النوع الثالث: معرفة الفواصل ورؤوس الآي
٩٢ فقرة، ج ١ ص ٥٣
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ٩٥
وَسَمَّاهُ ابْنُ وَكِيعٍ الْمَطْمَعَ لِأَنَّ صَدْرَهُ مَطْمَعٌ فِي عَجْزِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}
-
وَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وآل عمران على العالمين} فَإِنَّ مَعْنَى اصْطِفَاءِ الْمَذْكُورِينَ يُعْلَمُ مِنْهُ الْفَاصِلَةُ إِذِ الْمَذْكُورُونَ نَوْعٌ مِنْ جِنْسِ الْعَالَمِينَ
وَقَوْلِهِ: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هم مظلمون} فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ حَافِظًا لِهَذِهِ السُّورَةِ مُتَيَقِّظًا إِلَى أَنَّ مَقَاطِعَ فَوَاصِلِهَا النُّونُ الْمُرْدَفَةُ وَسَمِعَ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} عَلِمَ أَنَّ الْفَاصِلَةَ مُظْلِمُونَ فَإِنَّ مَنِ انْسَلَخَ النَّهَارُ عَنْ لَيْلِهِ أَظْلَمَ مَا دَامَتْ تِلْكَ الْحَالُ
ج ١ ص ٩٦وَقَوْلِهِ {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يعمل مثقال ذرة شرا يره} فَإِنَّ قَوْلَهُ: {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} يَدُلُّ عَلَى التَّقْسِيمِ
وقوله: {أسروا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير}
-
وَقَوْلِهِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إن الله على كل شيء قدير}
-
الرَّابِعُ: الْإِيغَالُ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ تجاوز الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ آخِذٌ فِيهِ وَبَلَغَ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْحَدِّ يُقَالُ أَوْغَلَ فِي الْأَرْضِ الْفُلَانِيَّةِ إِذَا بَلَغَ مُنْتَهَاهَا فَهَكَذَا الْمُتَكَلِّمُ إِذَا تَمَّ مَعْنَاهُ ثُمَّ تَعَدَّاهُ بِزِيَادَةٍ فِيهِ فَقَدْ أَوْغَلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فَإِنَّ الْكَلَامَ تَمَّ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى فَاصِلَةٍ تُنَاسِبُ الْقَرِينَةَ الْأَوْلَى فَلَمَّا أَتَى بِهَا أَفَادَ مَعْنًى زَائِدًا
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إذا ولوا مدبرين} فَإِنَّ الْمَعْنَى قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعْلَمَ تَمَامُ الْكَلَامِ بِالْفَاصِلَةِ فَقَالَ: {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}
- ج ١ ص ٩٧
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى: {مُدْبِرِينَ} وَقَدْ أَغْنَى عَنْهَا: {وَلَّوْا} قُلْتُ لَا يُغْنِي عَنْهَا: {وَلَّوْا} فَإِنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ بِجَانِبٍ دُونِ جَانِبٍ بدليل قوله: {أعرض ونأى بجانبه} وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الْجَانِبِ هُنَا مَجَازًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ صُمٌّ لَا يَسْمَعُونَ أَرَادَ تَتْمِيمَ الْمَعْنَى بِذِكْرِ تَوَلِّيهِمْ فِي حَالِ الْخِطَابِ لِيَنْفِيَ عَنْهُمُ الْفَهْمَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنَ الْإِشَارَةِ فَإِنَّ الْأَصَمَّ يَفْهَمُ بِالْإِشَارَةِ مَا يَفْهَمُ السَّمِيعُ بِالْعِبَارَةِ ثُمَّ إِنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ بِجَانِبٍ مَعَ لَحَاظِهِ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَحْصُلُ لَهُ إِدْرَاكُ بَعْضِ الْإِشَارَةِ فَجَعَلَ الْفَاصِلَةَ: {مُدْبِرِينَ} لِيُعْلَمَ أَنَّ التَّوَلِّيَ كَانَ بِجَمِيعِ الْجَوَانِبِ بِحَيْثُ صَارَ مَا كَانَ مُسْتَقْبَلًا مُسْتَدْبَرًا فَاحْتَجَبَ الْمُخَاطِبُ عَنِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ صَارَ مِنْ وَرَائِهِ فَخَفِيَتْ عَنْ عَيْنِهِ الْإِشَارَةُ كَمَا صُمَّ أُذُنَاهُ عَنِ الْعِبَارَةِ فَحَصَلَتِ الْمُبَالَغَةُ مِنْ عَدَمِ الْإِسْمَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ بُولِغَ فِيهِ بِنَفْيِ الْإِسْمَاعِ أَلْبَتَّةَ فَهُوَ مِنْ إِيغَالِ الِاحْتِيَاطِ الَّذِي أُدْمِجَتْ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفْيِ الْإِسْمَاعِ
وَقَدْ يَأْتِي الِاحْتِيَاطُ فِي غَيْرِ الْمَقَاطِعِ مِنْ مَجْمُوعِ جُمَلٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي ضُرُوبٍ مِنَ الْكَلَامِ شَتَّى يَحْمِلُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} الْآيَةَ
وقوله: {فأتوا بسورة من مثله}
-
وقوله فأتوا بعشر سور مثله كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَنْ يَجْحَدُ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ دِرْهَمًا وَلَا دَانَقًا وَلَا حَبَّةً وَلَا كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا وَلَوْ قَالَ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا لَأَغْنَى فِي الظَّاهِرِ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ أَدَلُّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَعَلَى شِدَّةِ الِاسْتِبْعَادِ فِي الْإِنْكَارِ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون} فَإِنَّ الْمَعْنَى تَمَّ
ج ١ ص ٩٨بِقَوْلِهِ: {أَجْرًا} ثُمَّ زَادَ الْفَاصِلَةَ لِمُنَاسَبَةِ رُءُوسِ الآي فأوغل بها كما ترى حتى أتى بها تفيد معنى زائدا عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ
فَصْلٌ: فِي ضَابِطِ الْفَوَاصِلِ
ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ وَلِمَعْرِفَتِهَا طَرِيقَانِ تَوْقِيفِيٌّ وَقِيَاسِيٌّ
الْأَوَّلُ: التَّوْقِيفِيُّ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ لَمَّا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً وَقَرَأْتُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إلى {الذين} تَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ فَمَعْنَى يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً أَيْ يَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ قِرَاءَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ لِيُعَلِّمَ رُءُوسَ الْآيِ
قَالَ وَوَهَمَ فِيهِ مَنْ سَمَّاهُ وَقْفَ السُّنَّةِ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَهُوَ مَشْرُوعٌ لَنَا وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَا فَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِ دَائِمًا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ فَاصِلَةٌ وَمَا وَصَلَهُ دَائِمًا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَاصِلَةٍ وَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَوَصَلَهُ أُخْرَى احْتَمَلَ الْوَقْفُ أَنْ يَكُونَ لِتَعْرِيفِهِمَا أَوْ لِتَعْرِيفِ الْوَقْفِ التَّامِّ أَوْ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَالْوَصْلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَاصِلَةٍ أَوْ فَاصِلَةً وَصَلَهَا لِتَقَدُّمِ تَعْرِيفِهَا
الثَّانِي: الْقِيَاسِيُّ وَهُوَ مَا أُلْحِقَ مِنَ الْمُحْتَمَلِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ لِمُنَاسِبٍ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ مَحَلُّ فَصْلٍ أَوْ وَصْلٍ وَالْوَقْفُ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ جَائِزٌ وَوَصْلُ الْقُرْآنِ كُلُّهُ جَائِزٌ فَاحْتَاجَ الْقِيَاسِيُّ إِلَى طَرِيقٍ تَعْرِفُهُ فَأَقُولُ فَاصِلَةُ الْآيَةِ كَقَرِينَةِ السَّجْعَةِ فِي النَّثْرِ وَقَافِيَةُ الْبَيْتِ فِي النَّظْمِ وَمَا يُذْكَرُ مِنْ عُيُوبِ الْقَافِيَةِ من
ج ١ ص ٩٩اخْتِلَافِ الْحَذْوِ وَالْإِشْبَاعِ وَالتَّوْجِيهِ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الفاصلة وجاز الانتقال فِي الْفَاصِلَةِ وَالْقَرِينَةِ وَقَافِيَةِ الْأُرْجُوزَةِ مِنْ نَوْعٍ إِلَى آخَرَ بِخِلَافِ قَافِيَةِ الْقَصِيدِ.
-
وَمِنْ ثَمَّ ترى: {يرجعون} مع: {عليم} و: {الميعاد} مع: {الثواب} و: {الطارق} مع: {الثاقب}
-
والأصل في الفاصلة والقرينة المتجردة فِي الْآيَةِ وَالسَّجْعَةِ الْمُسَاوَاةُ وَمِنْ ثَمَّ أَجْمَعَ العادون على ترك عد: {ويأت بآخرين} و: {ولا الملائكة المقربون} بالنساء و {كذب بها الأولون} بسبحان و {لتبشر به المتقين} بمريم و {لعلهم يتقون}
- ج ١ ص ١٠٠
بطه و: {من الظلمات إلى النور} وَ: {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بالطلاق لَمْ يُشَاكِلْ طَرَفَيْهِ.
-
وَعَلَى تَرْكِ عَدِّ: {أَفَغَيْرَ دين الله يبغون} بآل عمران و {أفحكم الجاهلية يبغون} بالمائدة وَعَدُّوا نَظَائِرَهَا لِلْمُنَاسَبَةِ نَحْوَ {لِأُولِي الْأَلْبَابِ} بِآلِ عمران و: {على الله كذبا} بالكهف و: {والسلوى} بطه.
-
وَقَدْ يَتَوَجَّهُ الْأَمْرَانِ فِي كَلِمَةٍ فَيُخْتَلَفُ فِيهَا فَمِنْهَا الْبَسْمَلَةُ وَقَدْ نَزَلَتْ بَعْضُ آيَةٍ فِي النمل وبعضها في أثناء الفاتحة فِي بَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ
فَمَنْ قَرَأَ بِحَرْفٍ نَزَلَتْ فِيهِ عَدَّهَا آيَةً وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِهَا بِالْقِيَاسِ لِلنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ خِلَافًا لِلدَّانِيِّ وَمَنْ قَرَأَ بِحَرْفٍ لَمْ تَنْزِلْ مَعَهُ لَمْ يَعُدَّهَا وَلَزِمَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ أن يعد عوضها وهو بعد اهْدِنَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: "قَسَّمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نصفين"
- ج ١ ص ١٠١
أَيْ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ تُعَدُّ مِنْهَا وَلَا لِلْعَبْدِ إِلَّا هَاتَانِ وَ {الْمُسْتَقِيمَ} مُحَقَّقٌ فَقُسِّمَتَا بَعْدَهَا قِسْمَيْنِ فَكَانَتْ {عَلَيْهِمْ} الْأُولَى وَهِيَ مُمَاثِلَةٌ فِي الرَّوِيِّ لِمَا قَبْلَهَا
وَمِنْهَا حُرُوفُ الْفَوَاتِحِ فَوَجْهُ عَدِّهَا اسْتِقْلَالُهَا عَلَى الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَمُنَاسَبَةِ الرَّوِيِّ وَالرِّدْفِ وَوَجْهُ عَدَمِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالتَّعَلُّقُ على الجزء
ومنها بالبقرة {عذاب أليم} و {إنما نحن مصلحون} فَوَجْهُ عَدِّهِ مُنَاسَبَةَ الرَّوِيِّ وَوَجْهُ عَدَمِهِ تَعَلُّقُهُ بِتَالِيهِ
وَمِنْهَا: {إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} بِآلِ عِمْرَانَ حملا على ما في الأعراف والشعراء والسجدة والزخرف
ومنها {فبشر عباد} بالزمر لتقدير تاليه مفعولا ومبتدأ ومنها {وَالطُّورِ} وَ {الرَّحْمَنُ} وَ {الْحَاقَّةُ} وَ {الْقَارِعَةُ} و {والعصر} حملا على {والفجر} و {وَالضُّحَى} لِلْمُنَاسَبَةِ لَكِنْ تَفَاوَتَتْ فِي الْكَمِّيَّةِ