الفصل السابع: تعارض ما يخل بالفهم

٧٦ فقرة، ج ١ ص ٣٢٢

الصفحة ١ من ٢

  1. ...

    ج ١ ص ٣٢٢
  2. الفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم

    قال الفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم وهو الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص وذلك على عشرة أوجه.

  3. الأحوال اللفظية المخلة بالأفهام الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص.

  4. واعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه فقد اشتمل كلامنا هذا على دعاء.

  5. والأولى: أن هذه الخمسة مخلة بالأفهام وبيان ذلك أنه على تقدير الاشتراك يحتمل أن يكون المراد غير ما يعنيه وعلى تقدير النقل يحتمل أن يكون المراد الحقيقة وكذلك على تقدير الإضمار والتخصيص.

  6. والثانية: أنه لا يخل بالفهم من الألفاظ سواها وبيانها حصر المخلات في هذه الأقسام بالدوران وذلك بأن يقال كلما حصل أحد هذه الخمسة حصل الإخلال لما ذكرناه وكلما انتفت الخمسة انتفى الإخلال لأن مع زوال الاشتراك والنقل يكون اللفظ حقيقة واحدة ومع انتفاء المجاز والإضمار يكون المراد تلك الحقيقة ومع زوال التخصيص يكون المراد كلها هذه طريقة تدلك على الحصر ولك على ذلك طريقة أخرى وهي الترديد الدائر بين النفي والإثبات وذلك بأن تقول إذا لم يتعين المعنى من اللفظ فلا يخلو إما أن يكون لاحتمال معنى آخر داخل في مفهوم اللفظ أو خارج عنه إن كان

    ج ١ ص ٣٢٣الأول فهو احتمال التخصيص وإن كان الثاني فإما أن يكون لاحتمال حقيقة أخرى أو لا.

  7. والأول: إن كان مسبوقا بوضع آخر فهو احتمال النقل وإلا فاحتمال الاشتراك.

  8. والثاني: إن كان المصير إليه لضرورة لفظية فهو احتمال الإضمار وإلا فاحتمال المجاز.

  9. والثالثة: أن التعارض بينها يقع على عشرة أوجه وبيانها أنه إنما يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية ثم بين المجاز وبين الوجهين الباقيين ثم بين الإضمار والتخصيص فكان المجموع عشرا.

  10. وأعلم أنه هذه الدعوى غير محررة والاعتراض عليها من وجوه:

    أحدها: أنه إن أريد أنه إذا انتفت الخمسة حصل الظن بالمدلول لا الجزم فليس بصحيح فإن الظن حاصل مع الاحتمالات وإن أريد أن الخمسة تخل بالجزم بالمدلول لا بظنه فنقول لا يلزم من انتفاء الخمسة انتفاء الاحتمال وحصول الجزم كيف وقد ذكر الإمام أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بنفي عشرة احتمالات فذكر هذه الخمسة مع التقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي وتغير الإعراب ومعلوم أنه هذه العشرة إنما تخل باليقين لا بالظن فكان حقه أن يذكر هاهنا العشرة بعينها فالحصر في الخمسة باطل.

  11. فإن قلت لعل المراد أن انتفاء الخمسة يحصل غلبة الظن وتلك رتبة متوسطة بين اليقين وأصل الظن.

  12. قلت هذه الغلبة لا ضابط لها وغلبة الظن لا تخرج عن باب الظن فإن الظنون تتفاوت وهي مشتركة في مشروع واحد.

  13. والثاني: أن ما ذكر من أنه إذا انتفى المجاز والإضمار بقي اللفظ مستعملا فيما وضع له مفهومه أنه إذا وجد أحدهما لا يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له وليس كذلك لأن الإضمار على قسمين:

    ج ١ ص ٣٢٤أحدهما: ما يوجب مجازا في اللفظ مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فإن إضمار الأهل هو الذي صير إسناد السؤال في الظاهر إلى القرية مجازا.

  14. الثاني: هو ما لا يوجب مجازا في اللفظ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ١ الآية فإذا أضمرنا فيها محدثين لا يتجدد في اللفظ مجاز وكذلك قوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فإذا أضمرنا فأفطرتم لا يتجدد في اللفظ مجاز.

  15. الثالث: أن الكلام في هذه المحتملات إن كان في مطلقاتها وأجناسها دون أنواعها وأشخاصها فلا ينبغي أن يذكر الإضمار ولا التخصيص لأنهما نوعان للمجاز فيندرجان تحت مطلقه وعلى هذا يكون الاحتمالات المخلة ثلاثة فقط وإن كان الكلام في أنواعها دون مطلقاتها وأجناسها فلا ينحصر في خمسة لأن أنواع المجاز متعددة كما سبق وقد ذكر فيما تقدم اثني عشر نوعا وأنواع النقل ثلاثة فهذه خمسة عشر اثنين منها فعلم أن الحصر في الخمسة فاسد.

  16. الرابع: أن من جملة الاحتمالات المخلة بالفهم النسخ لأن السامع إذا جوز على حكم اللفظ أنه منسوخ لم يجزم ثبوته ولم يذكروه مع الخمسة والإمام ذكره بعد ذلك وزعم أنه مندرج في التخصيص فلذلك لم يقرره بالذكر وتبعه المصنف في ذلك وهذا لا يستقيم لا على أصله ولا على الحق في نفس الأمر فإن أصله أن صيغة الأمر للقدر المشترك بين المرة والتكرار فلا عموم في الأزمان فلا نسخ وأما على الحق في نفس الأمر فلأنا إذا سيرنا الأوامر لا نجدها تقتضي بصيغتها فعل المأمور أبدا فكان الأحسن أن يعد النسخ وقد نظم بعضهم بيتين في هذه الأقسام وذكر النسخ فقال:

    تجوز ثم إضمار وبعدهما

    ...

  17. نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه

    وأرجح الكل تخصيص وآخرهم

    ...

  18. نسخ فما بعده قسم يخلفه

    قال الأول النقل أولى من الاشتراك لأفراده في الحالتين كالزكاة.

  19. شرع في ذكر الوجوه العشرة على الترتيب المذكور فنقول النقل أولى من الاشتراك لأن المنقول مدلوله مقرر في الحالتين أي قبل النقل وبعده أما قبل النقل فلأن مدلوله المنقول عنه وهو اللغوي وأما بعده فلأن مدلوله المنقول إليه وهو الشرعي أو العرفي وإذا كان مدلوله مفردا لم يمتنع العمل به.

    ج ١ ص ٣٢٥
  20. وأما المشترك فمدلوله متعدد في كل وقت فيكون المجمل لا يعمل به إلا بقرينة اللهم إلا أن يقال نحمله وما لا يمتنع العمل به أولى من عكسه مثال ذلك لفظ الزكاة فإنه يحتمل أن يكون مشتركا بين النماء والقدر المخرج من النصاب وأن يكون موضوعا للنماء فقط ثم نقله الشرع إلى القدر المخرج من النصاب فإذا تعارضا فالنقل أولى لما ذكرناه ومن أمثلته أن يقول الشافعي الفاتحة ركن في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" ١ ولفظ الصلاة في عرف الشرع منقول إلى العبارة المخصوصة فوجب أن تكون الفاتحة ركنا فيقول الحنفي مذهب القاضي أن الشرع لم ينقل شيئا من الألفاظ بل الصلاة مشتركة بين الدعاء وبين المتابعة ومنه سمي الثاني في جلية السياق مصليا لكونه تابعا لصلوي الذي قبله وسميت هذه العبارة صلاة لما فيها من المتابعة للأئمة غالبا وذا كانت مشتركة كانت مجملة فيسقط الاستدلال بها حتى يدين الخصم رجحان اللفظ في أحدهما.

  21. فنقول جعلها منقولة إلى العبارة المخصوصة أولى من الاشتراك لما تقرر.

  22. ومنها أن يقول الشافعي الكلب نجس لقوله صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا" ٢ والطهارة في عرف الشرع منقولة إلى

    ج ١ ص ٣٢٦إزالة الحدث والخبث ولا حدث فيتعين الخبث فيقول المالكي لفظ الطهارة مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار وبين الغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعا والأصل عدم التغيير والتقرب إلى الله تعالى كان معلوما لهم لقوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ١ والمشترك مجمل فيسقط الاستدلال د به حتى بين الخصم الرجحان.

  23. فنقول جعله منقولا إلى العبارة المخصوصة أولى من الاشتراك لما مر.

    قال الثاني: المجاز خير منه لكثرته وإعمال اللفظ مع القرينة ودونها كذلك.

  24. المجاز أولى من الاشتراك لوجهين:
  25. أحدهما: أنه أكثر في اللغة والأكثرية دليل الرجحان.

  26. والثاني: أنه على تقدير المجاز إن كان اللفظ مع القرينة وجب حمله على المجاز وإن كان مجردا عنها وجب حمله على الحقيقة فهو معمول به على التقديرين بخلاف الاشتراك فإن اللفظ المشترك إذا تجرد عن القرينة وجب التوقف على المختار عندهم وإن عمل به عند البعض احتياطا فليس العمل للاحتياط كالعمل مع التحقيق.

  27. ومن أمثلة الفضل قولنا موطوءة الأب بالزنا يحل للإبن نكاحها لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ٢ وهذه طابت للإبن.

  28. فإن قلت هذا معارض بقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} ٣ والنكاح حقيقة في الوطء

    قلت بل هو حقيقة في العقد لقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} .

  29. وغيرها من الآيات وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء وإلا يلزم الاشتراك.

    ج ١ ص ٣٢٧
  30. فإن قلت لولا ذلك لزم المجاز.

  31. قلت المجاز خير من الاشتراك لما ذكرناه.

  32. ومنها قولنا لا يجوز التوضؤ بالنبيذ لأن الله تعالى نص على سبيله الماء فوجب حصر السبب فيه عملا بالأصل الثاني لسببية غيره.

  33. وإنما قلنا إن الله تعالى نص على سببية الماء لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} ١ والطهور هو الذي يتطهر به كالحنوط والسعوط الذي يتحنط به ويتسعط به فيقول الحنفي الأصل في فعول أن يكون تابعا لفاعل في القصر والتعدية وطاهر قاصر فطهور مثله فلو كان ههنا الذي يتطهر به للزم الاشتراك وعلى ما نقوله تكون صيغته هنا مجازا فإنه لا تكرار في طاهرية بماء السماء فالمجاز أولى من الاشتراك لما مر فتقول هو الترجيح مدفوع بقوله تعالى: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} والباء للسببية فيدل على أن المراد الذي يفعل به التطهير.

    قال الثالث: الإضمار خير منه لأن احتياجه إلى القرينة في صورة احتياج الاشتراك إليها في صورتين.

  34. الإضمار أولى من الاشتراك لأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في صورة واحدة وهي صورة إرادة المعنى الإضماري بخلاف المشترك فإنه مفتقر إلى القرينة في جميع صوره إذ ليس البعض فيه أولى من البعض وفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله في صوريتن مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي أن لفظ القرية يحتمل أن يكون منقولا بالاشتراك على الأهل والأبنية ويحتمل أن يكون حقيقة في الأبنية فقط والأهل مضمر فيقول المناظر الإضمار أولى لما قلناه ومن أمثلته قولنا لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلى قوله: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} ٢ وجارية الابن حليلة.

  35. لأن الحليلة فعيلة من الحل وهي المرأة التي يحل وطؤها فحليلة الابن المرأة التي يحل وطؤها والجارية المملوكة للإبن كذلك فتكون حليلة له وإذا كانت حليلة للإبن اندرجت تحت الآية فتكون محرمة على الأب فيقول الحنفي حليلة الرجل هي المرأة التي تحل له بالنكاح وهي الزوجة ودليله النقل.

    ج ١ ص ٣٢٨
  36. قال الجوهري الحليلة الزوجة فنقول لا نسلم أن إطلاق الحليلة على الزوجة بطريق الحقيقة.

  37. فإن قلت الأصل في الإطلاق الحقيقة قلت نعم لكن لو جعلناه حقيقة فيما ذكرتم فإما أن يكون حقيقة فيما ذكرناه أيضا أو مجازا فيه والثاني باطل لأنه يلزم منه ترجيح الاستعمال في دلالته على الحقيقة على الإشتقاق في دلالته عليها وذلك لأن الظاهر أن الجوهري إنما أخذ أن الحليلة هي الزوجة من استعمال العرب والاستعمال أعم منه أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز ونحن دللنا باشتقاق لفظ الحليلة المقتضي لما هو أعم من الزوجة فليكن أرجح لبعد الخطأ فيه والأول أيضا باطل لأنه يلزم منه الاشتراك.

  38. فإن قلت لو لم يكن مشتركا بل كان حقيقة فيما ذكرتم مجازا فيما ذكرناه لزم الإضمار لأن جارية الإبن لا تحرم على الأب على التأييد بالإجماع بل ما دامت مملوكة والآية إنما سيقت لبيان المحرمات على التأييد فلا بد من إضمار ما يصح به تحريم جارية الإبن لا على التأييد لجواز أن يقال وحلائل أبنائكم بالنكاح وبملك اليمين مادامت حليلتهم والإضمار أيضا خلاف الأصل فوقع التعارض بين الاشتراك والإضمار.

  39. قلت الإضمار أولى.

  40. ومنها قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة لقوله صلى الله عليه وسلم "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" وهذه صلاة فوجبت الفاتحة فيها فإن قال الخصم لفظ الصلاة مفهوم مشترك في عرف الشرع لإطلاقه على ما لا ركوع فيه ولا سجود كالجنازة وعلى ما لا تكبير فيه ولا سلام كالطواف وعلى ما لا قيام فيه كصلاة المريض وليس بينهما قدر مشترك فحعل اللفظ حقيقة فيه فيكون

    ج ١ ص ٣٢٩مشتركا مجملا يسقط الاستدلال به قلنا المشترك عندنا يحمل على جميع مسمياته عند عدم القرينة فتندرج صلاة الجنازة تحت عمومه.