ومن زكاة التجارة

٦١ فقرة، ج ١ ص ٣٦٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. و "السلت" : ضرب من الشعير أبيض لا قشر له كما في "النهاية" وحينئذ فهو صنف من الأصناف الأربعة فلا اختلاف بين هذه الرواية والحديث الصحيح كما لا يخفى.

    ج ١ ص ٣٧٠
  2. ويبدو أنه خفي على الإمام الشوكاني رحمه الله مثل هذا التحقيق فإنه بعد أن ذكر رواية عمرو بن شعيب التي فيها المتروك استدرك فقال في "النيل" ٤ / ١٢٢:

    "ولكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن" !

  3. وكأنه رحمه الله لم يتتبع أسانيدها وإلا لم يقل هذا كيف ومرسل الحسن فيه المتروك أيضا مع الشك الذي في إحدى الروايتين عنه؟! والأخرى - لو صحت - تشهد للحديث الصحيح وليس لهذه الزيادة المنكرة!

  4. ومرسل مجاهد ضعيف كما سبق بيانه ولا يشهد له رواية العرزمي لشدة ضعفه مع مخالفته للحديث الصحيح وشواهده.

    ج ١ ص ٣٧١
  5. ولعل الشوكاني غره قول البيهقي عقب الشواهد المشار إليها ومرسل مجاهد والحسن المذكورين وساق شاهدا ثالثا بسنده عن الشعبي بمعنى الحديث الصحيح قال البيهقي عقبها:

    "هذه الأحاديث كلها مراسيل إلا أنها من طرق مختلفة فبعضها يؤكد بعضا ومعها رواية أبي بردة عن أبي موسى ومعها قول بعض الصحابة" .

  6. فهو يعني ما اتفقت عليه الروايات مع رواية أبي بردة عن أبي موسى وهي صحيحة كما تقدم وليس يعني مطلقا ما تفرد به بعض الضعفاء والمتروكين فتنبه.

  7. وقد ترتب من خطأ تصحيح هذه الزيادة المنكرة خطأ آخر فقهي وهو حشر الشوكاني الذرة في جملة الأصناف الأربعة التي تجب عليها الزكاة! في كتابه "الدرر البهية" وتبعه على ذلك شارحه في كتابه "الروضة الندية" ٢ / ١٩٥ واستدل عليها بحديث أبي موسى والمراسيل المذكورة آنفا وأتبعها بكلام البيهقي الذي مر آنفا دون أن يتنبه لمقصوده الذي ذكرته قريبا. ولعله تنبه له فيما بعد فقد أعاد ذكر حديث أبي موسى مع الإشارة إلى الروايات الأخرى ولكنه أتبعها بقوله ١ / ٢٠٠:

    "وفي بعضها ذكر الذرة ولكن من طريق لا تقوم بمثلها حجة" .

  8. وهذا هو الصواب فكان عليه أن يعود إلى متن شرحه ويرفع منه لفظة: "الذرة" ليطابق ذلك ما انتهى إليه من الصواب.

  9. ولعل الشوكاني رجع إلى الصواب أيضا فإنه لم يذكر في كتابه "السيل

    ج ١ ص ٣٧٢الجرار " سوى الأصناف الأربعة فلم يذكر " الذرة " مطلقا وذكر ٢ / ٤٣ أن الأحاديث الواردة فيها تنهض بمجموعها للعمل بها كما أوضحناه في شرحنا للمنتقى.

  10. هذا كله فيما يتعلق بقولنا أولا.

    وثانيا: إن حشر "الذرة " في مذهب الحسن البصري خطأ لأنه قد صح من طرق عنه: أنه كان لا يرى العشر إلا في ... فذكر الأصناف الأربعة فقط.

  11. أخرجه أبو عبيد ٤٦٩ / ١٣٧٩ - ١٣٨٠ وابن زنجويه ١٠٣٠ / ١٨٩٩ بأسانيد صحيحة عنه.

  12. ثالثا: قول المؤلف: "لأن ما عداه لا نص فيه ".

  13. يشعر بأن الصنف الخامس "الذرة " فيه نص يعتد به وقد عرفت ما فيه وزيادة في الإفادة أقول:

    إن قول الحسن هذا هو الذي ينبغي اعتماده لمطابقته للحديث الصحيح وكنت أرجو للمؤلف أن يلفت النظر إليه كي لا يضيع القارئ في غمرة الأقوال المختلفة التي ساقها في هذا الباب كما كنت أستحب له أن يروي لهم قول عبد الله بن عمر الذي رواه أبو عبيد ٤٦٩ / ١٣٧٨ بسنده الصحيح عنه في صدقة الثمار والزرع قال:

    "ما كان من نخل أو عنب أو حنطة أو شعير ".

  14. لما فيه من زيادة اطمئنان لصحة قوله رحمه الله ولهذا قال أبو عبيد وابن زنجويه في كتابيهما:

    "والذي نختاره في ذلك الاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بها: أنه لا

    ج ١ ص ٣٧٣صدقة في شيء من الحبوب إلا في البر والشعير ولا صدقة في شيء من الثمار إلا في النخل والكرم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسم إلا إياها مع قول من قال به من الصحابة والتابعين ثم اختيار ابن أبي ليلى وسفيان إياه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خص هذه الأصناف الأربعة للصدقة وأعرض عما سواهما قد كان يعلم أن للناس أموالا وأقواتا مما تخرج الأرض سواها فكان تركه ذلك وإعراضه عنه عفوا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق ".

    قلت: وهذه الحجة الأخيرة تنسحب أيضا على عروض التجارة فإنها كانت معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت في القرآن والأحاديث مرارا كثيرة وبمناسبات شتى فسكوته صلى الله عليه وسلم عنها وعدم تحدثه عنها بما يجب عليها من الزكاة التي ذهب إليها بعضهم فهو عفو منه أيضا لحكمة بالغة سبق لفت النظر إلى شيء منها مما ظهر لنا والله سبحانه وتعالى أعلم.

    قوله تحت عنوان: تقدير النصاب في النخيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث ... ".

    قلت: إسناده ضعيف فيه من لا يعرف عند الذهبي وغيره ولا عبرة بتصحيح من ذكرهما المؤلف لأنهما من المتساهلين وحسبك دليلا على ذلك أن الترمذي - على تساهله الذي عرف به - لما أخرج الحديث سكت عنه ولم يحسنه ولذلك خرجته في "الضعيفة " ٢٥٥٦ و " ضعيف أبي داود " ٢٨١.

  15. والأثر الذي ذكره المؤلف بعده عن بشير بن يسار قال: بعث عمر بن الخطاب ... الخ. رواه أبو عبيد في "الأموال" ٤٨٦ / ١٤٤٩ وابن أبي شيبة ٣ / ١٩٤ بسند رجاله ثقات لكنه منقطع بين بشير وعمر فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن صغار الصحابة كأنس وغيره.

  16. والأثر الذي بعده عن مكحول مرسل أيضا. رواه أبو عبيد ١٤٥٣ ورجاله ثقات.

    ج ١ ص ٣٧٤
  17. قوله تحت عنوان: زكاة العسل: "قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح" .

    أقول: ليس هذا على إطلاقه فقد روي فيه أحاديث أحسنها حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وأصح طرقه إليه طريق عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب ... بلفظ:

    "جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي له واديا يقال له: سلبته فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحله فاحم له سلبته وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء" .

    قلت: وهذا إسناد جيد وهو مخرج في "الإرواء" رقم ٨١٠ وقواه الحافظ في "الفتح" فإنه قال عقبه ٣ / ٣٤٨:

    "وإسناده صحيح إلى عمرو وترجمة عمرو قوية على المختار لكن حيث لا تعارض إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر ابن الخطاب" .

  18. وسبقه إلى هذا الحمل ابن زنجويه في "الأموال" ١٠٩٥ - ١٠٩٦ ثم الخطابي في "معالم السنن" ١ / ٢٠٨ وهو الظاهر والله سبحانه وتعالى أعلم.

  19. ولدقة المسألة حديثيا وفقهيا اضطرب فيه رأي الشوكاني فذهب في "نيل الأوطار" ٤ / ١٢٥ إلى عدم وجوب الزكاة على العسل وأعل أحاديثه كلها وأما

    ج ١ ص ٣٧٥في "الدرر البهية" فصرح بالوجوب وتبعه شارحه صديق خان في "الروضة الندية" ١ / ٢٠٠ وأيد ذلك الشوكاني في "السيل الجرار" ٢ / ٤٦ - ٤٨ وقال:

    "وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضا" .

  20. فلم يتنبه إلى الفرق واختلاف دلالة بعضها عن بعض فهذه الطريق الصحيحة دلالتها مقيدة بالحمى كما رأيت والأخرى مطلقة ولكنها ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها كما قال هو نفسه في "النعل" ثم تبنى العمل بها في المصدرين المشار إليهما ونسي قاعدة "حمل المطلق على المقيد" التي يكررها في كثير من المسائل التي تتعارض فيها الأدلة فيجمع بينها بها.

  21. إذا تبين هذا فنستطيع أن نستنبط مما سبق أن المناحل التي تتخذ اليوم في بعض المزارع والبساتين لا زكاة عليها اللهم إلا الزكاة المطلقة بما تجود به نفسه على النحو الذي سبق ذكره في عروض التجارة. والله أعلم.