النوع الثالث والأربعون: في بيان حقيقته ومجازه

٤٧ فقرة، ج ٢ ص ٢٥٤

الصفحة ٢ من ٢

  1. وقوله: {وحسن أولئك رفيقا}

    ج ٢ ص ٢٨٨
  2. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ جَمْعًا وَأَنَّهُ لَا يَجِيءُ ذَلِكَ فِي الْمُثَنَّى وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} فَإِنَّهُ نَقَلَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْمُبَرِّدِ وَابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّ {قَعِيدٌ} أُسْنِدَ لَهُمَا

    وَقَدْ يَقَعُ الْإِخْبَارُ بِلَفْظِ الْفَرْدِ عَنْ لَفْظِ الْجَمْعِ وَإِنْ أُرِيدَ مَعْنَاهُ لِنُكْتَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ يقولون نحن جميع منتصر} فَإِنَّ سَبَبَ النُّزُولِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ: نَحْنُ نَنْتَصِرُ الْيَوْمَ يَقْضِي بِإِعْرَابِ مُنْتَصِرٌ خَبَرًا

    ج ٢ ص ٢٨٩وَمِنْهُ: إِطْلَاقُ الْخَبَرِ وَإِرَادَةُ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {والوالدات يرضعن أولادهن} أَيْ: لَيُرْضِعِ الْوَالِدَاتُ أَوْلَادَهُنَّ

    وَقَوْلِهِ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} أَيْ: تَتَرَبَّصُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا

    وَقَوْلِهِ: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سنين دأبا} وَالْمَعْنَى: ازْرَعُوا سَبْعَ سِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {فَذَرُوهُ في سنبله}

  3. وقوله: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون} مَعْنَاهُ: آمِنُوا وَجَاهِدُوا وَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِالْجَزْمِ فِي قوله: {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات} وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلِاسْتِفْهَامِ فِي قوله: {هل أدلكم} لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ وَإِدْخَالَ الْجِنَانِ لَا يَتَرَتَّبَانِ عَلَى مُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَالشَّيْخُ عِزُّ الدين

    والتحقيق ما قاله النبلي: أَنَّهُ جَعَلَ الدَّلَالَةَ عَلَى التِّجَارَةِ سَبَبًا لِوُجُودِهَا وَالتِّجَارَةُ هِيَ الْإِيمَانُ وَلِذَلِكَ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: {تُؤْمِنُونَ} فَعُلِمَ أَنَّ التِّجَارَةَ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ هِيَ الْإِيمَانُ فَالدَّلَالَةُ سَبَبُ الْإِيمَانِ وَالْإِيمَانُ سَبَبُ الْغُفْرَانِ وَسَبَبُ السَّبَبِ سَبَبٌ وَهَذَا النَّوْعُ فِيهِ تَأْكِيدٌ وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ شَبَّهَ الطَّلَبَ فِي تأكده بخبر الصادق الذي لابد

    ج ٢ ص ٢٩٠مِنْ وُقُوعِهِ وَإِذَا شَبَّهَهُ بِالْخَبَرِ الْمَاضِي كَانَ آكَدَ

    وَمِنْهُ: عَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مدا} وَالتَّقْدِيرُ: مَدَّهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا

    وَقَوْلِهِ: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ولنحمل خطاياكم} أَيْ: نَحْمِلُ

    قَالَ الْكَوَاشِيُّ: وَالْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَبْلُغُ مِنَ الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِهِ اللُّزُومَ نَحْوُ إِنْ زُرْتِنَا فَلْنُكْرِمْكَ يُرِيدُونَ تَأْكِيدَ إِيجَابِ الْإِكْرَامِ عَلَيْهِمْ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ مَقْصُودُهُ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ يُشْبِهُ الْخَبَرَ فِي إِيجَابِهِ

    وَجَعَلَ الْفَارِسِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كن فيكون} قَالَ: {كُنْ} لَفْظُهُ أَمْرٌ وَالْمُرَادُ الْخَبَرُ وَالتَّقْدِيرُ: يَكُونُ فَيَكُونُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَهُوَ يَكُونُ قَالَ: وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى رَفْعِ {فَيَكُونُ} وَرَفَضُوا فِيهِ النَّصْبَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَسَوَّغَ النَّصْبُ لِكَوْنِهِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى {نَقُولَ} فَيَجِيءُ النَّصْبِ على الفعل المنصوب لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَطَّرِدُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ هُنَا الْعَطْفُ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ {قال} ماض

    ج ٢ ص ٢٩١و {يكون} مُضَارِعًا فَلَا يُحْسِنُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِهِمَا

    قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْفَارِسِيُّ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ

    وَمِنْهُ: إِطْلَاقُ الْخَبَرِ وَإِرَادَةُ النَّهْيِ كقوله: {لا تعبدون إلا الله} وَمَعْنَاهُ: لَا تَعْبُدُوا

    وَقَوْلِهِ: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ولا تخرجون أنفسكم} أَيْ: لَا تَسْفِكُوا وَلَا تَخْرِجُوا

    وَقَوْلِهِ: {وَمَا تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} أَيْ: وَلَا تُنْفِقُوا

    الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: إِطْلَاقُ الْأَمْرِ وَإِرَادَةُ التَّهْدِيدِ وَالتَّلْوِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي السِّتَّةَ عَشَرَ وَمَا زِيدَ عَلَيْهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَا فِي أَقْسَامِهِ

    الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَا لَيْسَ بِفَاعِلٍ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ

    إِمَّا عَلَى التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} فَإِنَّهُ شَبَّهَ مَيْلَهُ لِلْوُقُوعِ بِشَبَهِ الْمُرِيدِ لَهُ

    وَإِمَّا لِأَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَقَوْلِهِ تعالى: {الم. غلبت الروم} فَالْغَلَبَةُ وَاقِعَةٌ بِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ قَالَ: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون} فَأَضَافَ الْغَلَبَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَلَبَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِمْ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهِمْ لوقوعه بهم

    ج ٢ ص ٢٩٢ومثله: {وآتى المال على حبه} {ويطعمون الطعام على حبه} فَالْحُبُّ فِي الظَّاهِرِ مُضَافٌ إِلَى الطَّعَامِ وَالْمَالِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِصَاحِبِهِمَا

    وَمِثْلُهُ: {وَلِمَنْ خَافَ مقام ربه جنتان} {ذلك لمن خاف مقامي} أَيْ: مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ

    وَإِمَّا لِوُقُوعِهِ فِيهِ كقوله تعالى: {يوما يجعل الولدان شيبا}

  4. وَإِمَّا لِأَنَّهُ سَبَبُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} {ينزع عنهما لباسهما} {وأحلوا قومهم دار البوار} كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَمْثِلَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ

    وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ النَّزْعَ وَالْإِحْلَالَ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ فِعْلِ مَا أَوْجَبَهُمَا فَالْمَجَازُ إِفْرَادِيٌّ لَا إِسْنَادِيٌّ

    وقوله تعالى: {وما يجعل الولدان شيبا} أي: يجعل هو له فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ

    الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ إِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَالْمُرَادُ مُقَارَبَتُهُ وَمُشَارَفَتُهُ لَا حَقِيقَتُهُ

    كَقَوْلِهِ تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن} أَيْ: قَارَبْنَ بُلُوغَ الْأَجَلِ أَيِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ لَا يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَكُونُ بُلُوغُ الْأَجَلِ تَمَامُهُ

    ج ٢ ص ٢٩٣كقوله تعالى: {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} أي: أتمن الْعِدَّةَ وَأَرَدْنَ مُرَاجَعَةَ الْأَزْوَاجِ وَلَوْ كَانَتْ مُقَارَبَتُهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ حُكْمٌ فِي إِزَالَةِ الرَّجْعَةِ لِأَنَّهَا بِيَدِ الزَّوْجِ وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ غَيْرُ رَجْعِيٍّ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَيْضًا عَلَيْهَا حُكْمٌ قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ وَلَا تُسَمَّى عَاضِلًا حَتَّى يَمْنَعَهَا تَمَامُ الْعِدَّةِ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ

    وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون} الْمَعْنَى: قَارَبَ وَبِهِ يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِيهَا إِنَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْأَجَلِ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ

    وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حضر أحدكم الموت} أَيْ: قَارَبَ حُضُورُ الْمَوْتِ

    وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة} أَيْ: حَتَّى يُشَارِفُوا الرُّؤْيَةَ وَيُقَارِبُوهَا

    وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُحْمَلَ الرُّؤْيَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ: يَرَوْنَهُ فَلَا يَظُنُّونَهُ عَذَابًا {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} وَلَا يَظُنُّونَهُ وَاقِعًا بِهِمْ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ أَخْذُهُ لَهُمْ بَغْتَةً بَعْدَ رُؤْيَتِهِ

    وَمِنْ دَقِيقِ هَذَا النوع قوله تعالى: {ونادى نوح ربه} الْمُرَادُ: قَارَبَ النِّدَاءَ لَا أَوْقَعَ النِّدَاءِ لِدُخُولِ الْفَاءِ فِي فَقَالَ فَإِنَّهُ لَوْ وَقَعَ النِّدَاءُ لَسَقَطَتْ وَكَانَ مَا ذُكِرَ

    ج ٢ ص ٢٩٤تَفْسِيرًا لِلنِّدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا ربه قال} وَقَوْلِهِ: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رب} لما فسر النداء سقطت الفاء

    وذكر النجاة أَنَّ هَذِهِ الْفَاءَ تَفْسِيرِيَّةٌ لِأَنَّهَا عَطَفَتْ مُفَسَّرًا على مجمل كقوله: توضأ فغسل وجهه وفائدته ذَلِكَ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ ذَلِكَ فَرُدَّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَقَعْ لَا عَنْ قَصْدٍ

    وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} أَيْ: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ إِنْ شَارَفُوا أَنْ يَتْرُكُوا وَإِنَّمَا أُوِّلَ التَّرْكُ بِمُشَارَفَةِ التَّرْكِ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَوْصِيَاءِ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِمْ قَبْلَ التَّرْكِ لِأَنَّهُمْ بعد أَمْوَاتٌ

    وَقَرِيبٌ مِنْهُ إِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَإِرَادَةُ إِرَادَتِهِ كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ} أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ

    وَقَوْلِهِ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا} أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمْ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ سَبَبُ الْقِيَامِ

    {إذا قضى أمرا} أي: أراد

    {وإن حكمت فاحكم بينهم} أَيْ: أَرَدْتَ الْحُكْمَ

    وَمِثْلُهُ: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس}

  5. {إذا ناجيتم الرسول} أي أردتم مناجاته

    ج ٢ ص ٢٩٥{إذا طلقتم النساء}

  6. وقوله: {من يهد الله فهو المهتدي} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَلَقَدْ أَحْسَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِئَلَّا يَتَّحِدَ الشرط والجزاء

    وقوله: {وإذا قلتم فاعدلوا} أي: أردتم القول

    {والذين إذا أنفقوا} أي: أَرَادُوا الْإِنْفَاقَ

    وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} لِأَنَّ الْإِهْلَاكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ -أَعْنِي الْبَيَاتَ وَالْقَيْلُولَةَ- لِأَنَّهَا وَقْتُ الْغَفْلَةِ وَالدَّعَةِ فَيَكُونُ نُزُولُ الْعَذَابِ فِيهِمَا أَشَدُّ وَأَفْظَعُ

    وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا آمَنَتْ قبلهم من قرية أهلكناها} أي: أردنا إهلاكها

    {فانتقمنا منهم فأغرقناهم} أَيْ: فَأَرَدْنَا الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ وَحِكْمَتُهُ أَنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَمْرًا نُقَدِّرُ فِيهِ إِرَادَتَنَا وَإِنْ كَانَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ

    وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا} أَيْ: أَرَدْتَ جِدَالَنَا وَشَرَعْتَ فِيهِ وَكَانَ الْمُوجِبُ لِهَذَا التَّقْدِيرِ خَوْفَ التَّكْرَارِ لِأَنَّ جَادَلْتَ فَاعَلْتَ وَهُوَ يُعْطِي التَّكْرَارَ أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ تُرِدِ مِنَّا غَيْرَ الْجِدَالِ لَهُ لَا النَّصِيحَةَ

    قُلْتُ: وَإِنَّمَا عَبَّرُوا عَنْ إِرَادَةِ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُوجَدُ بِقُدْرَةِ الْفَاعِلِ وَإِرَادَتِهِ وَقَصْدِهِ إِلَيْهِ كَمَا عُبِّرَ بِالْفِعْلِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِمْ الْإِنْسَانُ لَا يَطِيرُ وَالْأَعْمَى

    ج ٢ ص ٢٩٦لا يبصر أي لا يَقْدِرُ عَلَى الطَّيَرَانِ وَالْإِبْصَارِ وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْحَمْلِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَالْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ يُوجِبُ أَنَّ مَنْ جَلَسَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ وُضُوءٌ آخَرَ فَلَا يَزَالُ مَشْغُولًا بِالْوُضُوءِ وَلَا يَتَفَرَّغُ لِلصَّلَاةِ وَفَسَادُهُ بَيِّنٌ

    الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: إِطْلَاقُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لِلتَّلَبُّسِ بِهِ والمراد دوامه

    كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} هَكَذَا أَجَابَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَصْلُ السُّؤَالِ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي وَلَا بِالْحَالِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَعْدُومِ حَالَةَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ بَلْ تَحْصِيلًا لِلْمَعْدُومِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ حَالَةَ الْخِطَابِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ أَمْ لَا لِأَنَّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْخِطَابِ مِثْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا نَفْسُ الْمَأْمُورِ بِهِ والحاصل أن الكل مأمور بالإنشاء فالمؤمن ينشئ مَا سَبَقَ لَهُ أَمْثَالُهُ وَالْكَافِرُ يُنْشِئُ مَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ أَمْثَالُهُ

    السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: إِطْلَاقُ اسْمُ الْبُشْرَى عَلَى الْمُبَشَّرِ بِهِ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بشراكم اليوم جنات} قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: بُشْرَاكُمْ دُخُولُ جَنَّاتٍ أَوْ خُلُودُ جَنَّاتٍ لِأَنَّ الْبُشْرَى مَصْدَرٌ وَالْجَنَّاتُ ذَاتٌ فَلَا يُخْبَرُ بِالذَّاتِ عَنِ الْمَعْنَى

    ج ٢ ص ٢٩٧وَنَحْوُهُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْمَقُولِ عَلَى الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يقولون}

  7. وَمِنْهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} أَيْ: عَنْ مَدْلُولِ قَوْلِهِمْ

    وَمِنْهُ: {فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مما قالوا} أَيْ: مِنْ مَقُولِهِمْ وَهُوَ الْأُدْرَةُ

    وَإِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الْمُسَمَّى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا} أي: مسميات {سبح اسم ربك الْأَعْلَى} أَيْ رَبَّكَ

    وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْكَلِمَةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} أَيْ: لِمُقْتَضَى عَذَابِ اللَّهِ وَ {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مريم} تَجَوَّزَ بِالْكَلِمَةِ عَنِ الْمَسِيحِ لِكَوْنِهِ تَكَوَّنَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَبٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَجِيهًا فِي الدنيا والآخرة ومن المقربين} وَلَا تَتَّصِفُ الْكَلِمَةُ بِذَلِكَ

    وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {اسمه المسيح عيسى} فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى مَدْلُولِ الْكَلِمَةِ وَالْمُرَادُ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى فَالْمَعْنَى الْمُسَمَّى الْمُبَشَّرُ بِهِ المسيح بن مريم

    ج ٢ ص ٢٩٨وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْيَمِينِ عَلَى الْمَحْلُوفِ بِهِ كَقَوْلِهِ تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} أَيْ: لَا تَجْعَلُوا يَمِينَ اللَّهِ أَوْ قَسَمُ اللَّهِ مَانِعًا لِمَا تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بَيْنَ النَّاسِ

    إِطْلَاقُ الْهَوَى عَنِ الْمَهْوِيِّ ومنه: {ونهى النفس عن الهوى} أَيْ: عَمَّا تَهْوَاهُ مِنَ الْمَعَاصِي وَلَا يَصِحُّ نَهْيُهَا عَنْ هَوَاهَا وَهُوَ مَيْلُهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِمَا لَا يُطَاقُ إِلَّا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ نَهْيِ النَّفْسِ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى

    التَّجَوُّزُ عَنِ الْمَجَازِ بِالْمَجَازِ

    وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ الْمَجَازَ الْمَأْخُوذَ عَنِ الْحَقِيقَةِ بِمَثَابَةِ الْحَقِيقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجَازٍ آخَرَ فَتَتَجَوَّزُ بِالْمَجَازِ الْأَوَّلِ عَنِ الثَّانِي لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا

    مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لَا تواعدوهن سرا} فَإِنَّهُ مَجَازٌ عَنْ مَجَازٍ فَإِنَّ الْوَطْءَ تُجُوِّزَ عَنْهُ بِالسِّرِّ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا فِي السِّرِّ وَتُجُوِّزَ بِالسِّرِّ عَنِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ فَالصَّحِيحُ لِلْمَجَازِ الْأَوَّلِ الْمُلَازَمَةُ وَالثَّانِي السَّبَبِيَّةُ وَالْمَعْنَى: لَا تُوَاعِدُوهُنَّ عَقْدَ نِكَاحٍ

    وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عمله} إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ كَانَ مِنْ مَجَازِ الْمَجَازِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَجَازٌ عَنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِمَدْلُولِ هَذَا اللَّفْظِ وَالتَّعْبِيرُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَنِ الْوَحْدَانِيَّةِ مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْمَقُولِ عَنِ الْمَقُولِ فِيهِ

    ج ٢ ص ٢٩٩وَالْأَوَّلُ مِنْ مَجَازِ السَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللِّسَانِ مُسَبَّبٌ عَنْ تَوْحِيدِ الْجَنَانِ

    قُلْتُ: وَهَذَا يُسَمِّيهِ ابْنُ السَّيِّدِ مَجَازَ الْمَرَاتِبِ وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} فَإِنَّ الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ اللِّبَاسِ بَلِ الْمَاءُ الْمُنْبِتُ لِلزَّرْعِ الْمُتَّخَذُ مِنْهُ الْغَزَلُ الْمَنْسُوجُ مِنْهُ اللِّبَاسُ