الفروق في الخبر: نكت أخرى للتعريف

٤٤ فقرة، ج ١ ص ١٨٢

الصفحة ٢ من ٢

  1. وهكذا محال أن تقصد في قولِه: "هُوَ الواهبُ المئةَ المصطفاةَ" ، إلى هبةٍ واحدةٍ، لأنه يَقْتضي أَن يقصِدَ إلى مِئةٍ منَ الإبلَ قد وَهَبها مرةً، ثم لم يعد لمثلها. ومعلوم أن خلافُ الغرضِ، لأنَّ المعنى أنه الذي مِنْ شأنِه أن يَهَبَ المئةَ أبداً، والذي يبلغُ عطاره هذا المبلغَ، كما تقول: "هو الذي يُعطي مادحة الألف والألفين" ، وكقوله:

    وحاتمُ الطائيُّ وهَّابُ المِئي١

    وذلك أوضَحُ من أن يخفى.

    ج ١ ص ١٩٥
  2. الألف واللام الدالة على الجنسية لها مذهب في الخبر، غيره في المبتدأ ووجوه هذا المعنى:

    ٢١٨ - وأصْلٌ آخرُ: وهو أن مِنْ حَقِّنا أن نعْلم أنَّ مَذْهَب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير مذهبها وهو مبتدأ.

  3. تفسيرُ هذا: أنَّا وإنْ قلْنا إنَّ "اللامَ" في قولك: "أنت الشجاعُ" للجنس، كما هُوَ له في قولهم: "السجاع موقي، والجبان ملقي" ١، فإن الفرق ينهما عظيمٌ. وذلك أنَّ المعنى في قولك: "الشجاعُ مُوَقَّى" ، أنك تُثْبِتُ الوقايةَ لكلِّ ذاتٍ مِنْ صفتها الشجاعةُ، فهو في معنى قولِك: الشجعانُ كلُّهم مُوَقَّوْنَ. ولستُ أقولُ إن الشجاعَ كالشجعان على الإطلاق، وإنْ كان ذلك ظنَّ كثيرٍ من الناس، ولكني أريدُ أنك تَجعلُ الوقايةَ تستغرق الجنس وتشتمله وتَشِيعُ فيه. وأمَّا في قولك: "أنت الشجاعُ" ، فلا مَعنى فيهِ للاستغراقِ، إذْ لسْتَ تُريد أن تَقولَ: "أنتَ الشجعانُ كلُّهم" حتى كأنكَ تَذْهَبُ به مذْهَب قولِهِمْ: "أنتَ الخَلْقُ كلُّهم" و "أنت العالم" ، كما قال:

    وليس الله بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ٢

    ٢١٩ - ولكن لحديث "الجنسية" ههنا مأخذ آخرَ غيرَ ذلك، وهو أنك تَعْمدُ بها إلى المصدِر المشتقِّ منه الصفةُ وتُوجِّهُها إليه، لا إلى نفسِ الصِّفَة. ثُم لكَ في تَوْجيهها إليه مَسْلَكٌ دقيقٌ. وذلك أنَّه ليس القصْدُ أَنْ تأتيَ إلى شَجاعاتٍ كثيرةٍ فَتجمَعَها له وتُوجِدَها فيه، ولا أنْ تَقول: إنَّ الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ وجودُها في الموصوفينَ بالشجاعة هي موجودةٌ فيه لا فيهم هذا كلُّه محالٌ، بل المعنى على أنك تقولُ: كنَّا عقَلْنا الشجاعةَ وعرَفْنا حقِيقَتَها، وما هي؟ وكيف يَنبغي أن يكون الإنسانُ في إقدامِه وبَطْشه حتى يعلم أنه شجاع على

    ج ١ ص ١٩٧الكمال: واستَقْرَيْنا الناسَ فلم نجدْ في واحدٍ منهم حقيقةَ ما عرَفْناه، حتى إِذا صِرْنا إلى المخاطَبِ، وَجدْناه قِد استكمَلَ هذه الصفةَ، واستجمعَ شرائِطَها، وأخلصَ جوهرَهَا، ورسَخَ فيهِ سِنخُها١. ويُبيِّن لك أنَّ الأمرَ كذلك اتفاقُ الجميعِ على تفسيِرهم له بمعنى الكامِل، ولو كان المعنى على أنهُ اسْتغْرق الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ كونها في الوصوفين بالشجاعة، لَمَا قالوا إنَّه بمعنى الكامل في الشجاعِة، لأنَّ الكمالَ هو أن تكونَ الصِّفة على ما يَنْبغي أَن تكونَ عليه، وأنْ لا يخالِطَها ما يَقْدحُ فيها، وليس الكمالُ أن تجتمعَ آحادُ الجنسِ وينضمَّ بعضُها إلى بعض. فالغرض إذان بقولنا: "أنتَ الشجاعُ" ، هو الغرَضُ بقولهم: "هذه هيَ الشجاعةُ على الحقيقة، وما عَداها جُبْنٌ" و "هكذا يكون العلم، وما عداه تخيل" ٢، و "هذا هو الشعرُ" وما سواهُ فليس بشيءٍ ". وذلك أَظَهرُ من أَنْ يَخفى.

    ج ١ ص ١٩٦
  4. ٢٢٠ - وضربٌ آخرُ منَ الاستدلال في إبطالِ أن يكونَ "أنتَ الشجاعُ " بمعنى أنكَ كأنكَ جميعُ الشجعانِ، على حَدِّ " أنتَ الخلْقُ كلُّهم "٣، وهو أنك في قولك: " أنت الخلق " و " أنت الناس كلهم " و " قد جميع العالَم مِنْكَ في واحدٍ "، تدَّعي له جميعَ المعاني الشريفةِ المتفرقةِ في الناسِ، من غيرِ أن تُبْطِل تلك المعاني وتَنْفيها عن الناس، بل على أن تَدَّعي له أمْثالَها. ألا تَرى أنك إذا قلتَ في الرجلِ: " إنه معدود بألف رجل"، فلست

    ج ١ ص ١٩٨تعني أنه معدود بألف لا مَعْنى فيهم ولا فضيلةَ لهم بوجْهٍ١، بل تريدُ أنَّه يُعْطِيكَ من معاني الشجاعةِ أو العِلْمِ أو كذا أو كذا مجموعاً٢، مَّا لا تَجِدُ مقدارَه مفرَّقاً إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ" ، فإنك تدعي له مقدارَه مفرَّقاً إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ" ، فإنك تدَّعي له أن قد انفردَ بحقيقةِ الشجاعةِ، وأنه قد أُوتي فيها مزيَّةً وخاصيَّةً لم يُؤْتَها أَحدٌ، حتى صار الذي كان يَعدُّه الناسُ شجاعةً غيرَ شجاعةٍ، وحتى كأَنَّ كلَّ إقدامٍ إحجامٌ، وكلَّ قوةٍ عُرِفَتْ في الحرب ضَعْفٌ. وعلى ذلك قالوا: "جادَ حتى بَخَلَ كلَّ جوادٍ، وحتى منَعَ أن يَسْتحِقَّ اسمَ الجوادِ أحَدٌ" ، كما قال:

    وإنَّكَ لا تَجود عَلَى جوادٍ ... هِباتُكَ أنْ يُلَقَّبَ بالجوادِ٣

    وكما يقالُ: "جادَ حتى كَأَنْ لم يُعْرَف لأحدٍ جودٌ، وحتى كَأَنْ قد كذب الواصفون الغيث بالجود" ، كما قال:

    أعطيتَ حتى تَركْتَ الريحَ حاسِرةً ... وَجُدْتَ حتّى كأن الغيث لم يجد٤