَ الْقَرْضَ فَلْيَأْتِ. فَأَقْرَضَ مِنْهَا خَمْسِينَ أَلْفًا وَأَطْلَقَ الْبَاقِيَ، ثُمَّ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَلَّ عُوَّادُهُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ قُرَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي عَتِيقٍ أُخْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: إِنِّي أَرَى قِلَّةَ عُوَّادِي فِي مَرَضِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرَى ذَلِكَ

    ج ١١ ص ٣٥٦مِنْ أَجْلِ مَا لِي عَلَى النَّاسِ مِنَ الْقَرْضِ. فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِصَكِّهِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ، فَوَهَبَهُمْ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَلَيْهِ دِينٌ فَهُوَ مِنْهُ فِي حِلٍّ. فَمَا أَمْسَى حَتَّى كُسِرَتْ عَتَبَةُ بَابِهِ مِنْ كَثْرَةِ الْعُوَّادِ، وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مَالًا وَفَعَالًا، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْفَعَالُ إِلَّا بِالْمَالِ.

    وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: اقْتَرَضَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا جَاءَ لِيُوَفِّيَهُ إِيَّاهَا قَالَ لَهُ قَيْسٌ: إِنَّا قَوْمٌ إِذَا أَعْطَيْنَا أَحَدًا شَيْئًا لَا نَرْجِعُ فِيهِ.

    وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: اخْتَلَفَ ثَلَاثَةٌ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي أَكْرَمِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ. وَقَالَ الْآخَرُ: قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ الْآخَرُ: عَرَابَةُ الْأَوْسِيُّ. فَتَمَارَوْا فِي ذَلِكَ حَتَّى ارْتَفَعَ ضَجِيجُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ رَجُلٌ: فَلْيَذْهَبْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَى صَاحِبِهِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ أَكْرَمُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلْيَنْظُرْ مَا يُعْطِيهِ وَلْيُحْكَمْ عَلَى الْعَيَانِ. فَذَهَبَ صَاحِبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لِيَذْهَبَ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ابْنُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ. قَالَ: فَأَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنَ الْغَرْزِ وَقَالَ: ضَعْ رِجْلَكَ وَاسْتَوِ عَلَيْهَا، فَهِيَ لَكَ بِمَا عَلَيْهَا، وَخُذْ مَا فِي الْحَقِيبَةِ وَلَا تُخْدَعَنَّ عَنِ السَّيْفِ، فَإِنَّهُ مِنْ سُيُوفِ عَلِيٍّ. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِنَاقَةٍ عَظِيمَةٍ، وَإِذَا فِي الْحَقِيبَةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَمَطَارِفُ مِنْ خَزٍّ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَجَلُّ ذَلِكَ سَيْفُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي

  12. طَالِبٍ رضي الله عنه . وَمَضَى صَاحِبُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَتْ لَهُ الْجَارِيَةُ: مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ. قَالَتْ: فَحَاجَتُكَ أَيْسَرُ مِنْ إِيقَاظِهِ، هَذَا كِيسٌ فِيهِ سَبْعُمِائَةِ دِينَارٍ مَا فِي دَارِ قَيْسٍ مَالٌ غَيْرُهُ الْيَوْمَ، وَاذْهَبْ إِلَى مَوْلَانَا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، فَخُذْ لَكَ نَاقَةً وَعَبْدًا، وَاذْهَبْ رَاشِدًا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَيْسٌ مِنْ رَقْدَتِهِ أَخْبَرَتْهُ الْجَارِيَةُ بِمَا صَنَعَتْ، فَأَعْتَقَهَا شُكْرًا عَلَى صَنِيعِهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: هَلَّا أَيْقَظْتِنِي حَتَّى أُعْطِيَهُ مَا يَكْفِيهِ، فَلَعَلَّ الَّذِي أَعْطَيْتِهِ لَا يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعَ حَاجَتِهِ. وَذَهَبَ صَاحِبُ عَرَابَةَ الْأَوْسِيِّ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَبْدَيْنِ، وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَرَابَةُ. فَقَالَ: قُلْ. فَقَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ. قَالَ: فَخَلَّى عَنِ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ صَفَّقَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُ وَلَا أَمْسَيْتُ وَقَدْ تَرَكَتِ الْحُقُوقُ مِنْ مَالِ عَرَابَةَ شَيْئًا، وَلَكِنْ خُذْهُمَا. يَعْنِي الْعَبْدَيْنِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَأْخُذْهُمَا فَهُمَا حُرَّانِ فَإِنْ شِئْتَ فَأَعْتِقْ، وَإِنْ شِئْتَ فَخُذْ. وَأَقْبَلَ يَلْتَمِسُ الْحَائِطَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَأَخَذَهُمَا وَجَاءَ بِهِمَا. قَالَ: فَحَكَمَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ قَدْ جَادَ بِمَالٍ عَظِيمٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ لَهُ، إِلَّا أَنَّ السَّيْفَ أَجَلُّهَا، وَأَنَّ قَيْسًا أَحَدُ الْأَجْوَادِ; حَكَّمَ مَمْلُوكَتَهُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَاسْتِحْسَانِهِ مَا فَعَلَتْهُ، وَعِتْقِهِ لَهَا وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَسْخَى الثَّلَاثَةِ عَرَابَةُ الْأَوْسِيُّ; لِأَنَّهُ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ.

    وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَسَّمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَالَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا، فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَجَاءَ

    ج ١١ ص ٣٥٨أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَا: إِنَّ أَبَاكَ قَسَّمَ مَالَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ هَذَا الْوَلَدِ إِذْ كَانَ حَمْلًا، فَاقْسِمُوا لَهُ مَعَكُمْ. فَقَالَ قَيْسٌ: إِنِّي لَا أُغَيِّرُ مَا فَعَلَهُ سَعْدٌ، وَلَكِنَّ نَصِيبِي لَهُ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، فَذَكَرَهُ.

    وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَزَالُ هَكَذَا رَافِعًا أُصْبُعَهُ الْمُسَبِّحَةَ. يَعْنِي يَدْعُو.

    وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ، ثَنَا أَبُو رَافِعٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» . لَكُنْتُ مِنْ أَمْكَرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

    وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: دُهَاةُ الْعَرَبِ حِينَ ثَارَتِ الْفِتْنَةُ خَمْسَةٌ; مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَكَانَا مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ مُعْتَزِلًا بِالطَّائِفِ حَتَّى حَكَمَ الْحَكَمَانِ، فَصَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ.

    ج ١١ ص ٣٥٧
  13. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى مِصْرَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ نَائِبَ عُثْمَانَ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا

    ج ١١ ص ٣٥٩عَلَى مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ بِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا سَارَ فِيهَا سِيرَةً حَسَنَةً وَضَبَطَهَا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَثَقُلَ أَمْرُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَكَاتَبَاهُ لِيَكُونَ مَعَهُمَا عَلَى عَلِيٍّ فَامْتَنَعَ، وَأَظْهَرَ لِلنَّاسِ مُنَاصَحَتَهُ لَهُمَا، فَشَاعَ الْخَبَرُ حَتَّى بَلَغَ عَلِيًّا فَعَزَلَهُ، وَبَعَثَ إِلَى مِصْرَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، فَمَاتَ الْأَشْتَرُ فِي الرَّمْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا، فَبَعَثَ عَلِيٌّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَفَّ أَمْرُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى أَخَذَا مِنْهُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَأُحْرِقَ فِي جِيفَةِ حِمَارٍ، وَسَارَ قَيْسٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ سَارَ إِلَى عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ، فَكَانَ مَعَهُ فِي حُرُوبِهِ حَتَّى قُتِلَ عَلِيٌّ، ثُمَّ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْحَسَنِ، فَلَمَّا بَايَعَ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ سَاءَ قَيْسًا ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي وَفْدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَبَايَعَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ مُعَاتَبَةٍ، وَكَلَامٍ فِيهِ غِلْظَةٌ، ثُمَّ أَكْرَمَهُ مُعَاوِيَةُ وَقَدَّمَهُ وَحَظِيَ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ مَعَ الْوُفُودِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ قَدِمَ كِتَابُ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَفِيهِ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِسَرَاوِيلِ أَطْوَلِ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِقَيْسٍ: مَا أَظُنُّنَا إِلَّا قَدِ احْتَجْنَا إِلَى سَرَاوِيلِكَ. وَكَانَ قَيْسٌ مَدِيدُ الْقَامَةِ جِدًّا، لَا يَصِلُ أَطْوَلُ الرِّجَالِ إِلَى صَدْرِهِ، فَقَامَ قَيْسٌ فَتَنَحَّى، ثُمَّ خَلَعَ سَرَاوِيلَهُ، فَأَلْقَاهَا إِلَى مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، مَا أَرَدْتُ إِلَى هَذَا، هَلَّا ذَهَبْتَ إِلَى مَنْزِلِكَ ثُمَّ أَرْسَلْتَ بِهَا إِلَيْنَا. فَأَنْشَأَ قَيْسٌ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ:

    أَرَدْتُ بِهَا كَيْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا … سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودُ

    وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ … سَرَاوِيلُ عَادِيٌّ نَمَتْهُ ثَمُودُ

    وَإِنِّي مِنَ الْحَيِّ الْيَمَانِي لَسَيِّدٌ … وَمَا النَّاسُ إِلَّا سَيِّدٌ وَمَسُودُ

    ج ١١ ص ٣٦٠فَكِدْهُمْ بِمِثْلِي إِنَّ مِثْلِي عَلَيْهِمُ … شَدِيدٌ وَخَلْقِي فِي الرِّجَالِ مَزِيدُ

    وَفَضَّلَنِي فِي النَّاسِ أَصْلِي وَوَالِدِي … وَبَاعٌ بِهِ أَعْلُو الرِّجَالَ مَدِيدُ

    قَالَ: فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ أَطْوَلَ رَجُلٍ فِي الْوَفْدِ، فَوَضَعَهَا عَلَى أَنْفِهِ فَوَقَعَتْ بِالْأَرْضِ.

  14. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ بَعَثَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِرَجُلَيْنِ مِنْ جَيْشِهِ يَزْعُمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْوَى الرُّومِ، وَالْآخَرَ أَطْوَلُ الرُّومِ، فَإِنْ كَانَ فِي جَيْشِكَ مَنْ يَفُوقُهُمَا فِي قُوَّةِ هَذَا وَطُولِ هَذَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ مِنَ الْأَسَارَى كَذَا وَكَذَا وَمَنَ التُّحَفِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَيْشِكَ مَنْ يُشْبِهُهُمَا فَهَادِنِي ثَلَاثَ سِنِينَ. فَلَمَّا حَضَرَا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَنْ لِهَذَا الْقَوِيِّ؟ فَقَالُوا: مَا لَهُ إِلَّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ; إِمَّا مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَجِيءَ بِمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَتَعْلَمُ فِيمَ أُرْسَلْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَا. فَذَكَرَ لَهُ أَمْرَ الرُّومِيِّ وَشِدَّةَ بِأُسِهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: تَجْلِسُ لِي أَوْ أَجْلِسُ لَكَ، وَتُنَاوِلُنِي يَدَكَ أَوْ أُنَاوِلُكَ يَدِي، فَأَيُّنَا قَدَرَ عَلَى أَنْ يُقِيمَ الْآخَرَ مِنْ مَكَانِهِ غَلَبَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ غُلِبَ. فَقَالَ لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ; تَجْلِسُ أَوْ أَجْلِسُ؟ فَقَالَ لَهُ الرُّومِيُّ: بَلِ اجْلِسْ أَنْتَ. فَجَلَسَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَعْطَى الرُّومِيَّ يَدَهُ، فَاجْتَهَدَ الرُّومِيُّ بِكُلِّ مَا يَقَدْرُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ أَنْ يُزِيلَهُ مِنْ مَكَانَهِ أَوْ يُحَرِّكَهُ لِيُقِيمَهُ، فَلَمْ يَقَدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَغَلَبَ الرُّومِيَّ عِنْدَ ذَلِكَ، وَظَهَرَ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْوُفُودِ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ، ثُمَّ قَامَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ

    ج ١١ ص ٣٦١لِلرُّومِيِّ: اجْلِسْ لِي. فَجَلَسَ وَأَعْطَى مُحَمَّدًا يَدَهُ، فَمَا لَبِثَ أَنْ أَقَامَهُ سَرِيعًا، وَرَفَعَهُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةُ سُرُورًا عَظِيمًا، وَنَهَضَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، فَتَنَحَّى عَنِ النَّاسِ، ثُمَّ خَلَعَ سَرَاوِيلَهُ، وَأَعْطَاهَا لِذَلِكَ الرُّومِيِّ الطَّوِيلِ، فَلَبِسَهَا فَبَلَغَتْ إِلَى ثَدْيَيْهِ وَأَطْرَافُهَا تَخُطُّ بِالْأَرْضِ، فَاعْتَرَفَ الرُّومُ بِالْغَلَبِ، وَبَعَثَ مَلِكُهُمْ مَا كَانَ الْتَزَمَهُ لِمُعَاوِيَةَ، وَعَاتَبَ الْأَنْصَارُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ فِي خَلْعِهِ سَرَاوِيلَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، فَقَالَ ذَلِكَ الشِّعْرُ الْمُتَقَدِّمَ مُعْتَذِرًا بِهِ إِلَيْهِمْ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَلْزَمَ لِلْحُجَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الرُّومِ، وَأَقْطَعَ لِمَا حَاوَلُوهُ.

  15. وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ رَجُلًا ضَخْمًا جَسِيمًا صَغِيرَ الرَّأْسِ، لَهُ لِحْيَةٌ فِي ذَقَنِهِ، وَكَانَ إِذَا رَكِبَ الْحِمَارَ خَطَّتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ.

    وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَتَبِعْنَاهُ فِي ذَلِكَ.

  16. مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزَنِيُّ

    صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَكَانَ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُبَايِعُ النَّاسَ تَحْتَهَا، وَكَانَتْ مِنَ السَّمُرِ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    ج ١١ ص ٣٦٢لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الْفَتْحِ: ١٨] . وَقَدْ وَلَّاهُ عُمَرُ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ، فَحَفَرَ بِهَا النَّهْرَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ، فَيُقَالُ: نَهْرُ مَعْقِلٍ. وَلَهُ بِهَا دَارٌ.

    قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَوْ لَمْ أَكُنْ عَلَى حَالَتِي هَذِهِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بْنصِيحَةٍ، لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ» .

  17. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ

    أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ رضي الله عنه

    وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ قَدْ بَسَطْنَا أَكْثَرَهَا فِي كِتَابِنَا «التَّكْمِيلِ» ، وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِهِ» ، وَالْأَشْهُرُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ، وَهُوَ مِنَ الْأَزْدِ، ثُمَّ مِنْ دَوْسٍ. وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ شَمْسٍ. وَقِيلَ: عَبْدَ نِهْمٍ. وَقِيلَ: عَبْدَ غَنْمٍ. وَيُكَنَّى بِأَبِي الْأُسُودِ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَكَنَّاهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ.

  18. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَجَدْتُ هُرَيْرَةً وَحْشِيَّةً، فَأَخَذْتُ أَوْلَادَهَا، فَقَالَ لِي أَبِي: مَا هَذِهِ فِي حِجْرِكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ.

  19. وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا هِرٍّ» . وَثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» .

    قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ: وَاسْمُ أُمِّهِ مَيْمُونَةُ بِنْتُ صُبَيْحِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْبِ بْنِ هُنَيَّةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. أَسْلَمَتْ وَمَاتَتْ مُسْلِمَةً.

    ج ١١ ص ٣٦٣
  20. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكَثِيرَ الطَّيِّبَ، وَكَانَ مِنْ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْ أَبَى بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَبَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ، وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلَائِقُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ مُرَتَّبِينَ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي «التَّكْمِيلِ» ، كَمَا ذَكَرَهُمْ شَيْخُنَا فِي «تَهْذِيبِهِ» .

    قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ: كَانَ يَنْزِلُ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ سَنَةَ خَيْبَرَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ لَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ دَارٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ آدَمَ اللَّوْنِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، ذَا ضَفِيرَتَيْنِ، أَفْرَقَ الثَّنِيَّتَيْنِ.

  21. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي خَلْدَةَ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ

    ج ١١ ص ٣٦٤أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمْتُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِمَّنْ أَنْتَ؟» فَقُلْتُ: مِنْ دَوْسٍ. فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي دَوْسٍ رَجُلًا فِيهِ خَيْرٌ» .

    وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ.

  22. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: جِئْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ بَعْدَ مَا فَرَغُوا مِنَ الْقِتَالِ.

    وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعُ بْنُ عُرْفُطَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَصَلَّيْتُ الصُّبْحَ وَرَاءَ سِبَاعٍ، فَقَرَأَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى سُورَةَ «مَرْيَمَ» ، وَفِي الثَّانِيَةِ «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَيْلٌ لِأَبِي فُلَانٍ. لِرَجُلٍ كَانَ بِأَرْضِ الْأَزْدِ، كَانَ لَهُ مِكْيَالَانِ; مِكْيَالٌ يَكْتَالُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِكْيَالٌ يَبْخَسُ بِهِ النَّاسَ.

  23. وَقَدْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّهُ ضَلَّ غُلَامٌ لَهُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي اجْتَمَعَ فِي صَبِيحَتِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّهُ جَعَلَ يُنْشِدُ:

    يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا عَلَى … أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ

    ج ١١ ص ٣٦٥فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «هَذَا غُلَامُكَ» . فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ عز وجل .

  24. وَقَدْ لَزِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَكَانَ أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ مِنْهُ، وَتَفَقَّهَ عَنْهُ، وَكَانَ يَلْزَمُهُ عَلَى شِبَعِ بَطْنِهِ.

  25. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - وَقَدْ تَمَخَّطَ يَوْمًا فِي قَمِيصٍ لَهُ مِنْ كَتَّانٍ -: بَخٍ بَخٍ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الْكَتَّانِ! لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْحُجَرِ مِنَ الْجُوعِ، فَيَمُرُّ الْمَارُّ فَيَقُولُ: بِهِ جُنُونٌ. وَمَا بِي إِلَّا الْجُوعُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كُنْتُ أَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْتَقْرِئُ أَحَدَهُمُ الْآيَةَ وَأَنَا أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَسْتَتْبِعَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ فَيُطْعِمُنِي شَيْئًا. وَذَكَرَ حَدِيثَ اللَّبَنِ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي ذِكْرِ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ.

    وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ السُّحَيْمِيُّ الْأَعْمَى، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ لَنَا: وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مُؤْمِنًا يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي. قُلْتُ: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي كَانَتِ امْرَأَةً مُشْرِكَةً، وَإِنِّي كُنْتُ أَدْعُوهَا إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي

    ج ١١ ص ٣٦٦كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيَّ، وَإِنِّي دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ» فَخَرَجْتُ أَعْدُو أُبَشِّرُهَا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْبَابَ إِذَا هُوَ مُجَافٍ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، وَسَمِعْتُ خَشْفَ رِجْلٍ - يَعْنِي وَقْعَهَا - فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كَمَا أَنْتَ. ثُمَّ فَتَحَتِ الْبَابَ، وَقَدْ لَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْحُزْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ، فَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، وَقَدْ هَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْهُمْ إِلَيْهِمَا» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي أَوْ يَرَى أُمِّي إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّنِي وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةِ بْنِ عَمَّارٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ.

  26. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَبَّبٌ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَقَدْ شَهَرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ بِمَا قَدَّرَهُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْخَبَرِ عَنْهُ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ، عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فِي الْمَحَافِلِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ، وَهَذَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَيَسَّرَهُ مِنْ شَهْرِ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةِ النَّاسِ لَهُ، رضي الله عنه .

    ج ١١ ص ٣٦٧وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثَنَا سَعِيدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آذَيْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَوْ جَلْدَتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ قُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَقَدْ رَفَعَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا الدِّرَّةَ لِيَضْرِبَنِي بِهَا، لَأَنْ يَكُونُ ضَرَبَنِي بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ; ذَلِكَ بِأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا، وَأَنْ يُسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَعْوَتُهُ

    وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. فَقَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» . فَبَسَطْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» . فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ حَدِيثًا بَعْدُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

    وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَصْحَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ

    ج ١١ ص ٣٦٨الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَحَضَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا، فَقَالَ: «مَنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضُهُ إِلَيْهِ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي» . فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ قَبَضْتُهَا إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخَرُ عَنْهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَمْ يَنْسَ مِنْهَا شَيْئًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسِيَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي «الصَّحِيحِ» ، حَيْثُ نَسِيَ حَدِيثَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» . مَعَ حَدِيثِهِ «لَا يُورِدُ مُمَرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» . وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ عَامًّا فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَغَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  27. وَقَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ; لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، إِنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو ابْنِ أَبِي عَمْرٍو بِهِ.

  28. وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِي النَّاسِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

    ج ١١ ص ٣٦٩
  29. وَهَذَا الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ لَا يَتَظَاهَرُ بِهِ هُوَ الْفِتَنُ وَالْمَلَاحِمُ، وَمَا وَقَعَ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ وَمَا سَيَقَعُ، الَّتِي لَوْ أَخْبَرَ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا لَبَادَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَرَدُّوا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ: لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ إِمَامَكُمْ وَتَقْتَتِلُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالسُّيُوفِ لَمَا صَدَّقْتُمُونِي. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْفَاسِدَةِ، وَيُسْنِدُونَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْجِرَابِ الَّذِي لَمْ يَقُلْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ كَانَ فِي هَذَا الْجِرَابِ الَّذِي لَمْ يُخْبِرْ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَا مِنْ مُبْطِلٍ - مَعَ تَضَادِّ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ - إِلَّا وَيَدَّعِي شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَكُلُّهُمْ يَكْذِبُونَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ فَمَنْ عَلِمَهُ مِنْ بَعْدِهِ؟! وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ قَدْ أَخْبَرَ بِهَا هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ «الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ» .

    وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، ثَنَا أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ مَرْوَانَ دَعَا أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأَقْعَدَهُ خَلْفَ السَّرِيرِ - وَجَعَلَ

    ج ١١ ص ٣٧٠مَرْوَانُ يَسْأَلُ وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوَلِ دَعَا بِهِ - وَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ - فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلَا نَقْصَ، وَلَا قَدَّمَ وَلَا أَخَّرَ.

  30. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَغَيْرُهُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَفْضَلِهِمْ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ.

    وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: تَوَاعَدَ النَّاسُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي إِلَى قُبَّةٍ مِنْ قِبَابِ مُعَاوِيَةَ، فَاجْتَمَعُوا فِيهَا، فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَحَدَّثَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ.

  31. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ وَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو; فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ.

    وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زُرْعَةَ الرُّعَيْنِيُّ، ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: لَتَتْرُكَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ

    ج ١١ ص ٣٧١رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ. وَقَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: لَتَتْرُكَنَّ الْحَدِيثَ أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ الْقِرَدَةِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ يَذْكُرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَحْوًا مِنْهُ، وَلَمْ يُسْنِدْهُ. وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَضَعُهَا النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَّكِلُونَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخْصِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ بَعْضُ الْغَلَطِ أَوِ الْخَطَأِ فَيَحْمِلُهَا النَّاسُ عَنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.

  32. وَقَدْ جَاءَ أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، فَقَالَ مُسَدَّدٌ: ثَنَا خَالِدٌ الطَّحَّانُ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ فُلَانٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لِمَ سَأَلَتْنِي عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . قَالَ: إِمَّا لَى فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ.

    وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ - يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ - ثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ - وَكَانَ يَبْتَدِئُ

    ج ١١ ص ٣٧٢حَدِيثَهُ بِأَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ -: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ «. وَرُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ.

    وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ أَحَادِيثَ لَوْ تَكَلَّمْتُ بِهَا فِي زَمَانِ عُمَرَ - أَوْ عِنْدَ عُمَرَ - لَشَجَّ رَأْسِي.

  33. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . حَتَّى قُبِضَ عُمَرُ.

    وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِيمَا يُعْمَلُ بِهِ. قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفَكُنْتُ مُحَدِّثَكُمْ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَعُمَرُ حَيٌّ؟! أَمَا وَاللَّهِ إِذًا لَأَيْقَنْتُ أَنَّ الْمِخْفَفَةَ سَتُبَاشِرُ ظَهْرِي.

  34. فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: اشْتَغِلُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ. وَلِهَذَا لَمَّا بَعَثَ أَبَا مُوسَى إِلَى الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا لَهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ دَوِيٌّ بِالْقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَدَعْهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلَا تَشْغَلْهُمْ بِالْأَحَادِيثِ، وَأَنَا شَرِيكُكَ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ عُمَرَ، رضي الله عنه .

    وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ

    ج ١١ ص ٣٧٣عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، الْقِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ». فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرُ: أَبَا هِرٍّ، انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى انْطَلَقَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْشُدُكِ بِاللَّهِ أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ» ؟؟ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ الْوَدِيِّ وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ، إِنِّي إِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةً يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ أَكْلَةً يُطْعِمُنِيهَا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ.

    وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي جِنَازَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَمْشِي أَمَامَهَا وَيُكْثِرُ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

  35. وَقَدْ رَوَى أَنَّ عَائِشَةَ تَأَوَّلَتْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَهَّمَتْهُ فِي بَعْضِهَا. وَفِي «الصَّحِيحِ» أَنَّهَا عَابَتْ عَلَيْهِ سَرْدَ الْحَدِيثِ. أَيِ الْإِكْثَارَ مِنْهُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ.

    وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ

    ج ١١ ص ٣٧٤سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَكْثَرَتِ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ الْمُكْحُلَةُ وَالْخِضَابُ، وَلَكِنِّي أَرَى ذَلِكَ شَغَلَكَ عَمَّا اسْتَكْثَرْتُ مِنْ حَدِيثِي. قَالَتْ: لَعَلَّهُ.

    وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ الشَّامِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أَتَى أَبَا هُرَيْرَةَ فِي حُلَّةٍ يَتَبَخْتَرُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّكَ تُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهَلْ سَمِعْتَهُ يَقُولُ فِي حُلَّتِي هَذِهِ شَيْئًا؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتُؤْذُونَنَا، وَلَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَيْنَمَا هُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» . فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ مِنْ قَوْمِكَ. أَوْ: مِنْ رَهْطِكَ. شَكَّ أَبُو يَعْلَى.

    وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِمَرْوَانَ: وَاللَّهِ مَا أَنْتَ وَالٍ، وَإِنَّ الْوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ - يَعْنِي حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْفِنُوا الْحَسَنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ. يَعْنِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ مَرْوَانُ مُغْضَبًا، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا: إِنَّكَ أَكْثَرْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا قَدِمْتَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ، قَدِمْتُ وَاللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ سَنَةَ

    ج ١١ ص ٣٧٥سَبْعٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ زِدْتُ عَلَى الثَّلَاثِينَ سَنَةً سَنَوَاتٍ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، أَدُورُ مَعَهُ فِي بُيُوتِ نِسَائِهِ وَأَخْدِمُهُ، وَأَنَا وَاللَّهِ يَوْمَئِذٍ مُقِلٌّ، وَأُصَلِّي خَلْفَهُ وَأَغْزُو وَأَحُجُّ مَعَهُ، فَكُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، قَدْ وَاللَّهِ سَبَقَنِي قَوْمٌ - بِصُحْبَتِهِ وَالْهِجْرَةِ - مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَ لُزُومِي لَهُ، فَيَسْأَلُونِي عَنْ حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَلَا وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ كُلُّ حَدَثٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلَةٌ، وَكُلُّ صَاحِبٍ لَهُ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صَاحِبَهُ فِي الْغَارِ، وَغَيْرُهُ قَدْ أَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُسَاكِنَهُ. يُعَرِّضُ بِأَبِي مَرْوَانَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لِيَسْأَلْنِي أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمًا جَمًّا وَمَقَالًا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَ مَرْوَانُ يَقْصُرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَتَّقِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَخَافُهُ وَيَخَافُ جَوَابَهُ.

  36. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِمَرْوَانَ: إِنِّي أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ اخْتِيَارًا وَطَوْعًا، وَأَحْبَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حُبًّا شَدِيدًا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الدَّارِ وَمَوْضِعُ الدَّعْوَةِ، أَخْرَجْتُمُ الدَّاعِيَ مِنْ أَرْضِهِ، وَآذَيْتُمُوهُ وَأَصْحَابَهُ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُكُمْ عَنْ إِسْلَامِي إِلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ إِلَيْكُمْ. فَنَدِمَ مَرْوَانُ عَلَى كَلَامِهِ لَهُ وَاتَّقَاهُ.

    وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ - يَعْنِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ

    ج ١١ ص ٣٧٦بْنِ الْعَوَّامِ - قَالَ: قَالَ لِي أَبِي الزُّبَيْرُ: أَدْنِنِي مِنْ هَذَا الْيَمَانِيِّ - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - فَإِنَّهُ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: صَدَقَ، كَذَبَ، صَدَقَ، كَذَبَ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَهْ، مَا قَوْلُكَ: صَدَقَ، كَذَبَ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا أَشُكُّ، وَلَكِنَّ مِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ، وَمِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ.

  37. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أَنَسِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا نَدْرِي هَذَا الْيَمَانِيُّ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ، أَمْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: وَاللَّهِ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَغْنِيَاءَ، لَنَا بُيُوتَاتٌ وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ مِسْكِينًا لَا مَالَ لَهُ وَلَا أَهْلَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، وَسَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بْنحْوِهِ.

    وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ ! فَقَالَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَإِنِّي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . يَعْنِي: مَا لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ.

    ج ١١ ص ٣٧٧وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، ثَنَا مَرْوَانُ الدِّمَشْقِيُّ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ قَالَ: قَالَ لَنَا بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ: اتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا مِنَ الْحَدِيثِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، ثُمَّ يَقُومُ فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَعْبٍ، وَحَدِيثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي رِوَايَةٍ: يَجْعَلُ مَا قَالَهُ كَعْبٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَعْبٍ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا فِي الْحَدِيثِ.

    وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ: أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدَلِّسُ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَكَانَ شُعْبَةُ يُشِيرُ بِهَذَا إِلَى حَدِيثِهِ: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صِيَامَ لَهُ» . فَإِنَّهُ لَمَّا حُوقِقَ عَلَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

    وَقَالَ شَرِيكٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَدَعُونَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

    قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ فِي أَحَادِيثِ

    ج ١١ ص ٣٧٨أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا، وَمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ. وَقَدِ انْتَصَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَدَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَدْ قَالَ مَا قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِمْ.

  38. وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه ، مِنَ الصِّدْقِ وَالْحِفْظِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ.

  39. قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبَّاسٍ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَامْرَأَتُهُ ثُلُثَهُ، وَابْنَتُهُ ثُلُثَهُ، يَقُومُ هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا وَهَذَا.

  40. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوَتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.

    وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي أُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجُزْءٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَجُزْءٌ أَنَامُ فِيهِ، وَجُزْءٌ أَتَذَكَّرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

    وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ، ثَنَا أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَسْجِدٌ فِي مُخْدَعِهِ، وَمَسْجِدٌ فِي بَيْتِهِ، وَمَسْجِدٌ فِي حُجْرَتِهِ، وَمَسْجِدٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ، إِذَا خَرَجَ صَلَّى فِيهَا

    ج ١١ ص ٣٧٩جَمِيعِهَا، وَإِذَا دَخَلَ صَلَّى فِيهَا جَمِيعِهَا.

    وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، وَيَقُولُ: أُسَبِّحُ عَلَى قَدْرِ دِيَتِي.