تابع النوع السادس والأربعون
٢٬٩٢٢ فقرة، ج ٣ ص ٣
الصفحة ٧٠ من ٧٤
- ج ٣ ص ٤٤٩
التَّأْوِيلَاتِ فِي الْآيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " هِيَ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَّجُلِ مَيِّتَةً وَهُوَ حَيٌّ وَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْهَا حَيًّا وَهِيَ مَيِّتَةٌ " قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّ لَفْظَةَ الْإِخْرَاجِ فِي تَنَقُّلِ النُّطْفَةِ حَتَّى تَكُونَ رَجُلًا إِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَغْيِيرِ الْحَالِ كَمَا تَقُولُ فِي صَبِيٍّ جَيِّدِ الْبِنْيَةِ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ قَوِيٌّ.
-
وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: {ومخرج الميت من الحي} أَيِ الْحَيَوَانُ كُلُّهِ مَيِّتَةٌ ثُمَّ يُحْيِيهِ قَالَ وَهُوَ مَعْنَى التَّجْرِيدِ.
-
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ قَرَأَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَانَتْ وردة كالدهان} بالرفع بمعنى حصلت منها [سماء] وردة قال وهو من التجريد. و.
-
قرأ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: {يَرِثُنِي ويرث من آل يعقوب} ، قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هَذَا هُوَ التَّجْرِيدُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُرِيدُ وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي مِنْهُ وَارِثٌ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْوَارِثُ نَفْسُهُ فَكَأَنَّهُ جَرَّدَ مِنْهُ وَارِثًا.
- ج ٣ ص ٤٥٠
التَّجْنِيسُ.
-
وَهُوَ إِمَّا بِأَنْ تَتَسَاوَى حُرُوفُ الْكَلِمَتَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لبثوا غير ساعة} {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عاقبة المنذرين} وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ الْآيَةِ الْأُولَى.
-
وَإِمَّا بِزِيَادَةٍ فِي إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْتَفَّتِ الساق بالساق. إلى ربك يومئذ المساق} .
-
وَإِمَّا لَاحِقٌ بِأَنْ يَخْتَلِفَ أَحَدُ الْحَرْفَيْنِ كَقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لشديد} .
-
{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} .
-
{وهم ينهون عنه وينأون عنه} .
-
{بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وبما كنتم تمرحون} .
-
وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الخوف} .
-
وَإِمَّا فِي الْخَطِّ وَهُوَ أَنْ تَشْتَبِهَا فِي الْخَطِّ لَا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنهم يحسنون صنعا} .
- ج ٣ ص ٤٥١
وَقَوْلِهِ: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فهو يشفين} .
-
وَإِمَّا فِي السَّمْعِ لِقُرْبِ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الْآخَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .
-
تَنْبِيهَاتٌ: .
-
الْأَوَّلُ: نَازَعَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَقَالَ: عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ بِتَجْنِيسٍ أَصْلًا وَأَنَّ السَّاعَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالتَّجْنِيسُ أَنْ يَتَّفِقَ اللَّفْظُ وَيَخْتَلِفَ الْمَعْنَى وَأَلَّا تَكُونَ إِحْدَاهُمَا حَقِيقَةً وَالْأُخْرَى مَجَازًا بَلْ تَكُونَا حَقِيقَتَيْنِ وَإِنَّ زَمَانَ الْقِيَامَةِ - وَإِنْ طَالَ - لَكِنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُكْمِ السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ لَا يُعْجِزُهَا أَمْرٌ وَلَا يَطُولُ عِنْدَهَا زَمَانٌ فَيَكُونُ إِطْلَاقُ لَفْظَةِ [السَّاعَةِ] عَلَى أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْآخَرِ مَجَازًا وَذَلِكَ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنَ التَّجْنِيسِ كَمَا لَوْ قُلْتَ: رَكِبْتُ حِمَارًا وَلَقِيتُ حِمَارًا وَأَرَدْتَ بِالثَّانِي الْبَلِيدَ. وَأَيْضًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ السَّاعَةَ الْأُولَى خَاصَّةً وَزَمَانَ الْبَعْثِ فَيَكُونُ لَفْظُ السَّاعَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَقِيقَةً بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَيَخْرُجُ عَنِ التَّجْنِيسِ.
-
الثَّانِي: يَقْرُبُ مِنْهُ الِاقْتِضَابُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَاتُ يَجْمَعُهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ فِي اللُّغَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القيم} .
-
وقوله: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وقوله: {وح وريحان} .
- ج ٣ ص ٤٥٢
وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} .
-
{قال إني لعملكم من القالين} .
-
{وجنى الجنتين دان} .
-
{اأسفى على يوسف} .
-
{تقلب فيه القلوب والأبصار} .
-
{إني وجهت وجهي} .
-
{اثاقلتم إلى الأرض} .
-
الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ الْجِنَاسَ مِنَ الْمَحَاسِنِ اللَّفْظِيَّةِ لَا الْمَعْنَوِيَّةِ وَلِهَذَا تَرَكُوهُ عِنْدَ قُوَّةِ الْمَعْنَى بِتَرْكِهِ وَلِذَلِكَ مِثَالَانِ:.
-
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وتذرون أحسن الخالقين} فَذَكَرَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْكَاتِبَ الْمُلَقَّبَ بالرشيدي قَالَ: لَوْ قِيلَ: [أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَدَعُونَ أَحْسَنَ الخالقين] [أوهم أنه أحسن لأنه كان] تَحْصُلُ بِهِ رِعَايَةُ مَعْنَى التَّجْنِيسِ أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ مُوَازِنًا لِـ [تَذَرُونَ] .
-
وَأَجَابَ الرَّازِيُّ: بِأَنَّ فَصَاحَةَ الْقُرْآنِ لَيْسَ لِأَجْلِ رِعَايَةِ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ بَلْ لِأَجْلِ قُوَّةِ الْمَعَانِي وَجَزَالَةِ الْأَلْفَاظِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُرَاعَاةُ الْمَعَانِي أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ فَلَوْ كَانَ [أَتَدْعُونَ] .
- ج ٣ ص ٤٥٣
[وَتَدَعُونَ] كَمَا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ لَوَقَعَ الْإِلْبَاسُ على القارىء فَيَجْعَلُهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ تَصْحِيفًا مِنْهُ وَحِينَئِذٍ فَيَنْخَرِمُ اللَّفْظُ إِذَا قَرَأَ وَتَدْعُونَ الثَّانِيَةَ بِسُكُونِ الدَّالِ لَا سِيَّمَا وَخَطُّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ لَا ضَبْطَ [فِيهِ] وَلَا نَقْطَ.
قَالَ: وَمِمَّا صُحِّفَ مِنَ الْقُرْآنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قال عذابي أصيب به من أشاء} بالسين المهملة.
-
وقوله: {عن موعدة وعدها إياه} بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ.
-
وَقَوْلُهُ: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شأن يغنيه} بالعين المهملة.
-
وقرأ ابن عباس " من فرعون " عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
قُلْتُ: وَأَجَابَ الْجُوَيْنِيُّ عَنْ هَذَا بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ: أَنَّ [يَذَرُ] أَخَصُّ مِنْ [يَدَعُ] وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بِمَعْنَى تَرَكَ الشَّيْءِ اعْتِنَاءً بِشَهَادَةِ الِاشْتِقَاقِ نَحْوَ الْإِيدَاعِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ الْوَدِيعَةِ مَعَ الِاعْتِنَاءِ بِحَالِهَا وَلِهَذَا يُخْتَارُ لَهَا مَنْ هُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا وَمِنْ ذَلِكَ الدَّعَةُ بِمَعْنَى الرَّاحَةِ وَأَمَّا تذر فمعناها الترك مطلقا والترك مَعَ الْإِعْرَاضِ وَالرَّفْضِ الْكُلِّيِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ السِّيَاقَ إِنَّمَا يُنَاسِبُ هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ فَأُرِيدَ هُنَا تَبْشِيعُ حَالِهِمْ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ بَلَغُوا الْغَايَةَ فِي الْإِعْرَاضِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قول الراغب: يقال فلا يَذَرُ الشَّيْءَ أَيْ يَقْذِفُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدَادِ بِهِ.
-
والوزرة قطعة من اللحم [وتسميتها بذلك] لقلة الاعتداد به نحو قولهم [فيم لا يعتد به] هُوَ: لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ قَالَ تَعَالَى: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آباؤنا} وقال تعالى: {ويذرك وآلهتك} {فذرهم وما يفترون} {ذروا ما بقي من الربا} .
- ج ٣ ص ٤٥٤
وإنما قال: {يذرون} ولم يقل: يتركون، ويخلفون لِذَلِكَ. انْتَهَى.
-
وَعَنِ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ التَّجْنِيسَ تَحْسِينٌ وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَقَامِ الْوَعْدِ وَالْإِحْسَانِ وَهَذَا مَقَامُ تَهْوِيلٍ وَالْقَصْدُ فِيهِ الْمَعْنَى فَلَمْ يَكُنْ لِمُرَاعَاةِ اللَّفْظَةِ فَائِدَةٌ.
-
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} .
-
الْمِثَالُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كنا صادقين} قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَا أَنْتَ مُصَدِّقٌ لَنَا فَيُقَالُ: مَا الْحِكْمَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْجِنَاسِ وَهَلَّا قِيلَ: [وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ] فَإِنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَى الْأَوَّلِ مَعَ زِيَادَةِ رِعَايَةِ التَّجْنِيسِ اللَّفْظِيِّ؟.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي [مُؤْمِنٍ لَنَا] مِنَ الْمَعْنَى مَا لَيْسَ فِي [مُصَدِّقٍ] وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: مُصَدِّقٌ لِي، فَمَعْنَاهُ: قَالَ لِي: صَدَقْتَ وَأَمَّا [مُؤْمِنٌ] فَمَعْنَاهُ مَعَ التَّصْدِيقِ إِعْطَاءُ الْأَمْنِ وَمَقْصُودُهُمُ التَّصْدِيقُ وَزِيَادَةٌ وَهُوَ طلب الأمن فلهذا عدل إليه.
-
فتأمل هذا اللَّطَائِفَ الْغَرِيبَةَ وَالْأَسْرَارَ الْعَجِيبَةَ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْإِعْجَازِ!.