فصل

٥٩ فقرة، ج ٢ ص ١٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. وَمَتى ثَبت أَنه يعْقد لَهُ الذِّمَّة ثَبت أَن الْعبْرَة بِنَفسِهِ لَا بنسبه وَأَنه تُبَاح ذَبِيحَته وَطَعَامه بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَإِن الْمَانِع لذَلِك لم يمنعهُ إِلَّا بِنَاء على أَن هَذَا الصِّنْف لَيْسُوا من أهل الْكتاب فَلَا يدْخلُونَ فَإِذا ثَبت بِنَصّ السّنة أَنهم من أهل الْكتاب دخلُوا فِي الْخطاب بِلَا نزاع

    ج ٢ ص ٢٠
  2. الْوَجْه الثَّانِي أَن جمَاعَة من الْيَهُود الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وحولها كَانُوا عربا ودخلوا فِي دين الْيَهُود وَمَعَ هَذَا فَلم يفصل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أكل طعامهم وَحل نِسَائِهِم وإقرارهم بِالذِّمةِ بَين من دخل أَبَوَاهُ بعد مبعث عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَمن دخل قبل ذَلِك وَلَا بَين الْمَشْكُوك فِي نَفسه بل حكم فِي الْجَمِيع حكما وَاحِدًا عَاما فَعلم أَن التَّفْرِيق بَين طَائِفَة وَطَائِفَة وَجعل طَائِفَة لَا تقر بالجزية وَطَائِفَة تقر وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم وَطَائِفَة يقرونَ وتؤكل ذَبَائِحهم تَفْرِيق لَيْسَ لَهُ أصل فِي سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّابِتَة عَنهُ

  3. وَقد علم من النَّقْل الصَّحِيح المستفيض أَن أهل الْمَدِينَة كَانَ فيهم يهود كثير من الْعَرَب وَغَيرهم من بني كنَانَة وحمير وَغَيرهمَا من الْعَرَب وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِمعَاذ لما بَعثه إِلَى الْيمن

    ج ٢ ص ٢١إِنَّك تَأتي قوما أهل كتاب وَأمره أَن يَأْخُذ من كل حالم دِينَارا وعدله مغافر وَلم يفرق بَين من دخل أَبوهُ قبل النّسخ أَو بعده وَكَذَلِكَ وَفد نَجْرَان وَغَيرهم من النَّصَارَى الَّذين كَانَ فيهم عرب كَثِيرُونَ أقرهم بالجزية وَكَذَلِكَ سَائِر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من قبائل الْعَرَب لم يفرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أحد من خلفائه وَأَصْحَابه بَين بَعضهم وَبَعض بل قبلوا مِنْهُم الْجِزْيَة وأباحوا ذَبَائِحهم ونساءهم وَكَذَلِكَ نَصَارَى الرّوم وَغَيرهم لم يفرقُوا بَين صنف وصنف وَمن تدبر السِّيرَة النَّبَوِيَّة علم كل هَذَا بِالضَّرُورَةِ وَعلم أَن التَّفْرِيق قَول مُحدث لَا أصل لَهُ فِي الشَّرِيعَة

  4. الْوَجْه الثَّالِث أَن كَون الرجل مُسلما أَو يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وَنَحْو ذَلِك من أَسمَاء الدّين هُوَ حكم يتَعَلَّق بِنَفسِهِ لَا باعتقاده وإرادته وَقَوله وَعَمله لَا يلْحقهُ هَذَا الِاسْم بِمُجَرَّد اتصاف آبَائِهِ بذلك لَكِن الصَّغِير حكمه فِي أَحْكَام الدُّنْيَا حكم أَبَوَيْهِ لكَونه لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَإِذا بلغ وَتكلم بِالْإِسْلَامِ أَو بالْكفْر كَانَ حكمه مُعْتَبرا بِنَفسِهِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَلَو كَانَ أَبَوَاهُ يهودا أَو نَصَارَى فَأسلم كَانَ من الْمُسلمين بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَلَو كَانُوا مُسلمين فَكفر كَانَ كَافِرًا بِاتِّفَاق الْمُسلمين فقد كفر بردة لم يقر عَلَيْهِ لكَونه مُرْتَدا لأجل آبَائِهِ وكل حكم علق بأسماء الدّين من إِسْلَام وإيمان وَكفر ونفاق وردة وتهود وَتَنصر إِنَّمَا يثبت لمن اتّصف بِالصِّفَاتِ الْمُوجبَة لذَلِك وَكَون الرجل من الْمُشْركين أَو أهل الْكتاب هُوَ من هَذَا الْبَاب فَمن كَانَ بِنَفسِهِ مُشْركًا فَحكمه حكم أهل الشّرك وَإِن كَانَ أَبَوَاهُ غير مُشْرِكين وَمن كَانَ أَبَوَاهُ مُشْرِكين وَهُوَ مُسلم فَحكمه حكم الْمُسلمين لَا حكم الْمُشْركين فَكَذَلِك إِذا كَانَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وآباؤه مُشْرِكين فَحكمه حكم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أما إِذا تعلق عَلَيْهِ حكم الْمُشْركين مَعَ كَونه من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأجل كَونه آبَائِهِ قبل النّسخ والتبديل كَانُوا مُشْرِكين فَهَذَا خلاف الْأُصُول

  5. الْوَجْه الرَّابِع أَن يُقَال قَوْله تَعَالَى {لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين} وَقَوله {وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب والأميين أأسلمتم فَإِن أَسْلمُوا فقد اهتدوا} وأمثال ذَلِك إِنَّمَا هُوَ خطاب لهَؤُلَاء الْمَوْجُودين وإخبار عَنْهُم المُرَاد بِالْكتاب هُوَ الْكتاب الَّذِي بِأَيْدِيهِم الَّذِي جرى عَلَيْهِ من النّسخ والتبديل مَا جرى لَيْسَ المُرَاد بِهِ من كَانَ متمسكا بِهِ قبل النّسخ والتبديل فَإِن أُولَئِكَ لم يَكُونُوا كفَّارًا وَلَا هم مِمَّن خوطبوا بشرائع الْقُرْآن وَلَا قيل لَهُم فِي الْقُرْآن يَا أهل الْكتاب فَإِنَّهُم قد مَاتُوا قبل نزُول الْقُرْآن وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكل من تدين بِهَذَا الْكتاب الْمَوْجُود عِنْد أهل الْكتاب فَهُوَ من أهل الْكتاب وهم كفار تمسكوا بِكِتَاب مبدل مَنْسُوخ وهم مخلدون فِي نَار جَهَنَّم كَمَا يخلد سَائِر أَنْوَاع الْكفَّار وَالله تَعَالَى مَعَ ذَلِك سوغ إقرارهم بالجزية وَأحل طعامهم ونساءهم

  6. الْوَجْه الْخَامِس أَن يُقَال هَؤُلَاءِ الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب بِالْقُرْآنِ هم كفار وَإِن كَانَ أجدادهم كَانُوا مُؤمنين وَلَيْسَ عَذَابهمْ فِي الْآخِرَة بأخف من عَذَاب من كَانَ أَبوهُ من غير

    ج ٢ ص ٢٢أهل الْكتاب بل وجود النّسَب الْفَاضِل هُوَ إِلَى تَغْلِيظ كفرهم أقرب مِنْهُ إِلَى تَخْفيف كفرهم فَمن كَانَ أَبوهُ مُسلما وارتد كَانَ كفره أغْلظ من كفر من أسلم هُوَ ثمَّ ارْتَدَّ وَلِهَذَا تنَازع النَّاس فِيمَن ولد على الْفطْرَة إِذا ارْتَدَّ ثمَّ عَاد إِلَى الْإِسْلَام هَل تقبل تَوْبَته على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن كَانَ أَبوهُ من أهل الْكتاب قبل النّسخ والتبديل ثمَّ إِنَّه لما بعث الله عِيسَى ومحمدا صلى الله عَلَيْهِمَا كفر بهما وَبِمَا جَاءَا بِهِ من عِنْد الله وَاتبع الْكتاب الْمُبدل الْمَنْسُوخ كَانَ كفره من أغْلظ الْكفْر وَلم يكن كفره أخف من كفر من دخل بِنَفسِهِ فِي هَذَا الدّين الْمُبدل وَلَا لَهُ بِمُجَرَّد نسبه حُرْمَة عِنْد الله وَلَا عِنْد رَسُوله وَلَا يَنْفَعهُ دين آبَائِهِ إِذا كَانَ هُوَ مُخَالفا لَهُم فَإِن آباءه كَانُوا إِذْ ذَاك مُسلمين فَإِن دين الله هُوَ الْإِسْلَام فِي كل وَقت فَكل من آمن بكتب الله وَرُسُله فِي كل زمَان فَهُوَ مُسلم وَمن كفر بِشَيْء من كتب الله فَلَيْسَ مُسلما فِي أَي زمَان كَانَ

  7. وَإِذا لم يكن لأَوْلَاد بني إِسْرَائِيل إِذا كفرُوا مزية على أمثالهم من الْكفَّار الَّذين ماثلوهم فِي اتِّبَاع الدّين الْمُبدل الْمَنْسُوخ علم بذلك بطلَان الْفرق بَين الطَّائِفَتَيْنِ وإكرام هَؤُلَاءِ بإقرارهم بالجزية وَحل ذَبَائِحهم وَنِسَائِهِمْ دون هَؤُلَاءِ وَأَنه فرق مُخَالف لأصول الْإِسْلَام وَأَنه لَو كَانَ الْفرق بِالْعَكْسِ كَانَ أولى وَلِهَذَا يوبخ الله بني إِسْرَائِيل على تكذيبهم بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لَا يوبخه غَيرهم من أهل الْكتاب لِأَنَّهُ تَعَالَى أنعم على أجدادهم نعما عَظِيمَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا فَكَفرُوا نعْمَته وكذبوا رسله وبدلوا كِتَابه وغيروا دينه فَضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباؤوا بغضب من الله وَضربت عَلَيْهِم المسكنة ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون

  8. فهم مَعَ شرف آبَائِهِم وَحقّ دين أجدادهم من أَسْوَأ الْكفَّار عِنْد الله وَهُوَ أَشد غَضبا عَلَيْهِم من غَيرهم لِأَن فِي كفرهم من الاستكبار والحسد والمعاندة وَالْقَسْوَة وكتمان الْعلم وتحريف الْكتاب وتبديل النَّص وَغير ذَلِك مَا لَيْسَ فِي كفر هَؤُلَاءِ فَكيف يَجْعَل لهَؤُلَاء الأرجاس الأنجاس الَّذين هم من أبْغض الْخلق إِلَى الله مزية على سَائِر إخْوَانهمْ الْكفَّار مَعَ أَن كفرهم إِمَّا مماثل لكفر إخْوَانهمْ الْكفَّار وَإِمَّا أغْلظ مِنْهُ إِذْ لَا يُمكن أحدا أَن يَقُول إِن كفر الداخلين أغْلظ من كفر هَؤُلَاءِ مَعَ تماثلهما فِي الدّين بِهَذَا الْكتاب الْمَوْجُود

  9. الْوَجْه السَّادِس أَن تَعْلِيق الشّرف فِي الدّين بِمُجَرَّد النّسَب هُوَ حكم من أَحْكَام الْجَاهِلِيَّة الَّذين اتبعتهم عَلَيْهِ الرافضة وأشباههم من أهل الْجَهْل فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم} وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  10. لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لعجمي على عَرَبِيّ وَلَا لأسود على

    ج ٢ ص ٢٣أَبيض وَلَا لأبيض على أسود إِلَّا بالتقوى النَّاس من آدم وآدَم من تُرَاب وَلِهَذَا لَيْسَ فِي كتاب الله آيَة وَاحِدَة يمدح فِيهَا أحدا بنسبه وَلَا يذم أحدا بنسبه وَإِنَّمَا يمدح الْإِيمَان وَالتَّقوى ويذم الْكفْر والفسوق والعصيان

  11. وَقد ثَبت أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ

  12. أَربع من أَمر الْجَاهِلِيَّة فِي أمتِي لن يدعوهن الْفَخر بِالْأَحْسَابِ والطعن فِي الْأَنْسَاب والنياحة وَالِاسْتِسْقَاء بالنجوم فَجعل الْفَخر بِالْأَحْسَابِ من أمول الْجَاهِلِيَّة فَإِذا كَانَ الْمُسلم لَا فَخر لَهُ على الْمُسلم بِكَوْن أجداده لَهُم حسب شرِيف فَكيف يكون لكَافِر من أهل الْكتاب فَخر على كَافِر من أهل الْكتاب بِكَوْن أجداده كَانُوا مُؤمنين وَإِذا لم تكن مَعَ التَّمَاثُل فِي الدّين فَضِيلَة لأجل النّسَب علم أَنه لأَفْضَل لمن كَانَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى آباؤه مُؤمنين مُتَمَسِّكِينَ بِالْكتاب الأول قبل النّسخ والتبديل على من كَانَ أَبوهُ دَاخِلا فِيهِ بعد النّسخ والتبديل وَإِذا تماثل دينهما تماثل حكمهمَا فِي الدّين والشريعة إِنَّمَا علقت بِالنّسَبِ أحكاما مثل كَون الْخلَافَة من قُرَيْش وَكَون ذَوي الْقُرْبَى لَهُم الْخمس وَتَحْرِيم الصَّدَقَة على آل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنَحْو ذَلِك لِأَن النّسَب الْفَاضِل مَظَنَّة أَن يكون أَهله أفضل من غَيرهم كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  13. النَّاس معادن كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا والمظنة تعلق الحكم بِمَا إِذا خفيت الْحَقِيقَة أَو انتشرت فَأَما إِذا ظهر دين الرجل الَّذِي بِهِ تتَعَلَّق الْأَحْكَام وَعرف نوع دينه وَقدره لم يتَعَلَّق بنسبه الْأَحْكَام الدِّينِيَّة وَلِهَذَا لم يكن لأبي لَهب مزية على غَيره لما عرف كفره كَانَ أَحَق بالذم من غَيره وَلِهَذَا جعل لمن يَأْتِي بِفَاحِشَة من أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضعفين من الْعَذَاب كَمَا جعل لمن يقنت مِنْهُنَّ لله وَرَسُوله أَجْرَيْنِ من الثَّوَاب

  14. فذووا الْأَنْسَاب الفاضلة إِذا أساؤوا كَانَ إساءتهم أغْلظ من إساءة غَيرهم وعقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فَكفر من كفر من بني إِسْرَائِيل إِن لم يكن أَشد من كفر غَيرهم وعقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فَلَا أقل من الْمُسَاوَاة بَينهم وَلِهَذَا لم يقل أحد من الْعلمَاء أَن من كفر وَفسق من قُرَيْش وَالْعرب تخفف عَنهُ الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة بل إِمَّا أَن تكون عقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فِي أشهر الْقَوْلَيْنِ أَو تكون عقوبتهم أغْلظ فِي القَوْل الآخر لِأَن من أكْرمه بنعمته وَرفع قدره إِذا قَابل حُقُوقه بِالْمَعَاصِي وقابل نعمه بالْكفْر كَانَ أَحَق بالعقوبة مِمَّن لم ينعم عَلَيْهِ كَمَا أنعم عَلَيْهِ

    ج ٢ ص ٢٤الْوَجْه السَّابِع أَن يُقَال أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما فتحُوا الشَّام وَالْعراق ومصر وخراسان وَغَيرهم كَانُوا يَأْكُلُون ذَبَائِحهم لَا يميزون بَين طَائِفَة وَطَائِفَة وَلم يعرف عَن أحد من الصَّحَابَة الْفرق بَينهم بالأنساب وَإِنَّمَا تنازعوا فِي بني تغلب خَاصَّة لأمر يخْتَص بهم كَمَا أَن عمر ضعف عَلَيْهِم الزَّكَاة وَجعل جزيتهم مُخَالفَة لجزية غَيرهم وَلم يلْحق بهم سَائِر الْعَرَب وَإِنَّمَا ألحق بهم من كَانَ بمنزلتهم

  15. الْوَجْه الثَّامِن أَن يُقَال هَذَا القَوْل مُسْتَلْزم أَن لَا يحل لنا طَعَام جُمْهُور من أهل الْكتاب لأَنا لَا نَعْرِف نسب كثير مِنْهُم وَلَا نعلم قبل أَيَّام الْإِسْلَام أَن أجداده كَانُوا يهودا أَو نَصَارَى قبل النّسخ والتبديل وَمن الْمَعْلُوم أَن حل ذَبَائِحهم وَنِسَائِهِمْ ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَإِذا كَانَ هَذَا القَوْل مستلزما رفع مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع علم أَنه بَاطِل

  16. الْوَجْه التَّاسِع أَن يُقَال مَا زَالَ الْمُسلمُونَ فِي كل عصر ومصر يَأْكُلُون ذَبَائِحهم فَمن أنكر ذَلِك فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين وَهَذِه الْوُجُوه كلهَا لبَيَان رُجْحَان القَوْل بالتحليل وَأَنه مُقْتَضى الدَّلِيل فَأَما أَن مثل هَذِه الْمَسْأَلَة أَو نَحْوهَا من مسَائِل الِاجْتِهَاد يجوز لمن تمسك فِيهَا بِأحد الْقَوْلَيْنِ أَن يُنكر على الآخر بِغَيْر حجَّة وَدَلِيل فَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين فقد تنَازع الْمُسلمُونَ فِي جبن الْمَجُوس وَالْمُشْرِكين وَلَيْسَ لمن رجح أحد الْقَوْلَيْنِ أَن يُنكر على صَاحب القَوْل الآخر إلابحجة شَرْعِيَّة

  17. وَكَذَلِكَ تنازعوا فِي مَتْرُوك التَّسْمِيَة وَفِي ذَبَائِح أهل الْكتاب إِذا سموا عَلَيْهَا غير الله وَفِي شَحم الثرب والكليتين وذبحهم لذوات الظفر كَالْإِبِلِ والبط وَنَحْو ذَلِك مِمَّا حرمه الله عَلَيْهِم وَتَنَازَعُوا فِي ذبح الْكِتَابِيّ للضحايا وَنَحْو ذَلِك من الْمسَائِل وَقد قَالَ بِكُل قَول طَائِفَة من أهل الْعلم الْمَشْهُورين فَمن صَار إِلَى قَول مقلد لقائله لم يكن لَهُ أَن يُنكر على من صَار إِلَى القَوْل الآخر مُقَلدًا لقائله لَكِن إِن كَانَ مَعَ أَحدهمَا حجَّة شَرْعِيَّة وَجب الانقياد للحجج الشَّرْعِيَّة إِذا ظَهرت

  18. وَلَا يجوز لأحد أَن يرجح قولا على قَول بِغَيْر دَلِيل وَلَا يتعصب لقَوْل على قَول وَلَا لقَائِل على قَائِل بِغَيْر حجَّة بل من كَانَ مُقَلدًا لزم حل التَّقْلِيد فَلم يرجح وَلم يزيف وَلم يصوب وَلم يخطىء وَمن كَانَ عِنْده من الْعلم وَالْبَيَان مَا يَقُوله سمع ذَلِك مِنْهُ فَقبل مَا تبين أَنه حق ورد مَا تبين أَنه بَاطِل ووقف مَا لم يتَبَيَّن فِيهِ أحد الْأَمريْنِ وَالله تَعَالَى قد فاوت بَين النَّاس فِي قوى الأذهان كَمَا فاوت بَينهم فِي قوى الْأَبدَان

  19. وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَنَحْوهَا فِيهَا من أغوار الْفِقْه وحقائقه مَا لَا يعرفهُ إِلَّا من عرف أقاويل الْعلمَاء ومآخذهم فَأَما من لم يعرف إِلَّا قَول عَالم وَاحِد وحجته دون قَول الْعَالم الآخر وحجته فَإِنَّهُ من الْعَوام المقلدين لَا من الْعلمَاء الَّذين يرجحون ويزيفون وَالله تَعَالَى يهدينا وإخواننا لما

    ج ٢ ص ٢٥يُحِبهُ ويرضاه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالله أعلم