تابع النوع السادس والأربعون

٢٬٩٢٢ فقرة، ج ٣ ص ٣

الصفحة ٣٨ من ٧٤

  1. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدنيا} بتقديم الحال أعني {من قومه} على الوصف أعني {الذين كفروا} وَلَوْ تَأَخَّرَ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الدُّنْيَا لِأَنَّهَا هَاهُنَا اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الدُّنُوِّ وَلَيْسَتِ اسْمًا وَالدُّنُوُّ يَتَعَدَّى بِـ "مِنْ" وَحِينَئِذٍ يَشْتَبِهُ الْأَمْرُ فِي الْقَائِلِينَ أَنَّهُمْ أَهُمْ مِنْ قَوْمِهِ أَمْ لَا فَقَدَّمَ لِاشْتِمَالِ التَّأْخِيرِ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَيَانِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ كَوْنُ الْقَائِلِينَ مِنْ قَوْمِهِ وَحِينَ أُمِنَ هَذَا الْإِخْلَالُ بِالتَّأْخِيرِ قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذا إلا بشر مثلكم} بِتَأْخِيرِ الْمَجْرُورِ عَنْ صِفَةِ الْمَرْفُوعِ.

    ج ٣ ص ٢٣٤
  2. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي التَّأْخِيرِ إِخْلَالٌ بِالتَّنَاسُبِ فَيُقَدَّمَ لِمُشَاكَلَةِ الْكَلَامِ وَلِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ كَقَوْلِهِ: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} ، بِتَقْدِيمِ "إِيَّاهُ" عَلَى "تَعْبُدُونَ" لِمُشَاكَلَةِ رُءُوسِ الْآيِ وكقوله: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} فإنه لو أخر {في نفسه} عن {موسى} فَاتَ تَنَاسُبُ الْفَوَاصِلِ لِأَنَّ قَبْلَهُ: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ من سحرهم أنها تسعى} وبعده،: {إنك أنت الأعلى} .

  3. وكقوله: {وتغشى وجوههم النار} فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْفَاعِلِ عَنِ الْمَفْعُولِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِمَا بعده.

  4. وكقوله: {إن الله سريع الحساب} ، وَهُوَ أَشْكَلُ بِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّ قَبْلَهُ: {مُقَرَّنِينَ في الأصفاد} .

  5. وَجَعَلَ مِنْهُ السَّكَّاكِيُّ: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} بتقديم "هارون" مع أن "موسى" أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ.

    ج ٣ ص ٢٣٥
  6. الرَّابِعُ: لِعِظَمِهِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ إِذَا أَخْبَرَتْ عَنْ مُخْبَرٍ مَا - وَأَنَاطَتْ بِهِ حُكْمًا - وَقَدْ يُشْرِكُهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ فِيمَا أُخْبِرَ بِهِ عَنْهُ وَقَدْ عَطَفَتْ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِيَةِ عَدَمَ التَّرْتِيبِ - فَإِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَبْدَءُونَ بِالْأَهَمِّ وَالْأَوْلَى. قَالَ سِيبَوَيْهِ: كَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الَّذِي شَأْنُهُ أَهَمُّ لَهُمْ وَهُمْ بِبَيَانِهِ أَعْنَى وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يُهِمَّانِهِمْ وَيَعْنِيَانِهِمْ. انْتَهَى.

    قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ.

    وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَطِيعُوا الله وأطيعوا الرسول} .

    وقال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، فَقَدَّمَ الْعِبَادَةَ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا.

  7. وَمِنْهُ تَقْدِيرُ الْمَحْذُوفِ فِي بِسْمِ اللَّهِ مُؤَخَّرًا.

  8. وَأَوْرَدُوا: {اقْرَأْ بِاسْمِ ربك} ، وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: .

  9. أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَقْدِيمَ الْفِعْلِ هُنَاكَ أَهَمُّ لِأَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ.

  10. وَالثَّانِي: أَنْ باسم ربك مُتَعَلِّقٌ بِ اقْرَأِ الثَّانِي وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْجِدِ الْقِرَاءَةَ وَالْقَصْدُ التَّعْمِيمُ.

  11. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْخَاطِرُ مُلْتَفَتًا إِلَيْهِ وَالْهِمَّةُ مَعْقُودَةٌ بِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تعالى: .

  12. {وجعلوا لله شركاء} ، بِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْجَعْلِ لِلَّهِ لَا إِلَى مُطْلَقِ الْجَعْلِ.

    ج ٣ ص ٢٣٦
  13. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِإِرَادَةِ التَّبْكِيتِ وَالتَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ الْمَذْكُورِ كَتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شركاء الجن} ، وَالْأَصْلُ " الْجِنَّ شُرَكَاءَ " ، وَقُدِّمَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّوْبِيخُ وَتَقْدِيمُ الشُّرَكَاءِ أَبْلَغُ فِي حُصُولِهِ.

  14. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} وَسَنَذْكُرُهُ.

  15. السَّابِعُ: الِاخْتِصَاصُ، وَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ وَالْخَبَرِ والظرف والجار والمجرور ونحوها على الفعل كقوله تعالى: {إياك نعبد} ، أَيْ نَخُصُّكَ بِالْعِبَادَةِ فَلَا نَعْبُدُ غَيْرَكَ.

  16. وَقَوْلِهِ: {إن كنتم إياه تعبدون} أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تَخُصُّونَهُ بِالْعِبَادَةِ.

  17. وَالْخَبَرُ كَقَوْلِهِ: {قال أراغب أنت عن آلهتي} ، وَقَوْلِهِ: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} .

  18. وَأَمَّا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ، فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ فِي الْإِثْبَاتِ دَلَّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} ، وكذلك: {له الملك وله الحمد} ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِاللَّهِ تَعَالَى: وقوله: {لإلى الله تحشرون} .

  19. أي لا إلى غيره وَقَوْلِهِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} أُخِّرَتْ صِلَةُ الشَّهَادَةِ فِي الْأَوَّلِ وَقُدِّمَتْ فِي الثَّانِي لِأَنَّ الْغَرَضَ فِي الْأَوَّلِ إِثْبَاتُ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ وَفِي اخْتِصَاصِهِمْ بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عليهم.

    ج ٣ ص ٢٣٧
  20. وقوله: {وأرسلناك للناس رسولا} أَيْ لِجَمِيعِ النَّاسِ مِنَ الْعَجَمِ وَالْعَرَبِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ لِلِاسْتِغْرَاقِ.

  21. وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْيِ فَإِنَّ تَقْدِيمَهُ يُفِيدُ تَفْضِيلَ الْمَنْفِيَّ عَنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هم عنها ينزفون} ، أَيْ لَيْسَ فِي خَمْرِ الْجَنَّةِ مَا فِي خَمْرَةِ غَيْرِهَا مِنَ الْغَوْلِ وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فَإِنَّهَا تُفِيدُ النَّفْيَ فَقَطْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {لَا ريب فيه} فكذلك إذا قلنا لاعيب فِي الدَّارِ كَانَ مَعْنَاهُ نَفْيَ الْعَيْبِ فِي الدَّارِ وَإِذَا قُلْنَا لَا فِي الدَّارِ عَيْبٌ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تُفَضَّلُ عَلَى غَيْرِهَا بِعَدَمِ الْعَيْبِ.

  22. تَنْبِيهٌ: .

  23. مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ فَهِمَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ فِي كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْبَيَانِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ غَالِبٌ لَا لَازِمٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قبل} وقوله: {أفي الله شك} إِنْ جَعَلْنَا مَا بَعْدَ الظَّرْفِ مُبْتَدَأً.

  24. وَقَدْ رَدَّ صَاحِبُ "الْفَلَكِ الدَّائِرِ" الْقَاعِدَةَ بِالْآيَةِ الْأُولَى وَكَذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ وَخَالَفُوا الْبَيَانِيِّينَ فِي ذَلِكَ وَأَنْتَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُمْ.

  25. ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ قَيْدَ الْغَلَبَةِ سَهُلَ الْأَمْرُ. نَعَمْ لَهُ شَرْطَانِ: .

    ج ٣ ص ٢٣٨
  26. أَحَدُهُمَا: أَلَّا يَكُونَ الْمَعْمُولُ مُقَدَّمًا بِالْوَضْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى تَقْدِيمًا حَقِيقَةً كَاسْمِ الِاسْتِفْهَامِ وَكَالْمُبْتَدَأِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُ مَعْمُولًا لِخَبَرِهِ.

  27. وَالثَّانِي: أَلَّا يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِمَصْلَحَةِ التركيب مثل: {وأما ثمود فهديناهم} عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ.

  28. وَقَدِ اجْتَمَعَ الِاخْتِصَاصُ وَعَدَمُهُ في آية واحدة وهي قوله: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إياه تدعون فيكشف} ، التَّقْدِيمُ فِي الْأَوَّلِ قَطْعًا لَيْسَ لِلِاخْتِصَاصِ بِخِلَافِ الثَّانِي.

  29. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِهِ.

  30. وَهِيَ إِمَّا أَنْ يُقَدَّمَ وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ أَوْ يُقَدَّمَ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُؤَخَّرٌ أَوْ بِالْعَكْسِ.

  31. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَا قُدِّمَ وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ.

  32. وَمُقْتَضَيَاتُهُ كَثِيرَةٌ قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ مِنْهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَلِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبْدُونٍ فِي قَوْلِهِ:

    سَقَاكَ الْحَيَا مِنْ معان سِفَاحِ فَكَمْ لِي بِهَا مِنْ مَعَانٍ فِصَاحِ

    ج ٣ ص ٢٣٩أَحَدُهَا: السَّبْقُ.

  33. وَهُوَ أَقْسَامٌ: مِنْهَا السَّبْقُ بِالزَّمَانِ وَالْإِيجَادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ للذين اتبعوه وهذا النبي} قال ابن عطية: المراد بالذين اتَّبَعُوهُ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ.

  34. وَقَوْلُهُ: {اللَّهُ يَصْطَفِي من الملائكة رسلا ومن الناس} فَإِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَفْضِيلُ الْبَشَرِ وَإِنَّمَا قدم الملك لسبقه في الوجود.

  35. وقوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك} فَإِنَّ الْأَزْوَاجَ أَسْبَقُ بِالزَّمَانِ لِأَنَّ الْبَنَاتِ أَفْضَلُ مِنْهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ بَضْعَةً مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

  36. وَقَوْلُهُ: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قرة أعين} .

  37. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْضَمُّ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ كَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وآل عِمْرَانَ} .

  38. وَقَوْلِهِ: {وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} .

  39. {صحف إبراهيم وموسى} .

  40. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صحف موسى وإبراهيم الذي وفى} فَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ مُوسَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي سِيَاقِ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ بِالتَّرْكِ وَكَانَتْ صُحُفُ مُوسَى مُنْتَشِرَةً أَكْثَرَ انْتِشَارًا مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ. وَثَانِيهِمَا: مُرَاعَاةُ رُءُوسِ الْآيِ.