سورة التين

٥٤ فقرة، ج ٣ ص ١٥٤

الصفحة ٢ من ٢

  1. وعَلى هَذَا قَوْله {فَمَا} وصف للأشخاص وَلم يقل فَمن لِأَن مَا يُرَاد بِهِ الصِّفَات دون الْأَعْيَان وَهُوَ الْمَقْصُود كَقَوْلِه {فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} وَقَوله {لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ} وَقَوله {وَنَفس وَمَا سواهَا} كَأَنَّهُ قيل فَمَا المكذب بِالدّينِ بعد هَذَا أَي من هَذِه صفته ونعته هُوَ جَاهِل ظَالِم لنَفسِهِ وَالله يحكم بَين عباده فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ من هَذَا النبأ الْعَظِيم

    ج ٣ ص ١٦٠
  2. وَقَوله {بعد} قد قيل انه (بعد مَا ذكر من دَلَائِل الدّين)

  3. وَقد يُقَال لم يذكر الا الاخبار بِهِ وَأَن النَّاس نَوْعَانِ فِي أَسْفَل سافلين وَنَوع لَهُم أجر غير ممنون فقد ذكر الْبشَارَة والنذارة وَالرسل بعثوا مبشرين ومنذرين

  4. فَمن كَذبك بعد هَذَا فحكمة إِلَى الله أحكم الْحَاكِمين وَأَنت قد بلغت مَا وَجب عَلَيْك تبليغه

  5. وَقَوله {فَمَا يكذبك} لَيْسَ نفيا للتكذيب فقد وَقع بل قد يُقَال انه تعجب مِنْهُ كَمَا قَالَ {وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد} الرَّعْد ١٣ ٥

  6. وَقد يُقَال ان هَذَا تحقير لشأنه وتصغير لقدره لجهله وظلمه كَمَا يُقَال من فلَان وَمن يَقُول هَذَا الا جَاهِل لكنه ذكر بِصِيغَة مَا فَإِنَّهَا تدل على صفته وَهِي الْمَقْصُودَة اذ لَا غَرَض فِي عينه كَأَنَّهُ قيل فأبي صنف وَأي جَاهِل يكذبك بعد بِالدّينِ فَإِنَّهُ من الَّذين يردون إِلَى أَسْفَل سافلين

  7. وَقَوله {أَلَيْسَ الله بِأَحْكَم الْحَاكِمين} يدل على أَنه الْحَاكِم بَين المكذب بِالدّينِ وَالْمُؤمن بِهِ وَالْأَمر فِي ذَلِك لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

    ج ٣ ص ١٦١وَالْقُرْآن لَا تَنْقَضِي عجائبه وَالله سُبْحَانَهُ بَين مُرَاده بَيَانا أحكمه لَكِن الِاشْتِبَاه يَقع على من لم يرسخ فِي علم الدَّلَائِل الدَّالَّة فان هَذِه السُّورَة وَغَيرهَا فِيهَا عجائب لَا تَنْقَضِي

  8. وَمِنْهَا أَن قَوْله {فَمَا يكذبك بعد بِالدّينِ} ذكر فِيهِ الرَّسُول المكذب وَالدّين المكذب بِهِ جَمِيعًا فَإِن السُّورَة تَضَمَّنت الْأَمريْنِ تَضَمَّنت الاقسام بأماكن الرُّسُل المبينة لعظمتهم وَمَا أَتَوا بِهِ من الْآيَات الدَّالَّة على دقهم الْمُوجبَة للايمان وهم قد أخبروا بالمعاد الْمَذْكُور فِي هَذِه السُّورَة

  9. وَقد أقسم الله عَلَيْهِ كَمَا يقسم عَلَيْهِ فِي غير مَوضِع وكما أَمر نبيه أَن يقسم عَلَيْهِ فِي مثل قَوْله {زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي لتبعثن} التغابن ٦٤ ٧ وَقَوله {وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَة قل بلَى وربي لتأتينكم} سبأ ٣٤ ٣

  10. فَلَمَّا تَضَمَّنت هَذَا وَهَذَا ذكر نَوْعي التَّكْذِيب فَقَالَ {فَمَا يكذبك بعد بِالدّينِ} وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

  11. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا ذَنْب لَهُ فِي ذَلِك وَالْقُرْآن مُرَاده أَن يبين أَن هَذَا الرَّد جَزَاء على ذنُوبه وَلِهَذَا قَالَ {إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} كَمَا قَالَ {إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ} الْعَصْر ١٠٣ ٢ و ٣

  12. لَكِن هُنَا ذكر الخسر فَقَط فوصف المستثنين بِأَنَّهُ تواصوا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ مَعَ الايمان وَالصَّلَاح وَهُنَاكَ ذكر أَسْفَل سافلين وَهُوَ الْعَذَاب وَالْمُؤمن المصلح لَا يعذب وان كَانَ قد ضيع أمورا خسرها لَو حفظهَا لَكَانَ رابحا غير خاسر وَبسط لَهُ مَوضِع آخر

    ج ٣ ص ١٦٢وَالْمَقْصُود هُنَا أَنه سُبْحَانَهُ يذكر خلق الانسان مُجملا ومفصلا

  13. وَتارَة يذكر احياءه كَقَوْلِه تَعَالَى {كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون} الْبَقَرَة ٢ ٢٨ وَهُوَ كَقَوْل الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام {رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت} الْبَقَرَة ٢ ٢٥٨

  14. فان خلق الحيوة ولوازمها وملزوماتها أعظم وأدل على الْقُدْرَة وَالنعْمَة وَالْحكمَة (آخر كَلَام الشَّيْخ على سُورَة والتين)