فصل: في أقسام إلحاق المسكوت بالمنطوق
٨١ فقرة، ج ٢ ص ١٨٦
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٢ ص ١٩٩
ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدل على التعليل به.
-
كقوله تعالى: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} ٣. {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} ٤، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} ٥. أي: لتقواه.
-
وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطَانِ" ٦.
- ج ٢ ص ٢٠٠
وكذلك ما أشبهه؛ فإن الجزاء يتعقب شرطه ويلازمه.
-
فلا معنى للسبب إلا ما يستعقب الحكم ويوجد بوجوده.
- النوع الثالث:
-
أن يسأل النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن أمر حادث، فيجيب بحكم، فيدل على أن المذكور في السؤال علة.
-
كما روي أن أعرابيًّا أتى النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: هلكت وأهلكت. قال: "مَاذَا صَنَعْتَ" ؟ قال: واقعت أهلى في رمضان. فقال، عليه السلام: "أعْتِقْ رَقَبَة" ١ فيدل على أن الوقاع سبب؛ لأنه ذكره جوابًا له، والسؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: "وَاقَعْتَ أَهْلَكَ فَاعْتِق رَقَبَة" .
-
واحتمال أن يكون المذكور منه ليس بجواب: ممتنع، إذ يفضي ذلك إلى خلو محل السؤال عن الجواب، فيتأخر البيان عن وقت الحاجة، وهو ممتنع بالاتفاق.
- النواع الرابع:
-
أن يُذكر مع الحكم شيء، لو لم يقدر التعليل به: لكان لغوًا غير مفيد.
-
فيجب تقدير الكلام على وجه مفيد، صيانة لكلام النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن اللغو.
- وهو قسمان:
-
أحدهما: أن يُستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود، ثم يذكر الحكم عقيبه، كما سئل -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ" ؟ قالوا: نعم. قال "فَلَا إِذَنْ" ١.
-
فلو لم يقدر التعليل له: كان الاستكشاف عن نقصان الرطب غير مفيد لظهوره٢.
-
الثاني أن يعدل في الجواب على نظير محل السؤال: كما روي أنه لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين، فقال، عليه السلام: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهَا" ؟ قالت: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضاءِ" ٣.
-
فيفهم منه: التعليل بكونه دينًا تقريرًا لفائدة التعليل.
- ج ٢ ص ٢٠٢
النوع الخامس: أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل به: صار الكلام غير منتظم
كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ....} ١ فإنه يعلم منه التعليل للنهي عن البيع بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة؛ إذ لو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة يكون خبطًا٢ في الكلام.
-
وكذا قوله، عليه السلام: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" تنبيه على التعليل بالغضب، إذ النهي عن القضاء مطلقًا من غير هذه الرابطة لا يكون منتظمًا.
-
النوع السادس: ذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب، فيدل على التعليل به كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... } ٤. و {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} ، أي: لبرهم وفجورهم، فإنه يسبق إلى الأفهام التعليل به، كما لو قال: "أكرم العلماء وأهن الفسّاق" يفهم منه: أن إكرام العلماء لعلمهم، وإهانة الفساق لفسقهم.
-
فكذلك في خطاب الشارع، فإن الغالب منه: اعتبار المناسبة.
-
بل قد نعلم أنه لا يرد الحكم إلا لمصلحة: فمتى ورد الحكم مقرونًا بمناسب: فهمنا التعليل به.
- ج ٢ ص ٢٠٣
ففي هذه المواضع يدل على أن الوصف معتبر في الحكم، لكنه يحتمل: أن يكون اعتباره لكونه علة في نفسه.
-
ويحتمل أن اعتباره لتضمنه للعلة نحو: نهيه عن القضاء مع الغضب، ينبه على أن الغضب علة لا لذاته، بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، حتى يلتحق به الجائع والحاقن.
-
ويحتمل: أن ترتيبه فساد الصوم على الوقاع؛ لتضمنه إفساد الصوم، حتى يتعدى إلى الأكل والشرب.
-
والظاهر: الإضافة إلى الأصل، فصرفه عن ذلك إلى ما يتضمنه يحتاج إلى دليل١.
- ج ٢ ص ٢٠٤
.......................................................................
- ج ٢ ص ٢٠٥
القسم الثاني. ثبوت العلة بالإجماع:
كالإجماع على تأثير "الصغر" في الولاية١.
-
وكالإجماع على أن علة منع القاضي من القضاء وهو غضبان اشتغال قلبه عن الفكر والنظر في الدليل والحكم، وتغير طبعه عن السكون والتلبث للاجتهاد.
-
وكتأثير تلف المال تحت اليد العادية٢ في الضمان؛ فإنه يؤثر في الغصب إجماعًا، فقيس السارق -وإن قُطع- على الغاضب، لاتفاقهما في العلة المؤثرة في محل الوفاق إجماعًا.
-
فلا تصح المطالبة بتأثير العلة في الأصل، للاتفاق عليها.
- ج ٢ ص ٢٠٦
وإن طولب بتأثيرها في الفرع، فجوابه أن يقال: القياس لتعدية حكم العلة من موضع إلى موضع.
-
وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال، فلا يفتح هذا الباب، بل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيار الفرق١.
-
وكذلك لو قال: الأخوّة من الأبوين أثرت في التقديم في الميراث إجماعًا، فلتؤثر في التقديم في النكاح.
-
أو قال: الصغر أثر في ثبوت الولاية على البكر: فكذلك على الثيب.
- ج ٢ ص ٢٠٧
القسم الثالث: ثبوت العلة بالاستنباط.
-
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: إثبات العلة بالمناسبة.
-
وهو: أن يكون الوصف المقرون بالحكم مناسبًا١.
- ج ٢ ص ٢٠٨
ومعناه: أن يكون في إثبات الحكم عقيبه مصلحة.
-
ولا يعتبر أن يكون منشأ للحكمة، كالسفر مع المشقة، بل متى كان في إثبات الحكم عقيب الوصف مصلحة فيكون مناسبًا، كالحاجة مع
ج ٢ ص ٢٠٩البيع، والشكر مع النعمة، فيدل ذلك على التعليل به، إذ قد علمنا أن الشارع لا يثبت حكمًا إلا لمصلحة.