النوع السابع والأربعون: في الكلام على المفردات والأدوات

١٬١٦٠ فقرة، ج ٤ ص ١٧٥

الصفحة ٧ من ٢٩

  1. وَتَقُولُ: زَيْدٌ عَالِمٌ كَرِيمٌ ثُمَّ هُوَ شُجَاعٌ

    قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَدْ تَجِيءُ ثُمَّ كَثِيرًا لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ فِي قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ مَرْتَبَتَيِ الْفِعْلِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ تَفَاوُتِ رُتْبَتَيِ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} فـ "ثم" هُنَا لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْخَلْقِ وَالْجَعْلِ مِنْ رُتْبَةِ الْعَدْلِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ وَصْفِ الْعَادِلِينَ

    وَمِثْلُهُ قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة} إِلَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ، دَخَلَتْ لِبَيَانِ تَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْفَكِّ وَالْإِطْعَامِ مِنْ رُتْبَةِ الْإِيمَانِ إِلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ تَعَرُّضٍ لِوَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}

    ج ٤ ص ٢٦٦
  2. وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ الَّذِينَ كفروا بربهم يعدلون} أن ثم

    ج ٤ ص ٢٦٧دخلت لبعد ما بين الكفر وخلق السموات وَالْأَرْضِ

    وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الزَّمَخْشَرِيُّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْكَشَّافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَغَفَّارٌ لِمَنْ تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}

  3. وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استقاموا} قَالَ كَلِمَةُ التَّرَاخِي دَلَّتْ عَلَى تَبَايُنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ دَلَالَتَهَا عَلَى تَبَايُنِ الْوَقْتَيْنِ فِي جَاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو أَعْنِي أَنَّ مَنْزِلَةَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الخبر مُبَايِنَةٌ لِمَنْزِلَةِ الْخَيْرِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا أَعْلَى مِنْهَا وَأَفْضَلُ

    وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ قتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر}

  4. إِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى ثُمَّ الدَّاخِلَةِ فِي تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ؟ قُلْتُ: الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْكَرَّةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الدُّعَاءِ أَبْلَغُ مِنَ الْأُولَى

    وَقَوْلُهُ: {ثم كان من الذين آمنوا} قال جاء بـ "ثم" لِتَرَاخِي الْإِيمَانِ وَتَبَاعُدِهِ فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَضِيلَةِ عَلَى الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ لَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ السَّابِقُ الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ

    وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ ملة إبراهيم حنيفا} أن ثم هذه فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْلَالِ مَحَلِّهِ وَالْإِيذَانِ بِأَنَّهُ أَوْلَى وَأَشْرَفُ مَا أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَأَجَلُّ مَا أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ أَتْبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِلَّتِهِ

    وَاعْلَمْ أَنَّهُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ ثُمَّ قَدْ تَخْرُجُ عَنِ التَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ وَتَصِيرُ كَالْوَاوِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ الزَّمَانِيَّ لُزُومًا أَمَّا إِذَا قُلْنَا إنها ترد

    ج ٤ ص ٢٦٨لِقَصْدِ التَّفَاوُتِ وَالتَّرَاخِي عَنِ الزَّمَانِ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الِانْفِصَالِ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الشَّرِيفَةِ لَا أَنْ تَقُولَ إِنَّ ثُمَّ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْوَاوِ

    وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُهْلَةِ وَتَكُونُ لِلتَّبَايُنِ فِي الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مُهْلَةٍ زَمَانِيَّةٍ بَلْ لِيُعْلَمَ مَوْقِعُ مَا يُعْطَفُ بِهَا وَحَالُهُ وَأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ كَافِيًا فِيمَا قُصِدَ فِيهِ وَلَمْ يُقْصَدْ فِي هَذَا تَرْتِيبٌ زَمَانِيٌّ بَلْ تَعْظِيمُ الْحَالِ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَتَوَقُّعُهُ وَتَحْرِيكُ النُّفُوسِ لِاعْتِبَارِهِ

    وَقِيلَ: تأتي للتعجب بنحو: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}

  5. وقوله: {ثم يطمع أن أزيد كلا}

  6. وَقِيلَ: بِمَعْنَى وَاوِ الْعَطْفِ كَقَوْلِهِ: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثم الله شهيد} أَيْ هُوَ شَهِيدٌ

    وَقَوْلِهِ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بيانه}

  7. وَالصَّوَابُ أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا لِمَا سَبَقَ قَبْلَهُ

    وَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا} ،

    وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ قَبْلَ خَلْقِنَا فَالْمَعْنَى وَصَوَّرْنَاكُمْ

    وَقِيلَ: عَلَى بَابِهَا وَالْمَعْنَى ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ صَوَّرَهُ وَابْتَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ صَوَّرَهُ

    وَأَمَّا قَوْلُهُ: {خَلَقَكُمْ مِنْ طين ثم قضى أجلا} وَقَدْ كَانَ قَضَى الْأَجَلَ فَمَعْنَاهُ أُخْبِرُكُمْ أَنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ طِينٍ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَضَيْتُ الأجل كما تقول كلمتك اليوم ثم كلمتك أمس أي أني أخبرك بذالك ثم أخبرك بهذا وَهَذَا يَكُونُ فِي الْجُمَلِ،

    ج ٤ ص ٢٦٩فَأَمَّا عَطْفُ الْمُفْرَدَاتِ فَلَا تَكُونُ إِلَّا لِلتَّرْتِيبِ قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ

    قِيلَ: وَتَأْتِي زَائِدَةً كَقَوْلِهِ تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} إلى قوله: {ثم تاب عليهم} لِأَنَّ تَابَ جَوَابُ إِذَا مِنْ قَوْلِهِ: {حَتَّى إذا ضاقت}

  8. وَتَأْتِي لِلِاسْتِئْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثم لا ينصرون}

  9. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْمَانِعُ مِنَ الْجَزْمِ عَلَى الْعَطْفِ؟

  10. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عُدِلَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الْجَزَاءِ إِلَى حُكْمِ الْإِخْبَارِ ابْتِدَاءً كَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَّهُمْ لَا يُنْصَرُونَ

    فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ رَفْعِهِ وَجَزْمِهِ فِي الْمَعْنَى؟

  11. قِيلَ: لَوْ جُزِمَ لَكَانَ نَفْيُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِمُقَاتَلَتِهِمْ كَتَوَلِّيهِمْ وَحِينَ رُفِعَ كَانَ النَّصْرُ وَعْدًا مُطْلَقًا كَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ شَأْنُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ أَنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْهَا وَأُبَشِّرُكُمْ بِهَا بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أَنَّهُمْ مَخْذُولُونَ مَنَعْتُ عَنْهُمُ النُّصْرَةَ وَالْقُوَّةَ ثُمَّ لَا يَنْهَضُونَ بَعْدَهَا بِنَجَاحٍ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ أَمْرٌ

    وَاعْلَمْ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ حَرْفَ اسْتِئْنَافٍ فَفِيهَا مَعْنَى الْعَطْفِ وَهُوَ عَطْفُ الْخَبَرِ عَلَى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ أُخْبِرُكُمْ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَكُمْ فَيُهْزَمُونَ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَّهُمْ لَا يُنْصَرُونَ

    فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى التَّرَاخِي فِي ثُمَّ؟

  12. قِيلَ التَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي تَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِتَوَلِّيهِمُ الْأَدْبَارَ وكقوله تَعَالَى: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ}

    ج ٤ ص ٢٧٠
  13. ثم المفتوحة

    ظرف للبعيد بمعنى قال تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت}

  14. وقرئ: {فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد} ، أَيْ هُنَالِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ بِدَلِيلِ: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لله الحق}

    وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: {أَثُمَّ إِذَا مَا وقع آمنتم به} مَعْنَاهُ أَهُنَالِكَ، وَلَيْسَتْ ثُمَّ الْعَاطِفَةَ وَهَذَا وَهْمٌ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْمَضْمُومَةُ بِالْمَفْتُوحَةِ

    ج ٤ ص ٢٧١حاشا

    اسم يأتي بمعنى التنزيه كقوله: {حاش لله} بِدَلِيلِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَاشًا لِلَّهِ بِالتَّنْوِينِ كَمَا قيل: {براءة من الله} مِنْ كَذَا أَيْ حَاشًا لِلَّهِ بِالتَّنْوِينِ كَقَوْلِهِمْ رَعْيًا لِزَيْدٍ

    وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: {حَاشَا اللَّهِ} بِالْإِضَافَةِ فَهَذَا مِثْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَعَاذَ اللَّهِ

    وَقِيلَ: بِمَعْنَى جَانَبَ يُوسُفُ الْمَعْصِيَةَ لِأَجْلِ اللَّهِ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هذا بشرا}

    قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَهُوَ فَاعِلٌ مِنَ الْحَشَا الَّذِي هُوَ النَّاحِيَةُ أَيْ صَارَ فِي نَاحِيَةٍ أَيْ بَعُدَ مِمَّا رُمِيَ بِهِ وَتَنَحَّى عَنْهُ فَلَمْ يَغْشَهُ وَلَمْ يُلَابِسْهُ

    فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا قُلْنَا بِاسْمِيَّةِ حَاشَا فَمَا وَجْهُ تَرْكِ التَّنْوِينِ فِي قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُضَافَةٍ؟

    قُلْتُ: قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ حَاشَى الْمُشَبَّهَةَ بِحَاشَى الَّذِي هُوَ حَرْفٌ وَأَنَّهُ شَابَهَهُ لَفْظًا ومعنى فجرى مجراه في البناء

    ج ٤ ص ٢٧٢حتى

    كـ "إلى" لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ مَا بَعْدَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا قَطْعًا كَقَوْلِكَ قام القوم حتى زيد فـ "زيد" هَاهُنَا دَخَلَ فِي الْقِيَامِ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي قَامَ الْقَوْمُ إِلَى زَيْدٍ وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ إِنَّ حَتَّى تَجْرِي مَجْرَى الْوَاوِ وَثُمَّ فِي التَّشْرِيكِ

    وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ"

  15. وَقَوْلِهِ: "أُرِيتُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ"

    وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَتَّى تَخْتَصُّ بِالْغَايَةِ الْمَضْرُوبَةِ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأَسِهَا وَامْتَنَعَ حَتَّى نصفها أو ثلثها وإلى عَامَّةٌ فِي كُلِّ غَايَةٍ انْتَهَى

    ثُمَّ الْغَايَةُ تَجِيءُ عَاطِفَةً وَهِيَ لِلْغَايَةِ كَيْفَ وَقَعَتْ إِمَّا فِي الشَّرَفِ كَجَاءَ الْقَوْمُ حَتَّى رَئِيسُهُمْ أَوِ الضعة نحو أسنت الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَى

    أَوْ تَكُونُ جُمْلَةً مِنَ الْقَوْلِ عَلَى حَالٍ هُوَ آخِرُ الْأَحْوَالِ الْمَفْرُوضَةِ أَوِ الْمُتَوَهَّمَةِ بِحَسْبِ ذَلِكَ الشَّأْنِ إِمَّا فِي الشدة نحو: {وزلزلوا حتى يقول} إِذَا أُرِيدَ حِكَايَةُ الْحَالِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَاضِيَّةِ فَإِنْ أُرِيدَ الِاسْتِقْبَالُ لَزِمَ النَّصْبُ

    وَإِمَّا فِي الرَّخَاءِ نَحْوُ شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَجِيءَ الْبَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ عَلَى الْحِكَايَةِ

    ج ٤ ص ٢٧٣ولانتهاء الغاية نحو: {حتى مطلع الفجر} {حتى يبلغ الكتاب أجله}

  16. وَالتَّعْلِيلِ وَعَلَامَتُهَا أَنْ تَحْسُنَ فِي مَوْضِعِهَا كَيْ نَحْوُ حَتَّى تَغِيظَ ذَا الْحَسَدِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين}

  17. ويحتملها: {حتى تفيء}

  18. وقوله: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم}

  19. {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عند رسول الله حتى ينفضوا}

  20. قِيلَ: وَلِلِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد حتى يقولا} وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْغَايَةِ

    وَحَرْفُ ابْتِدَاءٍ أَيْ تُبْتَدَأُ بِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أَوِ الْفِعْلِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حتى يقول الرسول}

  21. فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ.

  22. وَكَذَا الدَّاخِلَةُ عَلَى إِذَا في نحو: {حتى إذا فشلتم} وَنَظَائِرِهِ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ

    ج ٤ ص ٢٧٤حَيْثُ

    ظَرْفُ مَكَانٍ قَالَ الْأَخْفَشُ وَلِلزَّمَانِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ تَشْبِيهًا بِالْغَايَاتِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْجُمْلَةِ كَلَا إِضَافَةٍ وَلِهَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} : مَا بَعْدَ حَيْثُ صِلَةٌ لَهَا وَلَيْسَتْ بِمُضَافَةٍ إِلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُضَافَةً لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا فَصَارَتْ كَالصِّلَةِ لَهَا أَيْ كَالزِّيَادَةِ

    وَفَهِمَ الْفَارِسِيُّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا مَوْصُولَهٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ

    وَمِنَ العرب من يعرب حيث قراءة بعضهم {من حيث لا يعلمون} بالكسر تحتملها وتحتمل الْبِنَاءِ عَلَى الْكَسْرِ وَقَدْ ذَكَرُوا الْوَجْهَيْنِ فِي قراءة: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} بِفَتْحِ الثَّاءِ

    وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ

    وَجَوَّزَ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَوْنَهَا مَفْعُولًا بِهِ عَلَى السَّعَةِ قَالُوا وَلَا تَكُونُ ظَرْفًا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ أَعْلَمَ مِنْهُ فِي مَكَانٍ

    وَإِذَا كَانَتْ مَفْعُولًا لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا أَعْلَمُ لِأَنَّ أَعْلَمَ لَا يَعْمَلُ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ فَيُقَدَّرُ لَهَا فِعْلٌ

    وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى ظَرْفِيَّتِهَا مَجَازًا وَفِيهِ نَظَرٌ

    ج ٤ ص ٢٧٥دُونَ

  23. نَقِيضُ فَوْقَ
  24. وَلَهَا مَعَانٍ:
  25. أَحَدُهَا: مِنْ ظُرُوفِ الْمَكَانِ الْمُبْهَمِ لِاحْتِمَالِهَا الْجِهَاتِ السِّتَّ

    وَقِيلَ: هِيَ ظَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى السُّفْلِ فِي الْمَكَانِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو.

    وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَأَمَّا دُونَ فَتَقْصِيرٌ عَنِ الْغَايَةِ

    قَالَ الصَّفَّارُ: لَا يُرِيدُ الْغَايَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلِ الْغَايَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا فَإِذَا قُلْتَ أَنَا دُونَكَ فِي الْعِلْمِ مَعْنَاهُ أَنَا مُقَصِّرٌ عَنْكَ وَهُوَ ظَرْفُ مَكَانٍ مُتَجَوَّزٌ فِيهِ أَيْ أَنَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْعِلْمِ

    لَا يَبْلُغُ مَوْضِعَكَ وَنَظِيرُهُ فُلَانٌ فَوْقَكَ فِي الْعِلْمِ

    الثَّانِي: اسْمٌ نحو: {من دونه}

  26. الثَّالِثُ: صِفَةٌ، نَحْوُ: هَذَا الشَّيْءُ دُونَ أَيِّ رَدِيءٍ فَيَجْرِي بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَقَدْ تَكُونُ صِفَةً لَا بِمَعْنَى رَدِيءٍ وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَاهُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ رَأَيْتُ رَجُلًا دُونَكَ

    ثُمَّ قَدْ يُحْذَفُ هَذَا الْمَوْصُوفُ وَتُقَامُ الصِّفَةُ مَقَامَهُ وَحِينَئِذٍ فَلِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَانِ أَحَدُهُمَا إِعْرَابُهَا كَإِعْرَابِ الْمَوْصُولِ وَجَرْيِهَا بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَالثَّانِيَةُ إِبْقَاؤُهَا عَلَى أَصْلِهَا من

    ج ٤ ص ٢٧٦الظَّرْفِيَّةِ وَعَلَيْهَا جَاءَ قَوْلُهُ: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} ،قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ

    وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَدْنَى مَكَانٍ مِنَ الشَّيْءِ

    وَمِنْهُ الدُّونُ لِلْحَقِيرِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْحَالِ نَحْوُ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو أَيْ فِي الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ وَاتُّسِعَ فِيهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي تَجَاوُزِ حَدٍّ إِلَى حَدٍّ نَحْوَ قَوْلِهِ تعالى: {أولياء من دون المؤمنين} أَيْ لَا يَتَجَاوَزُونَ وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وِلَايَةِ الْكَافِرِينَ

    وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ دُونَ فِعْلٌ يُقَالُ دَانَ يَدُونُ دَوْنًا وَأُدِينَ إِدَانَةً وَالْمَعْنَى عَلَى الْحَقَارَةِ وَالتَّقْرِيبِ وَهَذَا دُونَ ذَلِكَ أَيْ قَرِيبٌ مِنْهُ وَدَوَّنَ الْكُتُبَ إِذَا جَمَعَهَا لِأَنَّ جَمْعَ الْأَشْيَاءِ إِدْنَاءُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ وَتَقْلِيلُ الْمَسَافَةِ بَيْنَهَا وَدُونَكَ هَذَا أَصْلُهُ خُذْهُ مِنْ دونك أي من أدنى منك فاختصر.

  27. ذُو وَذَاتُ

    بِمَعْنَى صَاحِبٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذو العرش المجيد} ، وقوله: {ذواتا أفنان} وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافًا وَلَا يُضَافُ إِلَى صِفَةٍ وَلَا إِلَى ضَمِيرٍ

    وَإِنَّمَا وُضِعَتْ وُصْلَةً إِلَى وَصْفِ الْأَشْخَاصِ بِالْأَجْنَاسِ كَمَا أَنَّ الَّذِي وُضِعَتْ وُصْلَةً إِلَى وَصْلِ الْمَعَارِفِ بِالْجُمَلِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ التَّوْضِيحُ وَالتَّخْصِيصُ وَالْأَجْنَاسُ أَعَمُّ مِنَ الْأَشْخَاصِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَخْصِيصُهَا لَهَا فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ مَرَرْتُ بِرَجُلِ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فَضْلٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُعْقَلْ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فَإِذَا قُلْتَ بِذِي عِلْمٍ صَحَّ الْوَصْفُ وَأَفَادَ التَّخْصِيصَ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الصِّفَةُ تَابِعَةً لِلْمَوْصُوفِ فِي إِعْرَابِهِ وَمَعْنَاهُ

    وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ {وَفَوْقَ كُلِّ ذي عالم عليم} فَقِيلَ الْعَالِمُ هُنَا مَصْدَرٌ كَالصَّالِحِ وَالْبَاطِلِ وَكَأَنَّهُ قال

    {وفوق كل ذي علم} فالقراءتان في المعنى سواء

    وقيل: ذي زائد ة

    وقيل: من إضافة المسمى إلا الِاسْمِ أَيْ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ يُسَمَّى عَالِمًا أَوْ يُقَالُ لَهُ عَالِمٌ عَلِيمٌ

    وَلَا يُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ الْأَشْخَاصِ وَلِهَذَا لَحَنُوا قَوْلَ بَعْضِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَذَوِيهِ

    ج ٤ ص ٢٧٨وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُضَافُ ذُو إِلَى ضَمِيرِ الْأَجْنَاسِ فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِأَنَّ ضَمِيرَ الْجِنْسِ هو الجنس في المعنى

    وَعَنِ ابْنِ بَرِّيٍّ أَنَّهَا تُضَافُ إِلَى مَا يُضَافُ إِلَيْهِ صَاحِبٌ لِأَنَّهَا رَدِيفَتُهُ وَأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ إِضَافَتُهَا لِلضَّمِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ وُصْلَةً وَإِلَّا فَلَا يُمْتَنَعُ

    وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ ذُو بِمَعْنَى الصَّاحِبِ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ مَوْصُوفًا وَمُضَافًا إِلَيْهِ تَقُولُ جَاءَنِي رَجُلٌ ذُو مَالٍ بِالْوَاوِ في الرفع وبالألف في النصب بالياء فِي الْجَرِّ وَمِنْهُ ذُو بَطْنٍ خَارِجَةٍ أَيْ جَنِينِهَا وَأَلْقَتِ الدَّجَاجَةُ ذَا بَطْنِهَا أَيْ بَاضَتْ أَوْ سَلَحَتْ وَتَقُولُ لِلْمُؤَنَّثِ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَالٍ وَلِلْبِنْتَيْنِ ذَوَاتَا مَالٍ وَلِلْجَمَاعَةِ ذَوَاتُ مَالٍ

    قَالَ: هَذَا أَصْلُ الْكَلِمَةِ ثُمَّ اقْتَطَعُوا عَنْهَا مُقْتَضَاهَا وَأَجْرَوْهَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ التَّامَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ غَيْرِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَا سِوَاهَا فَقَالُوا ذَاتٌ مُتَمَيِّزَةٌ وَذَاتٌ قَدِيمَةٌ وَمُحْدَثَةٌ وَنَسَبُوا إِلَيْهَا كَمَا هِيَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فَقَالُوا الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ وَاسْتَعْمَلُوهَا اسْتِعْمَالَ النَّفْسِ وَالشَّيْءِ

    وَعَنِ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي السِّيرَافِيَّ كُلُّ شَيْءٍ ذَاتٌ وَكُلُّ ذَاتٍ شَيْءٌ

    وَحَكَى صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ قَوْلَ الْعَرَبِ جَعَلَ مَا بَيْنَنَا فِي ذَاتِهِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ

    يقول فيسمع ويمشى فيسرع

    ويضرب في ذات الإله فيوجع

    فال شَيْخُنَا يَعْنِي الزَّمَخْشَرِيَّ إِنْ صَحَّ هَذَا فَالْكَلِمَةُ عَرَبِيَّةٌ وَقَدِ اسْتَمَرَّ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي اسْتِعْمَالِهَا وَأَمَّا قوله: {عليم بذات الصدور} وَقَوْلِهِ فُلَانٌ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ

    ج ٤ ص ٢٧٩فَمِنَ الْأَوَّلِ وَالْمَعْنَى الْإِقْلَالُ لِمُصَاحَبَةِ الْيَدِ وَقَوْلُهُمْ أَصْلَحَ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِ وَذُو الْيَدِ أَحَقُّ انْتَهَى

    وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالْإِضَافَةُ لِـ "ذِي" أَشْرَفُ مِنَ الْإِضَافَةِ لِصَاحِبٍ لِأَنَّ قَوْلَكَ ذُو يُضَافُ إِلَى التَّابِعِ وَصَاحِبٌ يُضَافُ إِلَى الْمَتْبُوعِ تَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَقُولُ النَّبِيُّ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَلَى جِهَةٍ مَا وَأَمَّا ذُو فَإِنَّكَ تَقُولُ فِيهَا ذُو الْمَالِ وَذُو الْعَرْشِ فَتَجِدُ الِاسْمَ الْأَوَّلَ مَتْبُوعًا غَيْرَ تَابِعٍ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَقْيَالُ حِمْيَرَ بِالْأَذْوَاءِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ ذُو جَدَنَ ذو يزن في الْإِسْلَامِ أَيْضًا ذُو الْعَيْنِ وَذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَذُو السِّمَاكَيْنِ وَذُو الْيَدَيْنِ هَذَا كُلُّهُ تَفْخِيمٌ لِلشَّيْءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي لَفْظَةِ صَاحِبٍ وَبُنِيَ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي سُورَةِ الأنبياء: {وذا النون} فَأَضَافَهُ إِلَى النُّونِ وَهُوَ الْحُوتُ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحوت} قَالَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لَكِنْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَفَاوُتٌ كَبِيرٌ فِي حُسْنِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَالَتَيْنِ وَتَنْزِيلِ الكلام في الموضعين فإنه ذكر في موضع الثناء عليه ذو النُّونِ وَلَمْ يَقُلْ صَاحِبُ النُّونِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ بـ "ذي" أَشْرَفُ مِنْ صَاحِبٍ وَلَفْظُ النُّونِ أَشْرَفُ مِنَ الْحُوتِ لِوُجُودِ هَذَا الِاسْمِ فِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ أَوَائِلَ السُّوَرِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ مَا يُشَرِّفُهُ لِذَلِكَ فَالْتَفِتْ إِلَى تَنْزِيلِ الْكَلَامِ فِي الْآيَتَيْنِ يَلُحْ لَكَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْغَرَضِ فَإِنَّ التَّدَبُّرَ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَاجِبٌ مفترض

    ج ٤ ص ٢٧٧
  28. وقوله تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم} أَيِ الْحَالَ بَيْنَكُمْ وَأَزِيلُوا الْمُشَاجَرَةَ وَتَكُونُ لِلْإِرَادَةِ والنية كقوله:

    {والله عليم بذات الصدور} أي السرائر

    ج ٤ ص ٢٨٠رُوَيْدٌ

    تَصْغِيرُ رُودٍ وَهُوَ الْمَهْلُ قَالَ تَعَالَى: {أمهلهم رويدا} أَيْ قَلِيلًا

    قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا أَمْهِلْهُمْ كَانَتْ بِمَعْنَى مَهْلًا وَلَا يُتَكَلَّمُ بِهَا إِلَّا مُصَغَّرًا مَأْمُورًا بِهَا

    رُبَّمَا

    لَا يَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَهَا إِلَّا مَاضِيًا لِأَنَّ دُخُولَ مَا لَا يُزِيلُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا فِي اللُّغَةِ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} فَقِيلَ عَلَى إِضْمَارِ كَانَ تَقْدِيرُهُ رُبَّمَا كَانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا

    السِّينُ

    حَرْفُ اسْتِقْبَالٍ قِيلَ وتأتي للاستمرار كقوله تعالى: {ستجدون آخرين}

  29. وَقَوْلِهِ: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قبلتهم} لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: {مَا وَلَّاهُمْ} فَجَاءَتِ السِّينُ إِعْلَامًا بِالِاسْتِمْرَارِ لَا بِالِاسْتِقْبَالِ

    قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَفَادَتِ السِّينُ وُجُودَ الرَّحْمَةِ لَا مَحَالَةَ فَهِيَ تُؤَكِّدُ الْوَعْدَ كَمَا تُؤَكِّدُ الْوَعِيدَ إِذَا قُلْتَ سَأَنْتَقِمُ مِنْكَ

    ج ٤ ص ٢٨١وَمِثْلُهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} مَعْنَى السِّينِ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ إِلَى حِينٍ

    وَقَالَ الطِّيبِيُّ مُرَادُ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ السِّينَ فِي الْإِثْبَاتِ مُقَابِلَةُ إِنْ فِي النَّفْيِ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ السِّينُ تَوْكِيدٌ لِلْوَعْدِ بَلْ كَانَتْ حِينَئِذٍ تَوْكِيدًا لِلْمَوْعُودِ بِهِ كَمَا أَنَّ لَوْ تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ بِهَا

    وَتَأْتِي زَائِدَةٌ كقوله: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} أي تجيبون

    وقوله: {ويستجيب الذين آمنوا}

  30. سَوْفَ

    حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى التَّأْخِيرِ وَالتَّنْفِيسِ وَزَمَانُهُ أَبْعَدُ مِنْ زَمَانِ السِّينِ لِمَا فِيهَا مِنْ إِرَادَةِ التَّسْوِيفِ

    وَمِنْهُ قِيلَ: فُلَانٌ يُسَوِّفُ فُلَانًا قال تعالى: {وسوف تسألون}

    وَقَالَ: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ} فَقَرَّبَ الْقَوْلَ

    وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ الْخَشَّابِ فِي شَرْحِ الْجُمَلِ وَابْنُ يَعِيشَ وَابْنُ أَبَانٍ وَابْنُ بَابَشَاذَ وَابْنُ عُصْفُورٍ وَغَيْرُهُمْ

    وَمَنَعَ ابْنُ مَالِكٍ كَوْنَ التَّرَاخِي فِي سَوْفَ أَكْثَرَ بِأَنَّ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ مُتَقَابِلَانِ وَالْمَاضِي لَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا مُطْلَقُ الْمُضِيِّ دُونَ تَعَرُّضٍ لِقُرْبِ الزَّمَانِ أَوْ بُعْدِهِ فَكَذَا الْمُسْتَقْبَلُ لِيَجْرِيَ الْمُتَقَابِلَانِ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اسْتُعْمِلَا فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} وَفِي سُورَةِ التَّكَاثُرِ: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}

    ج ٤ ص ٢٨٢
  31. وقوله: {سوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما}

    قُلْتُ: وَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قوله تعالى: {وسوف يؤت الله المؤمنين} ، وقوله: {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} معبرا بِهِ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ

    وَلِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْوَالَ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَا قُرِنَ بِالسِّينِ لِمَا فِي الدُّنْيَا وَمَا قُرِنَ بِسَوْفَ لِمَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا يخفى خروج

    ج ٤ ص ٢٨٣قوله: {كلا سيعلمون} ، وقوله: {كلا سوف تعلمون} عَنْ دَعْوَاهُ لِأَنَّ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ مَعَ سَوْفَ لَا إِسْكَانَ فِيهِ وَمَعَ السِّينِ لِلْمُبَالَغَةِ وَقَصْدِ تَقْرِيبِ الْوُقُوعِ بِخِلَافِ سَيَقُومُ زَيْدٌ وَسَوْفَ يَقُومُ مِمَّا الْقَصْدُ فِيهِ الْإِخْبَارُ الْمُجَرَّدُ

    وَفَرَّقَ ابْنُ بَابَشَاذَ أَيْضًا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سَوْفَ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَعْدِ

    مِثَالُ الْوَعِيدِ: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ من أضل سبيلا} و {كلا سيعلمون}

  32. وَأَمْثَالُهَا فِي الْوَعْدِ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} لِتَضَمُّنِهِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ جَمِيعًا فَالْوَعْدُ لِأَجْلِ الْمُؤْمِنِينَ والمحبين وَالْوَعِيدُ لِمَا تَضَمَّنَتْ مِنْ جَوَابِ الْمُرْتَدِّينَ بِكَوْنِهِمْ أَعِزَّةً عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ الْكَافِرِينَ

    وَالْأَكْثَرُ فِي السِّينِ الْوَعْدُ وَتَأْتِي لِلْوَعِيدِ

    مِثَالُ الْوَعْدِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ ودا}

  33. وَمِثَالُ الْوَعِيدِ: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ ينقلبون}

  34. عَلَى

    لِلِاسْتِعْلَاءِ حَقِيقَةً نَحْوُ: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تحملون}

    ج ٤ ص ٢٨٤
  35. أو مجازا نحو {ولهم علي ذنب}

  36. {فضلنا بعضهم على بعض}

  37. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يموت} فَهِيَ بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ وَالْإِسْنَادِ أَيْ أَضَفْتُ تَوَكُّلِي وَأَسْنَدْتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى الِاسْتِعْلَاءِ فإنها لا تفيده هاهنا

    وللمصاحبة كقوله: {وآتى المال على حبه}

  38. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ}

  39. وَتَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ نَحْوُ: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هداكم} أَيْ لِهِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ

    قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا ذُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِي الْغَالِبِ مَعَ الْحَمْدِ لَمْ تَقْتَرِنْ بعلى نَحْوُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} {الحمد لله فاطر السماوات والأرض} وَإِذَا أُرِيدَتِ النِّعْمَةُ أُتِيَ بِـ "عَلَى" فَفِي الْحَدِيثِ كَانَ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" ثُمَّ أَوْرَدَ هَذِهِ الْآيَةَ

    وَأَجَابَ بِأَنَّ الْعُلُوَّ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ

    وَتَجِيءُ لِلظَّرْفِيَّةِ نَحْوُ: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ على حين غفلة من أهلها}

  40. ونحو: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} أَيْ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ أَوْ فِي زَمَنِ سليمان أي زمن ملكه

    ويحتمل أن تتلوا ضَمِنَ مَعْنَى تَقُولُ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ: {وَلَوْ تَقَوَّلَ علينا}

    ج ٤ ص ٢٨٥