تابع النوع السادس والأربعون
٢٬٩٢٢ فقرة، ج ٣ ص ٣
الصفحة ٤٧ من ٧٤
- ج ٣ ص ٢٨٨
وَفَصَّلَ آخَرُونَ بَيْنَ أَنْ يَتَضَمَّنَ اعْتِبَارًا لَطِيفًا فَبَلِيغٌ وَإِلَّا فَلَا وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: يَجُوزُ الْقَلْبُ عَلَى التَّأْوِيلِ ثُمَّ قَدْ يَقْرُبُ التَّأْوِيلُ فَيَصِحُّ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ وَقَدْ يَبْعُدُ فَيَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ.
-
وَهُوَ أَنْوَاعٌ: .
-
أَحَدُهَا: قَلْبُ الْإِسْنَادِ.
-
وَهُوَ أَنْ يَشْمَلَ الْإِسْنَادَ إِلَى شَيْءٍ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} إِنْ لَمْ تَجْعَلِ الْبَاءَ لِلتَّعْدِيَةِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمَفَاتِحَ تَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعُصْبَةَ تَنُوءُ بِالْمَفَاتِحِ لِثِقَلِهَا فَأَسْنَدَ " لَتَنُوءُ " إِلَى "الْمَفَاتِحِ" وَالْمُرَادُ إِسْنَادُهُ إِلَى الْعُصْبَةِ.
- ج ٣ ص ٢٨٩
لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْحَالِ وَالْعُصْبَةَ مُسْتَصْحِبَةُ الْمَفَاتِحِ لَا تستصحبها المفاتيح وفائدته المبالغة يجعل الْمَفَاتِحِ كَأَنَّهَا مُسْتَتْبِعَةٌ لِلْعُصْبَةِ الْقَوِيَّةِ بِثِقَلِهَا.
-
وَقِيلَ: لَا قَلْبَ فِيهِ وَالْمُرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ المفاتح تنوء بالعصبة أي تميلها من نقلها وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفَارِسِيُّ أَنَّهَا بِالنَّقْلِ وَلَا قَلْبَ وَالْفِعْلُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالْبَاءِ لِأَنَّ [نَاءَ] غَيْرُ مُتَعَدٍّ يُقَالُ: نَاءَ النَّجْمُ أَيْ نَهَضَ وَيُقَالُ: نَاءَ أَيْ مَالَ لِلسُّقُوطِ فَإِذَا نَقَلْتَ الْفِعْلَ بِالْبَاءِ قُلْتَ: نُؤْتُ بِهِ أَيْ أَنْهَضْتُهُ وَأَمَلْتُهُ لِلسُّقُوطِ فَقَوْلُهُ: {لتنوء بالعصبة} أَيْ تُمِيلُهَا الْمَفَاتِحُ لِلسُّقُوطِ لِثِقَلِهَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبُ الْفَارِسِيِّ أَصَحَّ لِأَنَّ نَقْلَ الْفِعْلِ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي بِالْبَاءِ مَقِيسٌ وَالْقَلْبَ غَيْرُ مَقِيسٍ فَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا هُوَ مَقِيسٌ أَوْلَى.
-
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} أَيْ خُلِقَ الْعَجَلُ مِنَ الْإِنْسَانِ قَالَهُ ثَعْلَبٌ وَابْنُ السِّكِّيتِ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: {وكان الإنسان عجولا} .
قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: خلق الإنسان من العجلة لِكَثْرَةِ فِعْلِهِ إِيَّاهُ وَاعْتِمَادِهِ لَهُ وَهُوَ أَقْوَى فِي الْمَعْنَى مِنَ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدِ اطَّرَدَ وَاتَّسَعَ فَحَمْلُهُ عَلَى الْقَلْبِ يَبْعُدُ فِي الصَّنْعَةِ وَيُضْعِفُ الْمَعْنَى.
-
وَلَمَّا خَفِيَ هَذَا عَلَى بَعْضِهِمْ قَالَ إِنَّ الْعَجَلَ هَاهُنَا الطِّينُ قَالَ: وَلَعَمْرِي إِنَّهُ فِي اللُّغَةِ كَمَا ذَكَرَ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا إِلَّا نَفْسُ الْعَجَلِ أَلَا ترى إلى قوله عقبه: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} ، ونظيره قوله: {وكان الإنسان عجولا} {وخلق الإنسان.
- ج ٣ ص ٢٩٠
ضعيفا} لِأَنَّ الْعَجَلَةَ ضَرْبٌ مِنَ الضَّعْفِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الضَّرُورَةُ وَالْحَاجَةُ.
-
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: {وَجَاءَتْ سكرة الموت بالحق} أي إِنَّهُ مِنَ الْمَقْلُوبِ، وَأَنَّهُ {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ} وَهَكَذَا فِي قِرَاءَةِ أَبِي بَكْرٍ.
-
مِثْلُهُ: {لكل أجل كتاب} ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ لِكُلِّ أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ أَجَلٌ مُؤَجَّلٌ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ يُرِدْكَ بخير} : هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ أَيْ يُرِيدُ بِكَ الْخَيْرَ وَيُقَالُ: أَرَادَهُ بِالْخَيْرِ وَأَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ.
-
وَجَعَلَ ابْنُ الضَّائِعِ مِنْهُ: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كلمات} ، قَالَ: فَآدَمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ هُوَ الْمُتَلَقِّي لِلْكَلِمَاتِ حَقِيقَةً وَيَقْرُبُ أَنْ يُنْسَبَ التَّلَقِّي لِلْكَلِمَاتِ لِأَنَّ مَنْ تَلَقَّى شَيْئًا أَوْ طَلَبَ أَنْ يَتَلَقَّاهُ فَلَقِيَهُ كَانَ الْآخَرُ أَيْضًا قَدْ طَلَبَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ قَالَ: ولقرب هذا المعنى قرىء بِالْقَلْبِ.
-
وَجَعَلَ الْفَارِسِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَعُمِّيَتْ عليكم} أَيْ فَعَمِيتُمْ عَلَيْهَا.
-
وَقَوْلَهُ: {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض} .
-
وقوله: {وقد بلغت من الكبر عتيا} ، {وقد بلغني الكبر} أَيْ بَلَغْتُ الْكِبَرَ.
-
وَقَوْلَهُ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهه هواه} وقوله: {فإنهم عدو لي.
- ج ٣ ص ٢٩١
إلا رب العالمين} ، فَإِنَّ الْأَصْنَامَ لَا تُعَادِي وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فَإِنِّي عَدُوٌّ لَهُمْ مُشْتَقٌّ مِنْ عَدَوْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَاوَزْتَهُ وَخَلَّفْتَهُ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَنْ له إرادة وأما عاديته فمفاعة لَا يَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ.
-
وَجَعَلَ مِنْهُ بعضهم: {وإنه لحب الخير لشديد} أَيْ إِنَّ حُبَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ.
-
وَقِيلَ لَيْسَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَنَّهُ لِحُبِّ الْمَالِ لَبَخِيلٌ وَالشِّدَّةُ الْبُخْلُ أَيْ مِنْ أَجْلِ حُبِّهِ لِلْمَالِ يَبْخَلُ.
-
وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} كقوله: عُرِضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ لِأَنَّ الْمَعْرُوضَ لَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ وَإِنَّمَا الِاخْتِيَارُ لِلْمَعْرُوضِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ وَيُرِيدُ وَعَلَى هَذَا فَلَا قَلْبَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مَقْهُورُونَ فَكَأَنَّهُمْ لَا اخْتِيَارَ لَهُمْ وَالنَّارُ مُتَصَرِّفَةٌ فِيهِمْ وَهُوَ كَالْمَتَاعِ الَّذِي يُقَرَّبُ مِنْهُ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا: عُرِضَتِ الْجَارِيَةُ عَلَى الْبَيْعِ.
-
وَقَوْلُهُ: {وَحَرَّمْنَا عليه المراضع من قبل} وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى الملكف فَالْمَعْنَى وَحَرَّمْنَا عَلَى الْمَرَاضِعِ أَنْ تُرْضِعَهُ وَوَجْهُ تَحْرِيمِ إِرْضَاعِهِ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يَقْبَلَ إِرْضَاعَهُنَّ حَتَّى يُرَدَّ إِلَى أُمِّهِ.
-
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أنفسهم} ، وَقِيلَ: الْأَصْلُ وَمَا تَخْدَعُهُمْ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ لِأَنَّ الْأَنْفُسَ هِيَ الْمُخَادِعَةُ وَالْمُسَوِّلَةُ، قَالَ تَعَالَى: {بَلْ سولت لكم أنفسكم} .
-
ورد بأن الفاعل في مثل هذا هوالمفعول في المعنى وأن التغاير في اللفظ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ إِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقَلْبِ.
- ج ٣ ص ٢٩٢
الثاني: قلب المعطوف.
-
إما بأن تجعل الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَعْطُوفًا وَالْمَعْطُوفُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يرجعون} ، حَقِيقَتُهُ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ لأنه نَظَرَهُ مَا يَرْجِعُونَ مِنَ الْقَوْلِ غَيْرُ مُتَأَتٍّ مَعَ تَوَلِّيهِ عَنْهُمْ. وَمَا يُفَسَّرُ بِهِ التَّوَلِّي مِنْ أَنَّهُ يَتَوَارَى فِي الْكُوَّةِ الَّتِي أَلْقَى مِنْهَا الْكِتَابَ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ رَاجِحَةٌ عَلَيْهِ.
-
وَقَوْلِهِ: {ثم دنا فتدلى} أَيْ تَدَلَّى فَدَنَا لِأَنَّهُ بِالتَّدَلِّي نَالَ الدُّنُوَّ وَالْقُرْبَ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ وَإِلَى الْمَكَانَةِ لَا إِلَى الْمَكَانِ.
-
وَقِيلَ: لَا قَلْبَ، وَالْمَعْنَى: ثُمَّ أَرَادَ الدُّنُوَّ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: " {فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ} الْمَعْنَى فَإِذَا اسْتَعَذْتَ فَأَقْرَأْ " .
-
وَقَوْلِهِ: {وَكَمْ مِنْ قرية أهلكناها فجاءها بأسنا} ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ: لَا قَلْبَ فِيهِ لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ اعْتِبَارًا لَطِيفًا.
-
وَرُدَّ بِتَضَمُّنِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي شِدَّةِ سَوْرَةِ الْبَأْسِ يَعْنِي هَلَكَتْ بِمُجَرَّدِ تَوَجُّهِ الناس إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَهَا.
-
الثَّالِثُ: الْعَكْسُ.
-
الْعَكْسُ، وَهُوَ أمر لفظي كقوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا من حسابك عليهم من شيء} .
- ج ٣ ص ٢٩٣
وَقَوْلِهِ: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} .
-
{لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لهن} .
-
{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الليل} .
-
الرَّابِعُ: الْمُسْتَوِي.
-
وَهُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ أَوِ الْكَلِمَاتِ تُقْرَأُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا وَمِنْ آخِرِهَا إِلَى أَوَّلِهَا لَا يَخْتَلِفُ لَفْظُهَا وَلَا مَعْنَاهَا كقوله: {وربك فكبر} .
-
{كل في فلك} .
-
الْخَامِسُ: مَقْلُوبُ الْبَعْضِ.
-
وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ مُرَكَّبَةً مِنْ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ الْأُولَى مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ الْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فرقت بين بني إسرائيل} فَـ "بَنِي" مُرَكَّبٌ مِنْ حُرُوفِ "بَيْنَ" وَهُوَ مُفَرَّقٌ إِلَّا أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْضُهَا فِي الْكَلِمَتَيْنِ وهو أولها.
- ج ٣ ص ٢٩٤
الْمُدْرَجُ.