فصل: الأمر المطلق هل يقتضي التكرار
٤٠ فقرة، ج ١ ص ٥٦٤
- ج ١ ص ٥٦٤
الأمر المطلق١: لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. وهو اختيار أبي الخطاب٢.
وقال القاضي وبعض الشافعية: يقتضي التكرار٣؛ لأن قوله: "صم" ينبغي أن يعم كل زمان، كما أن قوله -تعالى-: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ٤ يعم كل مشرك؛ لأن إضافة الأمر إلى جميع الزمان كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص.
-
ولأن الأمر بالشيء: نهي عن ضده، وموجب النهي: ترك المنهي أبدًا، فليكن موجب الأمر: فعل الصوم أبدًا، فإن قوله: "صم" معناه: لا تفطر، وقوله: "لا تفطر" يقتضي التكرار أبدًا٥.
- ج ١ ص ٥٦٥
ولأن الأمر يقتضي العزم، والفعل ثمراته تقتضي العزم على التكرار، فكذلك الموجب الآخر١.
-
وقيل: إن علق الأمر على شرط اقتضى التكرار، وإلا فلا يقتضيه٢؛ لأن تعليق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة، ثم إن الحكم يتكرر بتكرر علته، فكذلك يتكرر بتكرر شرطه.
-
ولأنه لا اختصاص له بالشرط الأول دون بقية الشروط، ودليل اعتباره: النهي المعلق على شرط.
-
وقيل: إن كرر لفظ الأمر كقوله: "صل غدًا ركعتين" اقتضي التكرار؛ طلبًا لفائدة الأمر الثاني، وحملا له على مقتضاه في الوجوب والندب كالأول.
-
وحكي هذا القول عن أبي حنيفة وأصحابه٣.
- ولنا:
-
أن الأمر خالٍ عن التعرض لكمية المأمور به؛ إذ ليس في نفس اللفظ
ج ١ ص ٥٦٦تعرض للعدد، ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك، لكنه محتمل للإتمام ببيان الكمية، فهو كقوله: "اقتل" ، لا نقول: هو مشترك بين زيد وعمرو، ولا فيه تعرض لهما، فتفسيره بهما، أو بأحدهما زيادة على كلام ناقص، فإتمامه بلفظ دل على تلك الزيادة، لا بمعنى البيان.
-
فحصل من هذا: أن ذمته تبرأ بالمرة الواحدة؛ لأن وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل عليها، ولم يتعرض اللفظ لها، فصار الزائد كما قبل الأمر؛ فإنا كنا نقطع بانتفاء الوجوب، فقوله: "صم" أزال القطع في مرة واحدة، فصار كما كان١.
- ويعتضد هذا باليمين، والنذر والوكالة، والخبر:
-
بيانه: أنه لو قال: "والله لأصومن" أو: "لله علي أن أصوم" برّ بصوم يوم.
-
ولو قال لوكيله: "طلق زوجتي" لم يكن له أكثر من تطليقة.
- ج ١ ص ٥٦٧
ولو أمر عبده بدخول الدار، أو بشراء متاع: خرج عن العهدة بمرة واحدة، ولم يحسن لومه، ولا توبيخه.
-
ولو قال: "صمت" أو "سوف أصوم" : صدق بمرة واحدة.
-
فإن قيل: فلم حصل الاستفسار عنه؟
-
قلنا: هذا يلزمكم إن كان يقتضي التكرار فلم حسن الاستفسار١؟
-
ثم يبطل بما ذكرناه من الأمثلة بحسن الاستفسار، مع انه لا يقتضي التكرار٢.
-
ثم إنه حسن الاستفسار؛ لأنه محتمل له، لما ذكرناه.
- ج ١ ص ٥٦٨
وقولهم: "إن صم عام في الزمان" : ليس بصحيح١؛ إذ لا يتعرض للزمان بعموم ولا خصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل، كذا الزمان.
-
وليس هذا نظير قوله -تعالى-: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، بل نظيره قولهم: "صم الأيام" .
-
ونظير مسألتنا قوله: "اقتل" مطلقًا، فإنه لا يقتضي العموم في كل من يمكن قتله.
-
والفرق بين الأمر والنهي: أن الأمر يقتضي: وجود المأمور مطلقًا٢.
-
والنهي يقتضي: ألا يوجد مطلقًا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
-
ولذلك افترقا في اليمين، والنذر، والتوكيل، والخبر٣.
-
ولأن الأمر يقتضي الإثبات، والنهي يقتضي النفي، والنفي في النكرة يعم، والإثبات المطلق لا يعم.
- ج ١ ص ٥٦٩
وتحقيقه: أنه لو قال: لا تفعل مرة واحدة: اقتضى العموم.
-
ولو قال: افعل مرة واحدة: اقتضى التخصيص بلا خلاف١.
-
وقولهم: "إن الأمر بالشيء نهي عن ضده" .
-
قلنا: إنما هو نهي عما يعقب الامتثال، فكان النهي مقيدًا بزمن امتثال الأمر٢.
-
وقولهم: "إن الأمر يقتضي الاعتقاد على الدوام" .
-
قلنا: يبطل بما لو قال: افعل مرة واحدة.
-
والفرق بين الفعل والاعتقاد: أن الاعتقاد: ما وجب بهذا الأمر، إنما وجب بإخباره أنه يجب اعتقاد أوامره، فمتى عرف الأمر، ولم يعتقد وجوبًا: كان مكذبًا. وقولهم: "إن الحكم يتكرر بتكرار العلة، فكذا الشرط" ٣.
- ج ١ ص ٥٧٠
قلنا: العلة تقتضي حكمها، فيوجد بوجودها.
-
والشرط: لا يقتضي، وإنما هو بيان لزمان الحكم، فإذا وجد: ثبت عنده ما كان يثبت بالأمر المطلق، كاليمين، والنذر، وسائر ما استشهدنا به.
-
وقولهم: "إن الواجب يتكرر بتكرر اللفظ" : لا يصح؛ فإن اللفظ الثاني دل على ما دل عليه اللفظ الأول، فلا يصح حمله على واجب سواه.
-
ولذلك لو كرر اليمين فقال: "والله لأصومن، والله لأصومن" بّر بصوم واحد.
-
وقد نقل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "والله لأغزون قريشا –ثلاثا-" ١. ثم غزاهم غزوة الفتح.
-
ولو كرر لفظ النذر: لكان الواجب به واحدًا.
-
وفائدة اللفظ الثاني: تحصيل التأكيد، فإنه من سائغ كلام العرب.