الفروق في الحال:

٥٢ فقرة، ج ١ ص ٢٠٢

الصفحة ٢ من ٢

  1. قيل: ليس المانعُ أن يكون "يُسرع " في قولك: " جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه "؟ حالاً من زيدٍ أنَّه فعلٌ لعمرو، فإنك لو أخَّرْتَ " عَمراً " فرفَعْتَه " بيُسرع "، وأولَيْتَ " يسرع " زيدًا فقلت: " جاءني زيد يسرع عمرو أَمامَه " وجدتَه قد صلُح حالاً لزيدٍ، مع أنه فعْلٌ لعمرو وإنما المانعُ ما عرَّفْتُكَ، مِنْ أنكَ تدَعُ " عَمراً" بمَضِيعةٍ٣، وتجيءُ به مبتدأً، ثم لا تعطيه خبرًا٤.

    ج ١ ص ٢١٦
  2. ومما يدل على فساد ذلك أن يؤدِّي إلى أن يكونَ "يُسرع" قد اجتمعَ في موضعِه النصْبُ والرفعُ، وذلك أنَّ جعْلَه حالاً من "زيدٍ" يَقتضي أن يكونَ في موضع نصب وجعله خبرًا عن "‘مرو" المرفوعِ بالابتداءِ يَقتضي أَنْ يكونَ في موضعِ رفعٍ. وذلك بيِّنُ التدافعِ. ولا يَجِبُ هذا التدافعُ إذا أخَّرْتَ "عمراً" فقلْتَ: "جاءني زيدٌ يسرع عمرو أمامه" ، لأنك ترفعه حينئذ بيسرعُ١، على أنه فاعلٌ له، وإذا ارتفعَ به لم يوجب في موضعه إعرابًا٢،

    ج ١ ص ٢١٨فيبقى مُفْرَغاً لأن يُقدَّرَ فيه النصْبُ على أَنه حالٌ من "زيدٍ" وجَرَى مجْرى أن تقول "جاءني زيد مسرعًا عمرو أمامه" .

    ج ١ ص ٢١٧
  3. القياس أن لا تَجيءَ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ إلا مع الواو، وعلة ترك ذلك:

    ٢٤٦ - فإن قلتَ: فقد يَنبغي على هذا الأصلِ أن لا نجيء جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ معِ "الواو" ، وقد ذكرتُ قبْلُ أنَّ ذلك قد جاءَ في مواضعَ من كلامهم١.

  4. فالجوابُ أنَّ القياسَ والأصْلَ أن لا تَجيءَ جملةٌ مِن مبتدأٍ وخبرٍ حالاً إلاَّ مع "الواو" ، وأمَّا الذي جاءَ من ذلك فَسَبيلهُ سبيلُ الشيءِ يَخرجُ عن أَصْله وقياسِه والظاهرِ فيه، بضربٍ منَ التَّأويل ونوعٍ منَ التشبيه، فقَولُهم: "كلَّمتُهُ فوهُ إلى فيَّ" ٢، إنما حَسُن بغيرِ "واو" من أجْل أنَّ المعنى: كلَّمْتُهُ مشافِهاً له وكذلك قولُهم: "رجعَ عَوْدُه على بَدْئه" ، ٢ إنما جاءَ الرفعُ فيه والابتداءُ من غيرِ "واو" ، لأن المعنى: رجَعَ ذاهباً في طريقه الذي جاءَ فيه وأما قولُه: "وجدتُه حاضراهُ الجودُ والكرمُ" ٣ فلأَنَّ تقديمَ الخَبر الذي هو "حاضراهُ" ، يجعله.

  5. كأنه قال: "وجدتُه حاضراً عندَهُ الجودُ والكرمُ" .

    ج ١ ص ٢١٩
  6. وليس الحَمْلُ على المعنى، وتَنزيلُ الشيءِ منزلةَ غيرِه، بعَزيزٍ في كلامِهم، وقَدْ قالوا: "زيدٌ أضرِبْه" ، فأجازوا أن يكونَ مثالُ الأمر في موضعِ الخَبر، لأنَّ المعنى على النَّصب نحوُ: "اضرب زيد" ووضَعوا الجملةَ، من المبتدأ والخبر موضعِ الفعل والفاعل في نحوِ قولِهِ تعالى١: {أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: ١٩٣] ، لأنَّ الأصْلَ في المعادلة أن تكونَ الثانيةُ كالأُولى نحو: "أدعَوْتموهم أم صَمَتُّمْ" .

  7. ويدلُّ على أنْ ليس مجيءُ الجملةِ من المبتدإ والخبر حالاً بغيرِ "الواو" أصلاً، قلَّتُهُ٢، وأنه لا يَجيءُ إلاَّ في الشيءِ بَعْدَ الشيءِ.

  8. هذا، ويجوزُ أنْ يكونَ ما جاءَ مِن ذلك إنما جاءَ على إرادةِ "الواو" ، كما جاءَ الماضي على إرادة "قد" .

  9. ٢٤٧ - واعلمْ أنَّ الوجْهَ فيما كان مثلَ قولِ بشار:

    خرجْتُ مَعَ البازي عَلَيَّ سوادُ٣

    أنْ يُؤخذَ فيه بمذهبِ أبي الحَسنِ الأَخْفش٤، فيُرفَعَ ِ "سواد" بالظرف دون الابتداء، ويجري الظرفُ ههنا مجرْاه إذا جرَتِ الجملةُ صفةً على النكرة

    ج ١ ص ٢٢٠نحوُ: "مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً" ١، وذلك أنَّ صاحبَ الكتاب يُوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع "صقرًا" بما في "معه" من معنى الفعلِ، فلذلكَ يجوزُ أن يُجْرِيَ الحالَ مَجْرى الصفةِ، فيَرفعَ الظاهرَ بالظْرف إذا هو جاءَ حالاً، فيكونَ ارتفاعُ "سَوادُ" بما في "عَلَيَّ" من معنى الفعل، لا بالإبتداءِ.

  10. ثم ينبغي أن يُقدَّر ههنا خصوصاً أن الظرفَ في تقديرِ اسم فاعلٍ لا فعل، أعني أنْ يكونَ المعنى: "خرجتُ كائناً عَلَيَّ سوادٌ، وباقياً عَلَيَّ سواد، ولا يقدر: " يكون علي سواد "، و " يبقى عَلَيَّ سَوادُ "، اللهمَّ إلاَّ أنْ تُقدِّر فيه فعْلاً ماضياً مع " قد " كقولك: " خرجتُ مع البازي قدْ بقيَ عَلَيَّ سوادُ "، والأولُ أظهرُ.

  11. ٢٤٨ - وإذا تأملتَ الكلامَ وجدتَ الظرفَ وقَدْ وقَعَ مواقِعَ لا يستقيمُ فيها إلا أنْ يُقدَّر تقديرَ اسم فاعلٍ، ولذلك قال أبو بكرِ من السرَّاج في قولِنا٢: "زيدٌ في الدار "، إنك مُخيَّرٌ بَيْنَ أنْ تُقدِّرَ فيه فعلاً فتقولَ: " استقرَّ في الدارِ "، وبينَ أَن تقدِّرَ اسمَ فاعلٍ فتقولَ: " مستقرٌّ في الدار "، وإذا عاد الأمرُ إلى هذا، كان الحالُ في تركِ " الواو " ظاهرة٣، وكان " سواد " ي قوله " خرجتُ مع البازي عَلَيَّ سوادُ "، بمنزلة " قضاء الله" في قوله:

    سأَغْسِلُ عَنّي العارَ بالسيفِ جالِباً ... عَلَيَّ قضاءَ الله ما كان جالبًا٤

    ج ١ ص ٢٢١في كونِهِ اسماً ظاهراً قد ارتفعَ باسمِ فاعلٍ قد اعتمَدَ على ذي حالٍ، فعَمِلَ عَملَ الفِعْل.

  12. ويدلُّكَ على أن التقديرَ فيه ما ذكرتُ، وأنه من أجْل ذلك حَسُنَ١، أنَّكَ تَقول: "جاءني زيدٌ والسيفُ على كَتِفه" و "خرج والتاجُ عليه" ، فتَجِدُه لا يَحْسُن إلا بالواوِ، وتعَلم أنَّكَ لو قلتَ: "جاءني زيدٌ السيفُ على كتفه" و "خرج التاجُ عليه" ، كان كلاماً نافراً لا يكادُ يقعُ في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلةِ قولِك: "جاءني وهو متقلد سيفه" و "خرج وهو لابسٌ التاجَ" ، في أنَّ المعنى على أنك استأنفْتَ كلاماً وابتدأْتَ إثباتاً وأنك لم تُرِدْ: "جاءني كذلكَ" ولكن "جاءني وهُوَ كذلكَ" ، فاعرفه.