القسم الثاني: من الموازنة بين الشعرين والإجادة فيهما من الجانبين

٧٧ فقرة، ج ١ ص ٥٠٠

الصفحة ١ من ٢

  1. مع قوله:
  2. إذا نحن شبهناك بالبدر طالعًا ... بخسانك حَظّاً أنتَ أَبْهى وأَجمَلُ

    ونَظْلِمُ إنْ قِسْناك بالليثِ في الوغَى ... لأَِنكَ أحْمى للحريمِ وأَبسَلُ

    ٥٧٢ - ذكرُ ما أنتَ ترى فيه في كلِّ واحدٍ من البيتين صنعةً وتصويراً واستاذيةً على الجملة، فمن ذلك، وهو في النادر، قول لبيد:

    واكذِبِ النفسَ إِذا حدَّثْتَها ... إنَّ صدْقَ النفسِ يُزري بالأَمَلْ١

  3. مع قولِ نافعِ بنِ لَقيط٢:
  4. وإِذا صدقتَ النفسَ لم تَتركْ لها ... أَملاَ ويأمُلُ ما اشْتَهى المكذوبُ٣

    وقولُ رجلٍ من الخوارج أُتِيَ به الحجاج في جماعةٍ من أصحاب قَطَرِيٍّ فقتلَهم، ومنَّ عليه لِيَدٍ كانت عنده، وعاد إلى قطري، فقال له قطرىك عاود قتال عدو الله الحججاج. فأبى وقال:

    ج ١ ص ٥٠١أَأُقاتِل الحجَّاجَ عَنْ سُلْطانه ... بِيدٍ تُقِرُّ بأَنها مَولاتُهُ

    ماذا أقولُ إذا وقفتُ إزاءَهُ ... في الصفِّ واحتجَّتْ لَهُ فَعَلاتُهُ

    وتحدَّثَ الأَقوامُ أنَّ صَنائعاً ... غُرِسَتْ لَدَيَّ فَحَنْظَلَتْ نَخلاتُهُ١

  5. مع قول أبي تمام:
  6. أُسَرْبِل هُجْرَ القولِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ ... إذَنْ لهجانى عنه معروفه عندي

  7. وقول النابغة:
  8. إذا ما غزا بالجيشِ حلَّقَ فَوْقَهُ ... عَصائِبُ طيرٍ تَهْتَدي بعَصَائبِ

    جوانحَ قَدْ أيقنَّ أن قَبِيلَهُ ... إِذا ما التَقى الصفَّانِ أولُ غالِبِ٢

  9. مع قولِ أَبي نواس:
  10. وإِذا مَجَّ القَنا عَلَقَا ... وتراءَى الموتُ في صُوَرِهُ

    راحَ في ثِنْيَيْ مُفاضَتِهِ ... أَسَدٌ يَدمى شَبا ظفُرهْ

    تتأيى الطيرُ غُدْوَته ... ثِقةً بالشِبْع من جَزَرِهُ٣

    المقصودُ البيت الأخير.

  11. ٥٧٣ - وحكى المرزباني قال: "حدثني عمرو الوراق قال: رأيتُ أبا نواس يُنْشد قصيدتَه التي أولها:

    ج ١ ص ٥٠٢
  12. أيها المنتاب عن عفره١
  13. فسحدته، فلما بلغ إلى قوله:
  14. تتأيى الطيرُ غدوتَهُ ... ثِقةً بالشِّبْع مِن جَزَرِهُ

    قلتُ له: ما تركتَ للنابغة شيئاً حيثُ يقولُ: "إِذا ما غدَا بالجيش "، البيتين، فقال: اسكُتْ، فلئن كان سَبَقَ فما أسأْتُ الاتِّباعَ" .

  15. وهذا الكلام من أبينواس دليلٌ بيِّنٌ في أنَّ المعنى يُنْقَل من صورةٍ إِلى صورة. ذاك لأنه لو كان لا يكونُ قد صنَعَ بالمعنى شيئاً، لكانَ قوله: "فما أسأتُ الاتِّباع" مُحالاً، لأنه على كل حالٍ لم يَتْبَعْه في اللفظ. ثم إنَّ الأَمر ظاهرٌ لِمَن نظَر في أنه قد نَقَل المعنى عن صورته التي هو عليها في شِعْر النابغَة إِلى صورةٍ أُخرى. وذلك أن ههنا معنيَيْنِ:

    أحدُهما: أصْلٌ، وهو: عِلْمُ الطَّير بأنَّ الممدوحَ إِذا غزا عَدُوّاً كان الظفَرُ له، وكان هو الغالبَ.

  16. والآخرُ فرْعٌ، وهو: طمَعُ الطيرِ في أن تتَّسع عليها المطاعِمُ من لحوم القتلى.

  17. وقد عَمَد النابغةُ إِلى "الأَصْل" ، الذي هو علْمُ الطير بِأنَّ الممدوحَ يكونُ الغالبَ، فذَكَره صريحاً، وكَشَفَ عن وجهه، واعتمَدَ في "الفرع" الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى، وأَنها لذلك تُحَلِّقُ فوقه على دلالةِ الفَحْوى.

    ج ١ ص ٥٠٣
  18. وعكَسَ أبو نواس القصَّة، فذكَر "الفرْعَ" الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى صريحاً، فقال كما ترى:

    ثقة بالشِّبْعِ مِنْ جزرهُ

    وعوَّلَ في "الأَصْل" ، الذي هو علمُها بأنَّ الظفرَ يكونُ للمدوح، على الفحوى. ودلالةُ الفحوى على عِلْمِها أنَّ الظفر يكون للمدوح، هي في أَنْ قال: "من جَزَرِه" ، وهي لا تثق بأن شبعها يكون في جَزَر الممدوح، حتى تعلمَ أَنَّ الظَّفر يكونُ له.

  19. أفيكونُ شيءٌ أظهرَ من هذا في النقلِ عن صورةٍ إِلى صورة؟

  20. ٥٧٤ - أرجِعُ إِلى النَّسق ومن ذلك قول أبي العتاهية:

    شِيمٌ فَتَّحَتْ من المدْحِ ما قَدْ ... كانَ مُسْتَغلَقاً على المُدَّاحِ١

  21. مع قولِ أبي تمام:
  22. نظمتْ له خرَز المديحِ مَواهِبٌ ... يَنْفُثْنَ في عقد اللسان المفحم

  23. وقول أبي وجزة:
  24. أتاكَ المَجْدُ منْ هَنَّا وهَنَّا ... وكنتَ له بمجتمع السيول٢

  25. مع قول منصور النمرى:
  26. إنَّ المكارِمَ والمعروفَ أَوديةٌ ... أَحلَّكَ اللهُ منها حيث تجتمع١

  27. وقول بشار:
  28. الشّيبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أنْ يُفارِقَني ... أَعْجِبْ بشيءٍ على البغضاء مودود٢

  29. مع قول البحتري:
  30. تعيب العانيات عليَّ شَيبي ... ومَنْ لي أن أمتَّعَ بالمَعيبِ

  31. وقول أبيتمام:
  32. يشتاقُهُ مِنْ كمَالِهِ غدُهُ ... ويُكْثِرُ الوَجْدَ نحوهُ الأمس

  33. مع قول ابن الرومي:
  34. إمامٌ يَظَلُّ الأمسُ يُعمِلُ نَحْوهُ ... تَلَفُّتَ ملْهوفٍ ويَشْتاقُهُ الغَدُ٣

    لا تنظرْ إِلى أنه قال: "يشتاقُه الغَدُ" ، فأعادَ لفظَ أبي تمام، ولكنَّ انْظُرْ إِلى قوله: يُعملُ نحوَهُ تلفتَ ملهوفٍ.

  35. وقولُ أبي تمام:
  36. لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يودى شكرها الذئب والنسر

    ج ١ ص ٥٠٥
  37. مع قول المتبني:
  38. وأنْبتَّ مِنْهُمْ ربيعَ السِّباعِ ... فأَثْنَتْ بإحسانِكَ الشاملِ

  39. وقولُ أبي تمام:
  40. ورُبَّ نائي المَغاني رُوحُهُ أبداً ... لَصِيقُ رُوحي ودان ليس بالدانى