فصل

١١ فقرة، ج ٢ ص ٦٢

  1. {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم}

    ج ٢ ص ٦٢
  2. وَهَذِه حَال من قَاتل الْمُرْتَدين وأولهم الصّديق وَمن اتبعهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فهم الَّذين جاهدوا الْمُرْتَدين كأصحاب مُسَيْلمَة الْكذَّاب ومانعي الزَّكَاة وَغَيرهمَا وهم الَّذين فتحُوا الْأَمْصَار وغلبوا فَارس وَالروم وَكَانُوا أزهد النَّاس كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود لأَصْحَابه أَنْتُم أَكثر صَلَاة وصياما من أَصْحَاب مُحَمَّد وهم كَانُوا خيرا مِنْكُم قَالُوا لم يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ لأَنهم كَانُوا أزهد فِي الدُّنْيَا وأرغب فِي الْآخِرَة

  3. فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم بِخِلَاف الرافضة فَإِنَّهُم أَشد النَّاس خوفًا من لوم اللائم وَمن عدوهم وهم كَمَا قَالَ تَعَالَى {يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم هم الْعَدو فَاحْذَرْهُمْ قَاتلهم الله أَنى يؤفكون}

  4. وَلَا يعيشون فِي أهل الْقبْلَة إِلَّا من جنس الْيَهُود فِي أهل الْملَل

    ج ٢ ص ٦٣
  5. ثمَّ يُقَال من هَؤُلَاءِ الَّذين زهدوا فِي الدُّنْيَا وَلم تأخذهم فِي الله لومة لائم مِمَّن لم يُبَايع أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم وَبَايع عليا فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن فِي زمن الثَّلَاثَة لم يكن أحد منحازا عَن الثَّلَاثَة مظْهرا لمخالفتهم ومبايعة عَليّ بل كل النَّاس كَانُوا مبايعين لَهُم فغاية مَا يُقَال أَنهم كَانُوا يكتمون تَقْدِيم عَليّ وَلَيْسَت هَذِه حَال من لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم

  6. وَأما فِي حَال ولَايَة عَليّ فقد كَانَ رَضِي الله عَنهُ من أَكثر النَّاس لوما لمن مَعَه على قلَّة جهادهم ونكولهم عَن الْقِتَال فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذين لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم من هَؤُلَاءِ الشِّيعَة

  7. وَإِن كذبُوا على أبي ذَر من الصَّحَابَة وسلمان وعمار وَغَيرهم فَمن الْمُتَوَاتر أَن هَؤُلَاءِ كَانُوا من أعظم النَّاس تَعْظِيمًا لأبي بكر وَعمر واتباعا لَهما وَإِنَّمَا ينْقل عَن بَعضهم التعنت على عُثْمَان لَا على أبي بكر وَعمر وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مَا جرى لعُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فَفِي خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان لم يكن أحد يُسمى من الشِّيعَة وَلَا تُضَاف الشِّيعَة إِلَى أحد لَا عُثْمَان وَلَا غَيرهمَا فَلَمَّا قتل عُثْمَان تفرق الْمُسلمُونَ فَمَال قوم إِلَى عُثْمَان وَمَال قوم إِلَى عَليّ واقتتلت الطائفتان وَقتل حِينَئِذٍ شيعَة عُثْمَان شيعَة عَليّ

  8. وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن هِشَام أَنه أَرَادَ أَن يَغْزُو فِي سَبِيل الله وَقدم الْمَدِينَة فَأَرَادَ أَن يَبِيع عقارا لَهُ بهَا فَيَجْعَلهُ فِي السِّلَاح والكراع ويجاهد الرّوم حَتَّى يَمُوت فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة لَقِي أُنَاسًا من أهل الْمَدِينَة فنهوه عَن ذَلِك وَأَخْبرُوهُ أَن رهطا سِتَّة أَرَادوا ذَلِك فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنهاهم نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ

  9. أَلَيْسَ لكم بِي أُسْوَة فَلَمَّا حدثوه بذلك رَاجع امْرَأَته وَقد كَانَ طَلقهَا وَأشْهد على رَجعتهَا فَأتى ابْن عَبَّاس وَسَأَلَهُ عَن وتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس أَلا أدلك على أعلم أهل الأَرْض بِوتْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من قَالَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَأْتِهَا فاسألها ثمَّ ائْتِنِي فَأَخْبرنِي بردهَا عَلَيْك قَالَ فَانْطَلَقت إِلَيْهَا فَأتيت على حَكِيم بن أَفْلح فاستلحقته إِلَيْهَا فَقَالَ مَا أَنا بقاربها لِأَنِّي نهيتها أَن تَقول فِي هَاتين الشيعتين شَيْئا فَأَبت فيهمَا إِلَّا مضيا قَالَ فأقسمت عَلَيْهِ فجَاء فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَذكر الحَدِيث

    ج ٢ ص ٦٤وَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِ عَبَّاس أَنْت على مِلَّة عَليّ فَقَالَ لَا على مِلَّة عَليّ وَلَا على مِلَّة عُثْمَان أَنا على مِلَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  10. وَكَانَت الشِّيعَة أَصْحَاب عَليّ يقدمُونَ عَلَيْهِ أَبَا بكر وَعمر وَإِنَّمَا كَانَ النزاع فِي تقدمه على عُثْمَان وَلم يكن حِينَئِذٍ يُسمى أحد لَا إماميا وَلَا رافضا وَإِنَّمَا سموا رافضة وصاروا رافضة لما خرج زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بِالْكُوفَةِ فِي خلَافَة هِشَام فَسَأَلته الشِّيعَة عَن أبي بكر وَعمر فترحم عَلَيْهِم فرفضه قوم فَقَالَ رفضتموني رفضتموني فسموا رافضة وتولاه قوم فسموا زيدية لانتسابهم إِلَيْهِ وَمن حِينَئِذٍ انقسمت الشِّيعَة إِلَى رافضة إمامية وزيدية وَكلما زادوا فِي الْبِدْعَة زادوا فِي الشَّرّ فالزيدية خير من الرافضة أعلم وأصدق وأزهد وَأَشْجَع

  11. ثمَّ بعد أبي بكر عمر بن الْخطاب وَهُوَ الَّذِي لم تكن تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَكَانَ أزهد النَّاس بِاتِّفَاق الْخلق كَمَا قيل فِيهِ رحم الله عمر لقد تَركه الْحق مَاله من صديق