الأحداث التي وقعت فيها

٤٣ فقرة، ج ١٢ ص ٥٥٧

الصفحة ٢ من ٢

  1. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ: مَا

    ج ١٢ ص ٥٨٣يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَشَدَّ شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ; لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حُسْنِ مَسْجِدِهَا.

    قَالُوا: وَلَمَّا دَخَلَ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْعَبَّاسِيُّ دِمَشْقَ يُرِيدُ زِيَارَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، نَظَرَ إِلَى جَامِعِ دِمَشْقَ فَقَالَ لِكَاتِبِهِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ: سَبَقَنَا بَنُو أُمَيَّةَ بِثَلَاثٍ; بِهَذَا الْمَسْجِدِ، لَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَهُ، وَبِنُبْلِ الْمَوَالِي، وَبِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَا يَكُونُ وَاللَّهِ فِينَا مِثْلُهُ أَبَدًا. ثُمَّ لَمَّا أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَظَرَ إِلَى الصَّخْرَةِ وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هُوَ الَّذِي بَنَاهَا قَالَ لِكَاتِبِهِ: وَهَذِهِ رَابِعَةٌ.

    ج ١٢ ص ٥٨٢
  2. وَلَمَّا دَخَلَ الْمَأْمُونُ دِمَشْقَ فَنَظَرَ إِلَى جَامِعِهَا، وَكَانَ مَعَهُ أَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ، وَقَاضِيهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، قَالَ: مَا أَعْجَبُ مَا فِيهِ؟ فَقَالَ أَخُوهُ: هَذِهِ الْأَذْهَابُ الَّتِي فِيهِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: هَذَا الرُّخَامُ، وَهَذِهِ الْعُقَدُ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: إِنَّمَا أَعْجَبُ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مُتَقَدِّمٍ. ثُمَّ قَالَ الْمَأْمُونُ لِقَاسِمٍ

    ج ١٢ ص ٥٨٤التَّمَّارِ: أَخْبِرْنِي بِاسْمٍ حَسَنٍ أُسَمِّي بِهِ جَارِيَتِي هَذِهِ. فَقَالَ: سَمِّهَا مَسْجِدَ دِمَشْقَ; فَإِنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ.

  3. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: عَجَائِبُ الدُّنْيَا خَمْسَةٌ; أَحَدُهَا مَنَارَتُكُمْ هَذِهِ يَعْنِي مَنَارَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ الَّتِي بِإِسْكَنْدَرِيَّةَ وَالثَّانِيَةُ أَصْحَابُ الرَّقِيمِ; وَهْمُ بِالرُّومِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَالثَّالِثَةُ مِرْآةٌ بِبَابِ الْأَنْدَلُسِ عَلَى بَابِ مَدِينَتِهَا، يَجْلِسُ الرَّجُلُ تَحْتَهَا، فَيَنْظُرُ فِيهَا صَاحِبَهُ مِنْ مَسَافَةِ مِائَةِ فَرْسَخٍ، وَالرَّابِعُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ وَمَا يُوصَفُ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَالْخَامِسُ الرُّخَامُ وَالْفُسَيْفِسَاءُ; فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى لَهُمَا مَوْضِعٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ الرُّخَامَ مَعْجُونٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَذُوبُ عَلَى النَّارِ.

    قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ الْكَاتِبُ وَكَانَ قَدِمَ دِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي رِسَالَةٍ لَهُ قَالَ: ثُمَّ أُمِرْنَا بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْبَلَدِ، فَانْتَقَلْتُ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ تَمَّتْ مَحَاسِنُهُ، وَوَافَقَ ظَاهِرَهُ بَاطِنُهُ، أَزِقَّتُهُ

    ج ١٢ ص ٥٨٥أَرِجَةٌ، وَشَوَارِعُهُ فَرِجَةٌ، فَحَيْثُ مَا شِئْتَ شَمَمْتَ طِيبًا، وَأَيْنَ سَعَيْتَ رَأَيْتَ مَنْظَرًا عَجِيبًا، وَأَفْضَيْتُ إِلَى جَامِعِهِ، فَشَاهَدْتُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ الْوَاصِفِ أَنْ يَصِفَهُ، وَلَا الرَّائِي أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ بِكْرُ الدَّهْرِ، وَنَادِرَةُ الْوَقْتِ، وَأُعْجُوبَةُ الزَّمَانِ، وَغَرِيبَةُ الْأَوْقَاتِ، وَلَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ، عز وجل ، بِهِ ذِكْرًا يُدْرَسُ، وَخَلَّفَ بِهِ أَمْرًا لَا يَخْفَى وَلَا يَدْرُسُ.

    قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ، عَمَّرَهُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ:

    دِمَشْقُ قَدْ شَاعَ حُسْنُ جَامِعِهَا … وَمَا حَوَتْهُ رُبَى مَرَابِعِهَا

    بَدِيعَةُ الْحَسَنِ فِي الْكَمَالِ لِمَا … يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنْ بَدَائِعِهَا

    طَيِّبَةٌ أَرْضُهَا مُبَارَكَةٌ … بِالْيُمْنِ وَالسَّعْدِ أَخْذُ طَالِعِهَا

    جَامِعُهَا جَامِعُ الْمَحَاسِنِ قَدْ … فَاقَتْ بِهِ الْمُدْنَ فِي جَوَامِعِهَا

    بَنِيَّةٌ بِالْإِتْقَانِ قَدْ وُضِعَتْ … لَا ضَيَّعَ اللَّهُ سَعْيَ وَاضِعِهَا

    تُذْكَرُ فِي فَضْلِهِ وَرِفْعَتِهِ … أَخْبَارُ صِدْقٍ رَاقَتْ لِسَامِعِهَا

    قَدْ كَانَ قَبْلَ الْحَرِيقِ مَدْهَشَةً … فَغَيَّرَتْهُ نَارٌ بِلَافِعِهَا

    ج ١٢ ص ٥٨٦فَأَذْهَبَتْ بِالْحَرِيقِ بَهْجَتَهُ … فَلَيْسَ يُرْجَى إِيَابُ رَاجِعِهَا

    إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي الْفُصُوصِ وَمَا … فِيهَا تَيَقَّنْتَ حِذْقَ رَاصِعِهَا

    أَشْجَارُهَا لَا تَزَالُ مُثْمِرَةً … لَا تَذْهَبُ الرِّيحُ مِنْ مَدَافِعِهَا

    كَأَنَّهَا مِنْ زُمُرُّدٍ غُرِسَتْ … فِي أَرْضِ تِبْرٍ تَغْشَى بِفَاقِعِهَا

    فِيهَا ثِمَارٌ تَخَالُهَا يَنَعَتْ … وَلَيْسَ يُخْشَى فَسَادُ يَانِعِهَا

    تُقْطَفُ بِاللَّحْظِ لَا بِجَارِحَةِ الْ … أَيْدِي وَلَا تُجْتَنَى لِبَائِعِهَا

    وَتَحْتَهَا مِنْ رُخَامِهِ قِطَعٌ … لَا قَطَّعَ اللَّهُ كَفَّ قَاطِعِهَا

    أَحْكَمَ تَرْخِيمَهَا الْمُرَخِّمُ قَدْ … بَانَ عَلَيْهَا إِحْكَامُ صَانِعِهَا

    وَإِنْ تَفَكَّرْتَ فِي قَنَاطِرِهِ … وَسَقْفِهِ بَانَ حِذْقُ رَافِعِهَا

    وَإِنْ تَبَيَّنْتَ حُسْنَ قُبَّتِهِ … تَحَيَّرَ اللُّبُّ فِي أَضَالِعِهَا

    تَخْتَرِقُ الرِّيحُ فِي مَخَارِمِهَا … عَصْفًا فَتَقْوَى عَلَى زَعَازِعِهَا

    وَأَرْضُهُ بِالرُّخَامِ قَدْ فُرِشَتْ … يَنْفَسِحُ الطَّرْفُ فِي مَوَاضِعِهَا

    مَجَالِسُ الْعِلْمِ فِيهِ مُتْقَنَةٌ … يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ فِي مَجَامِعِهَا

    ج ١٢ ص ٥٨٧وَكُلُّ بَابٍ عَلَيْهِ مَطْهَرَةٌ … قَدْ أَمِنَ النَّاسُ دَفْعَ مَانِعِهَا

    يَرْتَفِقُ الْخَلْقُ مِنْ مَرَافِقِهَا … وَلَا يَصُدُّونَ عَنْ مَنَافِعِهَا

    وَلَا تَزَالُ الْمِيَاهُ جَارِيَةً … فِيهَا لِمَا شُقَّ مِنْ مَشَارِعِهَا

    وَسُوقُهَا لَا تَزَالُ آهِلَةً … لِيَزْدَحِمَ النَّاسُ فِي شَوَارِعِهَا

    لِمَا يَشَاءُونَ مِنْ فَوَاكِهِهَا … وَمَا يُرِيدُونَ مِنْ بَضَائِعِهَا

    كَأَنَّهَا جَنَّةٌ مُعَجَّلَةٌ … فِي الْأَرْضِ لَوْلَا سُرَى فَجَائِعِهَا

    دَامَتْ بِرَغْمِ الْعِدَى مُسَلَّمَةً … وَحَاطَهَا اللَّهُ مِنْ قَوَارِعِهَا