ذكر من توفي فيها من الأعيان
٨ فقرات، ج ١٣ ص ٢٨٢
- ج ١٣ ص ٢٨٢
مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، آخِرُ خُلَفَاءِ
ج ١٣ ص ٢٨٣بَنِي أُمَيَّةَ، قُتِلَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
-
وَوَزِيرُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ الْكَاتِبُ الْبَلِيغُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ، فَيُقَالُ: فُتِحَتِ الرَّسَائِلُ بِعَبْدِ الْحَمِيدِ، وَخُتِمَتْ بِابْنِ الْعَمِيدِ. وَكَانَ إِمَامًا فِي الْكِتَابَةِ وَجَمِيعِ فُنُونِهَا، وَهُوَ الْقُدْوَةُ فِيهَا، وَلَهُ رَسَائِلُ فِي أَلْفِ وَرَقَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْأَنْبَارِ، ثُمَّ سَكَنَ الشَّامَ، وَتَعَلَّمَ هَذَا الشَّأْنَ مَنْ سَالِمٍ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ وَزِيرُ الْمَهْدِيِّ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ تَخَرَّجَ، وَكَانَ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ مَاهِرًا فِي الْكِتَابَةِ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ أَوَّلًا يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ، ثُمَّ تَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى وَزَرَ لِمَرْوَانَ الْجَعْدِيِّ آخِرِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَأُخِذَ بَعْدَهُ فَقَتَلَهُ السَّفَّاحُ وَمَثَّلَ بِهِ، وَكَانَ اللَّائِقُ بِمِثْلِهِ الْعَفْوَ عَنْهُ.
-
وَمِنْ مُسْتَجَادِ كَلَامِهِ: الْعِلْمُ شَجَرَةٌ، ثَمَرَتُهَا الْأَلْفَاظُ، وَالْفِكْرُ بَحْرٌ لُؤْلُؤُهُ الْحِكْمَةُ.
-
وَمِنْ كَلَامِهِ، وَرَأَى رَجُلًا يَكْتُبُ خَطًّا رَدِيئًا: أَطِلْ جَلْفَةَ قَلَمِكَ وَأَسْمِنْهَا، وَحَرِّفْ قَطَّتَكَ وَأَيْمِنْهَا. قَالَ الرَّجُلُ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَجَادَ خَطِّي.
- ج ١٣ ص ٢٨٤
وَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى بَعْضِ الْأَكَابِرِ يُوصِيهِ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: حَقُّ مُوَصِّلِ كِتَابِي إِلَيْكَ كَحَقِّهِ عَلَيَّ; إِذْ رَآكَ مَوْضِعًا لِأَمَلِهِ، وَرَآنِي أَهْلًا لِحَاجَتِهِ، وَقَدْ قَضَيْتُ حَاجَتَهُ، فَصَدِّقْ أَمَلَهُ.
-
وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ:
إِذَا جَرَحَ الْكُتَّابُ كَانَ دُوِيُّهُمْ … قِسِيًّا وَأَقْلَامُ الدُّوِيِّ لَهَا نَبْلًا
وَأَبُو سَلَمَةَ حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَوَّلُ مَنْ وَزَرَ لِآلِ الْعَبَّاسِ، قَتَلَهُ أَبُو مُسْلِمٍ عَنْ أَمْرِ السَّفَّاحِ بَعْدَ وِلَايَتِهِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ السَّفَّاحِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ لَيْلَةُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَكَانَ مَقْتَلُهُ فِي رَجَبٍ مِنْهَا.
-
وَكَانَ دَاهِيَةً فَاضِلًا حَسَنَ الْمُفَاكَهَةِ، وَكَانَ السَّفَّاحُ يَأْنَسُ إِلَيْهِ وَيُحِبُّ مُسَامَرَتَهُ لِطِيبِ مُحَاضَرَتِهِ، وَلَكِنْ تَوَهَّمَ مَيْلَهُ لِآلِ عَلِيٍّ فَدَسَّ عَلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً، كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَنْشَدَ السَّفَّاحُ عِنْدَ ذَلِكَ:
إِلَى النَّارِ فَلْيَذْهَبْ وَمَنْ كَانَ مِثْلُهُ … عَلَى أَيِّ شَيْءٍ فَاتَنَا مِنْهُ نَأْسَفُ
، كَانَ يُقَالُ لَهُ: وَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ. وَيُعْرَفُ بِالْخَلَّالِ; لِسُكْنَاهُ فِي دَرْبِ
ج ١٣ ص ٢٨٥الْخَلَّالِينَ بِالْكُوفَةِ وَجُلُوسِهِ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِالْوَزِيرِ.
-
وَقَدْ حَكَى ابْنُ خَلِّكَانَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ اشْتِقَاقَ الْوَزِيرِ مِنَ الْوِزْرِ، وَهُوَ الْحِمْلُ، فَكَأَنَّ السُّلْطَانَ حَمَّلَهُ أَثْقَالًا لِاسْتِنَادِهِ إِلَى رَأْيِهِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَزَرِ وَهُوَ الْجَبَلُ، فَكَأَنَّ السُّلْطَانَ لَجَأَ إِلَى رَأْيِهِ كَمَا يَلْجَأُ الْخَائِفُ إِلَى جَبَلٍ يَعْتَصِمُ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.