شخوص إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد الله بن زياد
٨ فقرات، ج ١٢ ص ٣٦
- ج ١٢ ص ٣٦
الطُّفَيْلِ بْنِ عَامِرٍ بِتَوْجِيهِ الْجُنُودِ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ بِذَاتِ عِرْقٍ حَتَّى تَلَاحَقَ بِهِ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ نَهَارًا جِهَارًا، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ. وَقَدْ أَعَدَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحَطَبَ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَصْحَابِهِ لِيُحَرِّقَهُمْ بِهِ إِنْ لَمْ يُبَايِعُوا، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْأَجَلِ يَوْمَانِ، فَعَمَدُوا - يَعْنِي أَصْحَابَ الْمُخْتَارِ - إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَأَطْلَقُوهُ مِنْ سِجْنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالُوا: إِنْ أَذِنْتَ لَنَا قَاتَلْنَا ابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَرَى الْقِتَالَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَيْسَ يَبْرَحُ وَتَبْرَحُونَ حَتَّى يُبَايِعَ وَتُبَايِعُوا مَعَهُ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ بَقِيَّةُ أَصْحَابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ وَهُمْ دَاخِلُونَ الْحَرَمَ: يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ خَافَهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ أَخَذُوا مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَخَذُوا مِنَ الْحَجِيجِ مَالًا كَثِيرًا فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى دَخَلَ شِعْبَ عَلِيٍّ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ فَقَسَّمَ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ الْمَالَ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي صِحَّتِهَا نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ نَائِبُهُ بِالْمَدِينَةِ أَخَاهُ مُصْعَبًا، وَنَائِبُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَقَدِ اسْتَحْوَذَ الْمُخْتَارُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ عَلَى بِلَادِ خُرَاسَانَ وَذَكَرَ حُرُوبًا جَرَتْ فِيهَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
-
فَصْلٌ (شُخُوصُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ)
ج ١٢ ص ٣٧قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَذَلِكَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ مَشَايِخِهِ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ فَرَغَ الْمُخْتَارُ مِنْ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ وَأَهْلِ الْكُنَاسَةِ، فَمَا نَزَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ إِلَّا يَوْمَيْنِ حَتَّى أَشْخَصَهُ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ وَجَّهَهُ لَهُ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ; فَخَرَجَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ يُودِّعُهُ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ خَاصَّةُ الْمُخْتَارِ، وَمَعَهُمْ كُرْسِيُّ الْمُخْتَارِ عَلَى بَغْلٍ أَشْهَبَ لِيَسْتَنْصِرُوا بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَهُمْ حَافُّونَ بِهِ يَدْعُونَ وَيَسْتَصْرِخُونَ وَيَسْتَنْصِرُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ، فَرَجَعَ الْمُخْتَارُ بَعْدَ أَنْ وَصَّاهُ بِثَلَاثٍ; قَالَ: يَا ابْنَ الْأَشْتَرِ، اتَّقِ اللَّهَ فِي سِرِّكَ وَعَلَانِيَتِكَ، وَأَسْرَعِ السَّيْرَ وَعَاجِلْ عَدُوَّكَ بِالْقِتَالِ. وَاسْتَمَرَّ أَصْحَابُ الْكُرْسِيِّ سَائِرِينَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ، فَجَعْلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، سُنَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِذْ عَكَفُوا عَلَى عِجْلِهِمْ. فَلَمَّا جَاوَزَ الْقَنْطَرَةَ إِبْرَاهِيمُ وَأَصْحَابُهُ انْصَرَفَ أَصْحَابُ الْكُرْسِيِّ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ سَبَبُ اتِّخَاذِ هَذَا الْكُرْسِيِّ مَا حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
ج ١٢ ص ٣٨أَحْمَدَ بْنِ شَبُّوَيْهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثَنَا سُلَيْمَانُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي طُفَيْلُ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: أَعْدَمْتُ مَرَّةً مِنَ الْوَرِقِ فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ مَرَرْتُ بِبَابِ جَارٍ لِي لَهُ كُرْسِيٌّ قَدْ رَكِبَهُ وَسَخٌ شَدِيدٌ، فَخَطَرَ عَلَى بَالِي أَنْ لَوْ قُلْتُ فِي هَذَا، فَرَجَعْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِالْكُرْسِيِّ، فَأَرْسَلَ بِهِ، فَأَتَيْتُ الْمُخْتَارَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ أَكْتُمُكَ شَيْئًا وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ: كَرِّسِيٌّ كَانَ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ فِيهِ أَثَرَةً مِنْ عِلْمٍ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَأَخَّرْتَ هَذَا إِلَى الْيَوْمِ؟ ابْعَثْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ وَقَدْ غُسِلَ فَخَرَجَ عُودًا نُضَارًا وَقَدْ تَشْرَّبَ الزَّيْتَ، فَأَمَرَ لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، ثُمَّ نُودِيَ فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. قَالَ: فَخَطَبَ الْمُخْتَارُ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَمْرٌ إِلَّا وَهُوَ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّابُوتُ يُنْصَرُونَ بِهِ، وَإِنَّ هَذَا مِثْلُهُ. ثُمَّ أَمَرَ فَكُشِفَ عَنْهُ أَثْوَابُهُ، وَقَامَتِ السَّبَئِيَّةُ فَرَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَكَبَّرُوا ثَلَاثًا، فَقَامَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَأَنْكَرَ عَلَى النَّاسِ وَكَادَ أَنْ يَكَفِّرَ مَنْ يَصْنَعُ بِهَذَا التَّابُوتِ هَذَا التَّعْظِيمَ، وَأَشَارَ بِأَنْ يُكْسَرَ
ج ١٢ ص ٣٩وَيُخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيُرْمَى بِهِ فِي الْحُشِّ، فَشَكَرَهَا النَّاسُ لِشَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ فَلَمَّا قِيلَ: هَذَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ قَدْ أَقْبَلَ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ بَعْثَ مَعَهُ بِالْكُرْسِيِّ يُحْمَلُ عَلَى بَغْلٍ أَشْهَبَ قَدْ غُشِّيَ بِأَثْوَابِ الْحَرِيرِ، عَنْ يَمِينِهِ سَبْعَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ سَبْعَةٌ، فَلَمَّا تَوَاجَهُوا مَعَ الشَّامِيِّينَ - كَمَا سَيَأْتِي - وَغَلَبُوا الشَّامِيِّينَ وَقَتَلُوا ابْنَ زِيَادٍ، ازْدَادَ تَعْظِيمُهُمْ لِهَذَا الْكُرْسِيِّ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْكُفْرَ، قَالَ الطُّفَيْلُ بْنُ جَعْدَةَ فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَنَدِمْتُ عَلَى مَا صَنَعْتُ. وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذَا الْكُرْسِيِّ، وَكَثُرَ عَيْبُ النَّاسِ لَهُ فَغُيِّبَ حَتَّى لَا يُرَى بَعْدَ ذَلِكَ.
-
وَذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبَيِّ أَنَّ الْمُخْتَارَ طَلَبَ مِنْ آلِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْكُرْسِيَّ الَّذِي كَانَ عَلِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُ الْأَمِيرُ. فَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا بِأَيِّ كُرْسِيٍّ كَانَ لَقَبِلَهُ مِنْهُمْ، فَحَمَلُوا إِلَيْهِ كُرْسِيًّا مِنْ بَعْضِ الدُّورِ، فَقَالُوا: هَذَا هُوَ، فَخَرَجَتْ شِبَامٌ وَشَاكِرٌ وَسَائِرُ رُءُوسِ الْمُخْتَارِ بِهِ، وَقَدْ عَصَّبُوهُ بِالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ.
-
وَحَكَى أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ سَدَنَ هَذَا الْكُرْسِيَّ مُوسَى بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ إِنَّهُ عُتِبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَدَفَعَهُ إِلَى حَوْشَبٍ الْبُرْسُمِيِّ، فَكَانَ صَاحِبَهُ حَتَّى هَلَكَ الْمُخْتَارُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
-
وَيُرْوَى أَنَّ الْمُخْتَارَ كَانَ يُظْهِرُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِمَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُهُ هَذَا الْكُرْسِيَّ.
- ج ١٢ ص ٤٠
وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْكُرْسِيِّ أَعْشَى هَمْدَانَ:
شَهِدْتُ عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ سَبَئِيَّةٌ … وَإِنِّي بِكُمْ يَا شُرْطَةَ الشِّرْكِ عَارِفُ
وَأُقْسِمُ مَا كُرْسِيُّكُمْ بِسَكِينَةٍ … وَإِنْ كَانَ قَدْ لُفَّتْ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ
وَأَنْ لَيْسَ كَالتَّابُوتِ فِينَا وَإِنْ سَعَتْ … شِبَامٌ حَوَالَيْهِ وَنَهْدٌ وَخَارِفُ
وَإِنِّي امْرُؤٌ أَحْبَبْتُ آلَ مُحَمَّدٍ … وَتَابَعْتُ وَحَيًا ضُمِّنَتْهُ الْمَصَاحِفُ
وَتَابَعْتُ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا تَتَابَعَتْ … عَلَيْهِ قُرَيْشٌ شُمْطُهَا وَالْغَطَارِفُ
وَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ:
أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ إِنْ جِئْتَهُ … أَنِّي بِكُرْسِيِّكُمْ كَافِرُ
تَنْزُوا شِبَامٌ حَوْلَ أَعْوَادِهِ … وَتَحْمِلُ الْوَحَيَ لَهُ شَاكِرُ
مُحْمَرَّةً أَعْيُنُهُمْ حَوْلَهُ … كَأَنَّهُنَّ الْحِمَّصُ الْحَادِرُ
قُلْتُ: هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ عَقْلِ الْمُخْتَارِ وَأَتْبَاعِهِ وَضَعْفِهِ وَقِلَّةِ عِلْمِهِ وَكَثْرَةِ جَهْلِهِ وَرَدَاءَةِ فَهْمِهِ وَتَرْوِيجِهِ الْبَاطِلَ عَلَى أَتْبَاعِهِ وَتَشْبِيهِهِ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ لِيُضِلَّ بِهِ الطَّغَامَ وَيَجْمَعَ عَلَيْهِ جُهَّالَ الْعَوَامِّ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ فِي مِصْرَ طَاعُونٌ هَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَفِيهَا ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بِمِصْرَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهَا بِهَا.
ج ١٢ ص ٤١قَالَ صَاحِبُ مِرْآةَ الزَّمَانِ: وَفِيهَا ابْتَدَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِبِنَاءِ الْقُبَّةِ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَعِمَارَةِ الْجَامِعِ الْأَقْصَى، وَكَمَلَتْ عِمَارَتُهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ يَخْطُبُ فِي أَيَّامِ مِنًى وَعَرَفَةَ، وَمُقَامَ النَّاسِ بِمَكَّةَ، وَيَنَالُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيَذْكُرُ مَسَاوِئَ بَنِي مَرْوَانَ، وَيَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْحَكَمَ وَمَا نَسَلَ، وَإِنَّهُ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَعِينُهُ، وَكَانَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ فَصِيحًا، فَمَالَ مُعْظَمُ أَهْلِ الشَّامِ إِلَيْهِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ الْحَجِّ فَضَجُّوا، فَبَنَى لَهُمُ الْقُبَّةَ عَلَى الصَّخْرَةِ وَالْجَامِعَ الْأَقْصَى; لِيَشْغَلَهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الْحَجِّ وَيَسْتَعْطِفَ قُلُوبَهُمْ وَكَانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَيَطُوفُونَ حَوْلَهَا كَمَا يَطُوفُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَيَنْحَرُونَ يَوْمَ الْعِيدِ وَيَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ فَفَتَحَ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ تَشْنِيعِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَيْهِ، فَكَانَ يُشَنِّعُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ وَيَقُولُ ضَاهَى بِهَا فِعْلَ الْأَكَاسِرَةِ فِي إِيوَانِ كِسْرَى، وَالْخَضْرَاءَ كَمَا فَعَلَ مُعَاوِيَةُ، وَنَقْلَ الطَّوَافَ مِنْ بَيْتِ اللَّهِ إِلَى قِبْلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
-
وَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِنَاءَهَا سَارَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ وَالْعُمَّالُ، وَوَكَّلَ بِالْعَمَلِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، وَيَزِيدَ بْنَ سَلَّامٍ مَوْلَاهُ، وَجَمَعَ الصُّنَّاعَ وَالْمُهَنْدِسِينَ فَأَمْرَهُمْ فَصَوَّرُوا لَهُ الْقُبَّةَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ فَأَعْجَبَهُ، وَبَنَى لِلْمَالِ بَيْتًا شَرْقِيَّ الْقُبَّةِ، وَشَحَنَهُ بِالْمَالِ، وَأَمَرَ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، وَيَزِيدَ أَنْ يُفْرِغَا
ج ١٢ ص ٤٢الْأَمْوَالَ إِفْرَاغًا، وَلَا يَتَوَقَّفَا فِيهِ، فَبَثُّوا النَّفَقَاتِ وَأَكْثَرُوا فَبَنَوُا الْقُبَّةَ الَّتِي هِيَ الْيَوْمَ قَائِمَةٌ، وَبَنَوْا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ سَبْعَ قِبَابٍ، وَالْقُبَّةُ الَّتِي بَاقِيَةٌ الْيَوْمَ عَلَى الْمِحْرَابِ هِيَ أَوْسَطُهَا، وَلَمَّا تَمَّ بِنَاءُ الْقُبَّةِ عَمِلَ لَهَا جَلَّالَيْنِ; أَحَدُهُمَا مِنْ لَبُّودٍ أَحْمَرَ لِلشِّتَاءِ، وَالْآخَرُ مِنْ أُدُمٍ لِلصَّيْفِ، وَحَفَّ الصَّخْرَةَ بِدَرَابِزِينَ مِنَ السَّاجِ الْمُطَعَّمِ بِالْيَشْمِ، وَخَلْفَ الدَّرَابِزِينِ سُتُورٌ مِنَ الدِّيبَاجِ مُرْخَاةً بَيْنَ الْعُمُدِ، وَكَانَتِ السَّدَنَةُ كُلَّ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنٍ يَذُوِّبُونَ الْمِسْكَ، وَالْعَنْبَرَ وَالْمَاوَرْدَ وَالزَّعْفَرَانَ وَيَعْمَلُونَ مِنْهُ غَالِيَةً، وَيُخَمِّرُونَهَا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَدْخُلُ الْخَدَمُ الْحَمَّامَ مِنَ اللَّيْلِ
ج ١٢ ص ٤٣فَيَغْتَسِلُونَ وَيَتَطَيَّبُونَ، وَيَلْبَسُونَ ثِيَابَ الْوَشْيِ، وَيَشُدُّونَ أَوْسَاطَهُمْ بِالْمَنَاطِقِ الْمُحَلَّاةِ بِالذَّهَبِ وَيُخْلِّقُونَ الصَّخْرَةَ، ثُمَّ يَضَعُونَ الْبَخُورَ فِي مَجَامِرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَفِيهَا الْعُودُ الْقَمَارِيُّ الْمَغْلِيُّ بِالْمِسْكِ، وَيُرْخِي السَّدَنَةُ السُّتُورَ فَتَخْرُجُ تِلْكَ الرَّائِحَةُ فَتَمْلَأُ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَلَا إِنَّ الصَّخْرَةَ قَدْ فُتِحَتْ، فَمَنْ أَرَادَ الزِّيَارَةَ فَلْيَأْتِ، فَيُقْبِلُ النَّاسُ مُبَادِرِينَ، فَيُصَلُّونَ وَيَخْرُجُونَ، فَمَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الْبَخُورِ قَالَ النَّاسُ: هَذَا كَانَ الْيَوْمَ فِي الصَّخْرَةِ.
-
وَأَبْوَابُ الصَّخْرَةِ أَرْبَعَةٌ، عَلَى كُلِّ بَابٍ عَشَرَةٌ مِنَ الْحَجَبَةِ، الْبَابُ الشَّمَالِيُّ يُسَمَّى بَابَ الْجَنَّةِ، وَالشَّرْقِيُّ بَابَ إِسْرَائِيلَ، وَالْغَرْبِيُّ بَابَ جِبْرِيلَ، وَالْقِبْلِيُّ بَابَ الْأَقْصَى، وَكَانُوا يُشْعِلُونَهَا بِدُهْنِ الْبَانِ، وَلَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ غَيْرَ أَيَّامِ الزِّيَارَةِ سِوَى الْخَدَمِ، وَكَانَ لِلْحَرَمِ عِشْرُونَ بَابًا، وَكَانَ فِيهِ أَلْفَ عَمُودٍ مِنَ الرُّخَامِ، وَفِي السُّقُوفِ سِتُّونَ أَلْفَ خَشَبَةٍ مِنَ السَّاجِ الْمَنْقُوشِ، وَمِنَ الْقَنَادِيلِ خَمْسَةُ آلَافِ قِنْدِيلٍ، وَكَانَ فِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ سِلْسِلَةٍ، كُلُّ سِلْسِلَةٍ أَلْفُ رِطْلٍ شَامِيٍّ، طُولُ السَّلَاسِلِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ ذِرَاعٍ، وَكَانَ يُوقَدُ فِي الصَّخْرَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِائَةُ شَمْعَةٍ، وَكَذَا فِي الْأَقْصَى، وَكَانَ يُوقَدُ فِي الْقَنَادِيلِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ الزَّيْتِ الْمَفْتُولِ قِنْطَارٌ، وَكَانَ فِي الْحَرَمِ خَمْسُونَ قُبَّةً، وَمِنْ أَلْوَاحِ الرَّصَاصِ سَبْعُونَ أَلْفَ لَوْحٍ، وَكَانَ فِي الْحَرَمِ ثَلَاثُمِائَةِ خَادِمٍ ابْتَاعُوا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنَ الْخُمْسِ، كُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ قَامَ وَلَدُهُ بَعْدَهُ مَقَامَهُ، وَيَقْبِضُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَهْرًا بِشَهْرٍ، وَكَانَ فِي الْحَرَمِ مِائَةُ
ج ١٢ ص ٤٤صِهْرِيجٍ، وَكَانَتْ صَفَائِحُ الْقُبَّةِ وَسَقْفُ الْأَقْصَى مِنْ صَفَائِحِ الذَّهَبِ عِوَضَ الرَّصَاصِ، وَكَذَلِكَ أَبْوَابُ الْقُبَّةِ صَفَائِحُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَمَلَ الْبِنَاءُ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقِيلَ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ. وَكَتَبَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَ يَزِيدُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعَرِّفَانِهِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا: قَدْ جَعَلْتُهُ لَكُمَا عِوَضًا عَنْ تَعَبِكُمَا. فَكَتَبَا إِلَيْهِ: إِنَّمَا قُمْنَا بِهَذَا الْبَيْتِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا نَقْبَلُ عَلَى ذَلِكَ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَلَوَدِدْنَا أَنْ نَزِيدَ فِيهِ مِنْ حَلْيِ نِسَائِنَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ إِذَا أَبَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَفْرِغَاهُ عَلَى الْقُبَّةِ وَالْأَبْوَابِ، فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْقُبَّةَ مِمَّا عَلَيْهَا مِنَ الذَّهَبِ. فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ قَدِمَ الْقُدْسَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَوَجْدَ الْأَقْصَى وَقِبَابُهُ تَشْكُو مِنَ الْخَرَابِ، فَأَمَرَ بِقَلْعِ الصَّفَائِحِ الَّتِي عَلَى الْقُبَّةِ وَالْأَبْوَابِ، وَأَنْ يُعَمَّرَ بِهَا مَا تَشَعَّثَ فِي الْحَرَمِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ طَوِيلًا فَأَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ طُولِهِ وَيُزَادَ فِي عَرْضِهِ، وَلَمَّا كَمَلَ الْبِنَاءُ كَتَبُوا عَلَى الْقُبَّةِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ الْقِبْلِيَّ مِنْ جِهَةِ الْأَقْصَى بِالنَّصِّ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ: بَنَى هَذِهِ الْقُبَّةَ عَبْدُ اللَّهِ عَبْدُ الْمَلِكِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ طُولُ الْمَسْجِدِ مِنَ الْقِبْلَةِ إِلَى الشَّمَالِ سَبْعَمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ ذِرَاعًا، وَعَرَضُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتِّينَ ذِرَاعًا، وَكَانَ فَتْحُ الْقُدْسِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.