في النظم يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع
٤٥ فقرة، ج ١ ص ٩٣
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ١٠٣
غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عَلَيْها ... فَبنَاها في وَجْنة الدَّهرِ خَالا٢
قد تَرى في أَول الأمرِ أنَّ حُسْنه أَجْمَع في أنْ جَعلَ للدَّهرِ "وَجْنةً" ، وجَعَلَ البُنيَّة "خالاً" في الوجنة٣، وليسَ الأَمرُ على ذلك، فإنَّ مَوْضعَ الأُعجوبةِ في أنْ أَخْرج الكلام مخْرجَهُ الذي تَرى، وأَنْ أَتَى "بالخالِ" منصوباً على الحال من قوله "فَبنَاها" . أفَلاَ ترى أَنك لو قُلْتَ: "وهي خالٌ في وَجْنة الدَّهر" ، لوجدْتَ الصورة غيرَ ما تَرى؟ وشبيهٌ بذلك أنَّ ابنَ المعتزَّ قال:
يا مِسْكةَ العطَّارِ ... وخالَ وَجْهِ النهارِ٤
وكانت المَلاحَةُ في الإِضافةِ بعد الإضافة، لا في استعارةِ لفظةِ "الخالِ" إذْ معلومٌ أَنه لو قالَ: "يا خالا في وجهِ النهار" أو "يا مَنْ هو خالٌ في وجْه النهار" ، لم يكن شيئًا.
- ج ١ ص ١٠٤
ما يقال في تتابع الإضافات:
٩٦ - ومِنْ شأنِ هذا الضربِ أن يَدْخلَه الاستكراهُ، قال الصاحبُ: "إياكَ والإضافاتِ المُتَداخلةَ١، فإنَّ ذلك لا يَحْسُن" ، وذكَر أَنَّه يُستعملُ في الهجاء كقول القائل:
يا عليُّ بنُ حمزةَ بنِ عمارَةْ ... أنتَ والله ثلجة في خياره٢
ولا شبهة فيثقل ذلك في الأَكثر، ولكنه إِذا سَلِمَ منَ الاستكراهِ لطُفَ ومْلحَ.
-
ومما حَسُنَ فيه قولُ ابن المعتز أيضًا؟
وظَلَّتْ تُديرُ الراحَ أَيْدي جآذرٍ ... عتاقِ دَنانيرِ الوجوهِ مِلاحِ٣
ومما جاءَ منه حَسَناً جميلاً قول الخالدي في صفة غلام له:
ويَعرِفُ الشِّعْرَ مثْلَ مَعْرِفَتي ... وهْو عَلَى أنْ يزيد مجتهد
وصيرفي القريض، وزان دينار المـ ... ـعاني الدقاق، منتقد٤
- ومنه قول أبي تمام:
-
خُذْها ابْنَةَ الفكْرِ المهذَّب في الدُّجى ... والليلُ أَسْوَدُ رُقْعَةِ الجِلْبابِ٥
٩٧ - ومما أكثرُ الحُسْنِ فيه بسبب النظم، قول المتنبى:
ج ١ ص ١٠٥وقَيَّدتُ نَفْسي في ذَرَاك مَحَبةً ... ومَنْ وَجَدَ الإِحسانَ قَيْداً تَقيَّدا١
الاستعارةُ في أصْلها مُبْتذلة معروفةٌ، فإنَّك ترَى العاميَّ يقولُ للرجل يَكْثُر إحسانُه إِليه وَبرُّهُ له، حتى يألَفَه ويختارَ المقامَ عنده: "قد قيَّدني بكثرةِ إِحسانِه إليَّ، وجميلِ فِعْله معي، حتى صارتْ نَفسي لا تُطاوِعُني على الخروجِ من عنْدِه" ، وإِنّما كان ما تَرى منَ الحُسْن، بالمَسْلك الذي سلَكَ في النظم والتأليف.