فصل: في الخلاف في عموم بعض الصيغ
٣٨ فقرة، ج ٢ ص ٢٦
- ج ٢ ص ٢٦
وقد قال قوم بالعموم، إلا فيما فيه الألف واللام١.
وقال آخرون: بالعموم، إلا في اسم الواحد بالألف واللام٢.
-
وقال بعض النحويين المتأخرين في "النكرة في سياق النفي" لا تعم، إلا أن تكون فيه "مِنْ" مظهرة، كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} ٣، أو مقدرة، كقوله تعالى: {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه} ٤، بدليل أنه يحسن أن يقال:
ج ٢ ص ٢٧ما عندي رجل، بل رجلان١.
-
ومن أنكر أن الألف واللام للاستغراق قال:
ج ٢ ص ٢٨يحتمل أن تكون للمعهود.
-
ويحتمل أن تكون للاستغراق.
-
ويحتمل أنها لجملة من الجنس.
-
فما دليل التعميم؟ ١
ثم وإن سلم في البعض، فما قولكم في جمع القلة، وهو ما ورد على وزن الأفعال، كالأحمال، والأَفْعُل، كالأكلُب، والأكعُب، والأَفْعِلَة، كالأرغفة، والفِعلة، كالصبية؟
-
فقد قال أهل اللغة: إنه للتقليل وهو ما دون العشرة.
-
وقال ناس بالتعميم، إلا في لفظة المفرد المحلى بالألف واللام؛ لأنه لفظ واحد، والواحد ينقسم إلى: واحد بالنوع، وواحد بالذات.
-
فإذا دخله التخصيص علم أنه ما أراد الواحد بالنوع، فانصرف إلى الواحد بالذات.
-
قلنا: ما ذكرناه من الاستدلال جار فيما فيه الألف واللام، وفي النكرة في سياق النفي، فإنه إذا قال لعبده: "أعط الفقراء والمساكين،
ج ٢ ص ٢٩واقتل المشركين١، واقطع السارق والسارقة، وارجم الزانية والزاني٢، ولا تؤذ مسلمًا، ولا تجعل مع الله إلهًا "٣ واقتصر عليه، وانتفت القرائن، جرى فيه حكم الطاعة والعصيان، وتوجه الاعتراض وسقوطه.
-
ولو قال: "والله لا آكل رغيفًا ": حنث إذا أكل رغيفين.
-
وقد قال الله، تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة} ٤، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد} ٥ {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ٦، {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة} ٧، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور} ٨.
-
ولا يحل أن يقال في مثل هذا: إن اللفظ ما اقتضى التعميم٩.
-
وقولهم: "إن الألف واللام للمعهود".
-
قلنا: إنما يصرف إلى المعهود عند وجوده، وما لا معهود فيه يتعين حمله على الاستغراق.
- ج ٢ ص ٣٠
وهذا لأن الألف واللام للتعريف، فإذا كان ثم معهود فحمل عليه حصل التعريف.
-
وإن لم يكن ثم معهود فصرف إلى الاستغراق، حصل التعريف أيضًا.
-
وإن صرف إلى أقل الجمع أو إلى واحد، لم يحصل التعريف، وكان دخول اللام وخروجها واحدًا.
-
ولأنهما إذا كانا للعهد استغرقا جميع المعهود، فإذا كانا للجنس يجب أن يستغرقا.
-
وأما جمع القلة: فإن العموم إنما يتلقى من الألف واللام.
-
ولهذا استفيد١ من لفظ الواحد في مثل: السارق والسارقة، والدينار أفضل من الدرهم و "أهْلَك الناسَ الدينارُ والدرهمُ" ٢.
-
ولذلك صح توكيده بما يقتضي العموم، وجاز الاستثناء منه، كقوله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ٣، والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت الخطاب.
- ج ٢ ص ٣١
فقوله: "إنه يصح أن يقول: ما عندي رجل، بل رجلان" ١.
-
قلنا: قوله: "بل رجلان" قرينة لفظية تدل على أنه استعمل لفظ العموم في غير موضوعه.
-
ولا يمنع ذلك من حمله على موضوعه عند عدم القرينة، كما أن لفظة "الأسد" إذا استعملت في الرجل الشجاع بقرينة، لا يمنع من استعمالها في موضوعها وحملها عليه عند الإطلاق.
-
وأما لفظة "مِنْ" فهي من مؤكدات العموم، وتمنع من استعماله في مجازه.
-
ولتأثيرها في التأكيد، ومنعها من التوسع، واستعمال اللفظ في غير العموم: تطرق الوهم إلى القائل بنفي التعميم فيما خلت منه.
- ج ٢ ص ٣٢
وبعض الشافعية١: أن أقله اثنان، لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس} ٢ ولا خلاف في حجبها باثنين.
-
وقد جاء ضمير الجمع للاثنين في قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} ٣، {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} ٤، وكانوا اثنين، {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} ٥ و {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} ٦.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "الاثنان فما فوقهما جماعة" ٧.
- ج ٢ ص ٣٣
ولأن الجمع مشتق من جمع الشيء إلى الشيء وضمه إليه، وهذا يحصل في الاثنين.
-
ولنا: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال لعثمان، رضي الله عنه: "حَجبتَ الأم بالاثنين من الإخوة، وإنما قال الله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس} ١، وليس الأخوان بإخوة في لسانك، ولا في لسان قومك؟ "
فقال له عثمان: "لا أنقض أمرًا كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار" ٢، فعارضه على أنه في لسان العرب ليس بحقيقة في الاثنين، وإنما صار إليه للإجماع.
- دليل آخر:
-
أن أهل اللسان فرقوا بين الآحاد، والتثنية، والجمع، وجعلوا لكل واحد من هذه المراتب لفظًا وضميرًا مختصًّا به، فوجب أن يغاير الجمع التثنية، كمغايرة التثنية الآحاد.
-
ولأن الاثنين لا ينعت بهما الرجال والجماعة في لغة أحد، فلا تقول: رأيت رجالًا اثنين، ولا جماعة رجلين، ويصح أن يقال: ما رأيت رجالًا، وإنما رأيت رجلين، ولو كان حقيقة فيه لما صح نفيه.
-
وأما ما احتجوا به فغايته: أنه جاز التعبير بأحد اللفظين عن الآخر مجازًا، كما عبر عن الواحد بلفظ الجمع في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم} ١ و {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر} ٢.
-
ثم إن "الطائفة" و "الخصم" يقع على الواحد والجمع، والقليل والكثير، فرد الضمير إلى الجماعة الذين اشتمل عليهم لفظ "الطائفة" و "الخصم" .
وأما قوله: "الاثنان ... جماعة" فأراد في حكم الصلاة، وحكم انعقاد الجماعة، لأن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- يحمل على الأحكام، لا على بيان الحقائق٣.
- ج ٢ ص ٣٥
وقولهم: "إنه جمع شيء إلى شيء" .
-
قلنا: الأسماء في اللغة لا يلزم فيها حكم الاشتقاق، على ما مضى.