سئل شيخ الإسلام
٥٥ فقرة، ج ٢ ص ٣٥٨
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٢ ص ٣٦٤
وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي فِي مُسلم فِي دُعَاء الاستفتاح اللَّهُمَّ أَنْت الْملك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي فَاغْفِر لي ذُنُوبِي جَمِيعًا فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ سيد الاسْتِغْفَار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعتمك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لايغفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت من قَالَهَا إِذا أصبح موقنا بهَا فَمَاتَ من يَوْمه دخل الْجنَّة وَمن قَالَهَا إِذا أَمْسَى موقنا بهَا فَمَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة
-
فَالْعَبْد عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بِعدْل الله وإحسانه فَإِنَّهُ لايظلم النَّاس شَيْئا فَلَا يُعَاقب أحدا إِلَّا بِذَنبِهِ وَهُوَ يحسن إِلَيْهِم فَكل نقمة مِنْهُ عدل وكل نعْمَة مِنْهُ فضل
-
فَقَوله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فِيهِ إِثْبَات انْفِرَاده بالإلهية والألهية تَتَضَمَّن كَمَال علمه وَقدرته وَرَحمته وحكمته فَفِيهَا إِثْبَات إحسانه إِلَى الْعباد فَإِن الْإِلَه هُوَ المألوه والمألوه هُوَ الَّذِي يسْتَحق أَن يعبد وَكَونه يسْتَحق أَن يعبد هُوَ بِمَا اتّصف بِهِ من الصِّفَات الَّتِي تستلزمك أَن يكون هُوَ المحبوب غَايَة الْحبّ المخضوع لَهُ غَايَة الخضوع وَالْعِبَادَة تَتَضَمَّن غَايَة الْحبّ بغاية الذل
-
وَقَوله {سُبْحَانَكَ} يتَضَمَّن تَعْظِيمه وتنزيهه عَن الظُّلم وَغَيره من النقائص فَإِن التَّسْبِيح وَإِن كَانَ يُقَال يتَضَمَّن نفي النقائص وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث مُرْسل من مَرَاسِيل مُوسَى بن طَلْحَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَول العَبْد سُبْحَانَ الله إِنَّهَا بَرَاءَة الله من السوء فالنفي لَا يكون مدحا إِلَّا إِذا تضمن ثبوتا وَإِلَّا فالنفي الْمَحْض لَا مدح فِيهِ وَنفي السوء وَالنَّقْص عَنهُ يسْتَلْزم إِثْبَات محاسنه وكماله وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى
-
وَهَكَذَا عَامَّة مَا يَأْتِي بِهِ الْقُرْآن فِي نفي السوء وَالنَّقْص عَنهُ يتَضَمَّن إِثْبَات محاسنه وكماله كَقَوْلِه تَعَالَى {الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم} فنفي أَخذ السّنة وَالنَّوْم لَهُ يتَضَمَّن كَمَال حَيَاته وقيوميته وَقَوله {وَمَا مسنا من لغوب} يتَضَمَّن كَمَال قدرته وَنَحْو ذَلِك فالتسبيح المتضمن تنزيهه عَن السوء وَنفي النَّقْض عَنهُ يتَضَمَّن تَعْظِيمه فَفِي قَوْله
ج ٢ ص ٣٦٥{سُبْحَانَكَ} تبرئته من الظُّلم وَإِثْبَات العظمة الْمُوجبَة لَهُ بَرَاءَته من الظُّلم فَإِن الظَّالِم إِنَّمَا يظلم لِحَاجَتِهِ إِلَى الظُّلم أَو لجهله وَالله غَنِي عَن كل شَيْء عليم بِكُل شَيْء وَهُوَ غَنِي بِنَفسِهِ وكل مَا سواهُ فَقير إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَال العظمة
-
وَأَيْضًا فَفِي هَذَا الدُّعَاء للتهليل وَالتَّسْبِيح فَقَوله {لَا إِلَه إِلَّا أَنْت} تهليل وَقَوله {سُبْحَانَكَ} تَسْبِيح وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن أَربع وَهن من الْقُرْآن سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر
-
والتحميد مقرون بالتسبيح وتابع لَهُ وَالتَّكْبِير مقرون بالتهليل وتابع لَهُ وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه سُئِلَ أَي الْكَلَام أفضل قَالَ مَا اصْطفى الله لملائكته سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَفِي الْقُرْآن {فسبح بِحَمْد رَبك} وَقَالَت الْمَلَائِكَة {وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك}
-
وَهَاتَانِ الكلمتان إِحْدَاهمَا مقرونة بالتحميد وَالْأُخْرَى بالتعظيم فَإنَّا قد ذكرنَا أَن التَّسْبِيح فِيهِ نفي السوء والنقائص المتضمن إِثْبَات المحاسن والكمال وَالْحَمْد إِنَّمَا يكون على المحاسن وَقرن بَين الْحَمد والتعظيم كَمَا قرن بَين الْجلَال وَالْإِكْرَام إِذْ لَيْسَ كل مُعظم محبوبا مَحْمُودًا وَلَا كل مَحْبُوب مَحْمُودًا مُعظما وَقد تقدم أَن الْعِبَادَة تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ المتضمن معنى الْحَمد وتتضمن كَمَال الذل المتضمن معنى التَّعْظِيم فَفِي الْعِبَادَة حبه وحمده على المحاسن وفيهَا الذل لَهُ الناشىء عَن عَظمته وكبريائه فَفِي إجلاله وإكرامه وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَحق للجلال وَالْإِكْرَام فَهُوَ مُسْتَحقّ غَايَة الإجلال وَغَايَة الْإِكْرَام
-
وَمن النَّاس من يحْسب أَن الْجلَال هُوَ الصِّفَات السلبية وَالْإِكْرَام الصِّفَات الثبوتية كَمَا ذكر ذَلِك الرَّازِيّ وَنَحْوه وَالتَّحْقِيق أَن كليهمَا صِفَات ثبوتية وَإِثْبَات الْكَمَال يسْتَلْزم نفي النقائص لَكِن ذكر نَوْعي الثُّبُوت وَهُوَ مَا يسْتَحق أَن يعظم كَقَوْلِه {إِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد} وَكَذَلِكَ قَوْله {لَهُ الْملك وَله الْحَمد} فَإِن كثيرا مِمَّن يكون لَهُ الْملك والغنى لَا يكون مَحْمُودًا بل مذموما إِذْ الْحَمد يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن الْمَحْمُود بمحاسنه المحبوبة فيتضمن إِخْبَارًا بمحاسن المحبوب محبَّة لَهُ
-
وَكثير مِمَّن لَهُ نصيب من الْحَمد والمحبة يكون فِيهِ عجز وَضعف وذل يُنَافِي العظمة والغنى وَالْملك فَالْأول يهاب وَيخَاف وَلَا يحب وَهَذَا يحب ويحمد وَلَا يهاب وَلَا يخَاف والكمال اجْتِمَاع الوصفين كَمَا ورد فِي الْأَثر أَن الْمُؤمن رزق حلاوة ومهابة وَفِي نعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ من رَآهُ بديهة هابه وَمن خالطه معرفَة أحبه
ج ٢ ص ٣٦٦فقرن التَّسْبِيح بالتحميد وَقرن التهليل بِالتَّكْبِيرِ كَمَا فِي كَلِمَات الْأَذَان ثمَّ إِن كل وَاحِد من النَّوْعَيْنِ يتَضَمَّن الآخر إِذا أفرد فَإِن التَّسْبِيح والتحميد يتَضَمَّن التَّعْظِيم ويتضمن إِثْبَات مَا يحمد عَلَيْهِ وَذَلِكَ يسْتَلْزم الإلهية فَإِن الإلهية تَتَضَمَّن كَونه محبوبا بل تَتَضَمَّن أَنه لَا يسْتَحق كَمَال الْحبّ إِلَّا هُوَ وَالْحَمْد هُوَ الْإِخْبَار عَن الْمَحْمُود بِالصِّفَاتِ الَّتِي يسْتَحق أَن يجب فالإلهية تَتَضَمَّن كَمَال الْحَمد وَلِهَذَا كَانَ الْحَمد لله مِفْتَاح الْخطاب وكل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أجدم وَسُبْحَان الله فِيهَا إِثْبَات عَظمته كَمَا قدمْنَاهُ وَلِهَذَا قَالَ {فسبح باسم رَبك الْعَظِيم} وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْعَلُوهَا فِي ركوعكم رَوَاهُ أهل السّنَن وَقَالَ اما الرُّكُوع فَعَظمُوا فِيهِ الرب وَأما السُّجُود فاجتهدوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ فقمن أَن يُسْتَجَاب لكم رَوَاهُ مُسلم فَجعل التَّعْظِيم فِي الرُّكُوع أخص مِنْهُ بِالسُّجُود وَالتَّسْبِيح يتَضَمَّن التَّعْظِيم
-
فَفِي قَوْله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ إِثْبَات تنزيهه وتعظيمه وإلهيته وحمده وَأما قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر فَفِي لَا إِلَه إِلَّا الله إِثْبَات محامده فَإِنَّهَا كلهَا دَاخِلَة فِي إِثْبَات إلهيته وَفِي قَوْله الله أكبر إِثْبَات عَظمته فَإِن الْكِبْرِيَاء تَتَضَمَّن العظمة وَلَكِن الْكِبْرِيَاء أكمل
-
وَلِهَذَا جَاءَت الْأَلْفَاظ الْمَشْرُوعَة فِي الصَّلَاة وَالْأَذَان بقول الله أكبر فَإِن ذَلِك أكمل من قَول الله أعظم كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ يَقُول الله تَعَالَى الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذبته فَجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء وَمَعْلُوم أَن الرِّدَاء أشرف فَلَمَّا كَانَ التَّكْبِير أبلغ من التَّعْظِيم صرح بِلَفْظِهِ وتضمن ذَلِك التَّعْظِيم وَفِي قَوْله سُبْحَانَ الله صرح فِيهَا بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم فَصَارَ كل من الْكَلِمَتَيْنِ متضمنا معنى الْكَلِمَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ إِذا أفردتا وَعند الاقتران تُعْطِي كل كلمة خاصيتها
-
وَهَذَا كَمَا أَن كل اسْم من أَسمَاء الله فَإِنَّهُ يسْتَلْزم معنى الآخر لَكِن هَذَا باللزوم وَأما دلَالَة كل اسْم على خاصيته وعَلى الذَّات بمجموعهما فبالمطابقة ودلالتها على أَحدهمَا بالتضمن
-
فَقَوْل الدَّاعِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ يتَضَمَّن معنى الْكَلِمَات الْأَرْبَع اللَّاتِي هن أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن وَهَذِه الْكَلِمَات تَتَضَمَّن مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى وَصِفَاته الْعليا فَفِيهَا كَمَال الْمَدْح
-
وَقَوله {إِنِّي كنت من الظَّالِمين} فِيهِ اعْتِرَاف بِحَقِيقَة حَاله وَلَيْسَ لأحد من الْعباد أَن يبرىء نَفسه عَن هَذَا الْوَصْف لَا سِيمَا فِي مقَام مناجاته لرَبه وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول أَنا خير من يُونُس بن مَتى وَقَالَ من قَالَ أَنا خير من يُونُس بن مَتى فقد كذب فَمن ظن أَنه خير من يُونُس بِحَيْثُ يعلم أَنه لَيْسَ
ج ٢ ص ٣٦٧عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بظُلْم نَفسه فَهُوَ كَاذِب وَلِهَذَا كَانَ سَادَات الْخَلَائق لَا يفضلون أنفسهم على يُونُس فِي هَذَا الْمقَام بل يَقُولُونَ كَمَا قَالَ أبوهم آدم وخاتمهم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم