فصل: في خطأ المجتهد وإصابته
١٣٥ فقرة، ج ٢ ص ٣٤٧
الصفحة ١ من ٤
- ج ٢ ص ٣٤٧
الحق في قول واحد من المجتهدين، ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين، أو أصوله٢.
-
لكنه إن كان في فروع الدين، مما ليس فيه دليل قاطع -من نص أو إجماع- فهو معذور غير آثم، وله أجر على اجتهاده.
-
وبه قال بعض الحنفية والشافعية.
ج ٢ ص ٣٤٨وقال بعض المتكلمين: كل مجتهد "في الظنيات" مصيب، وليس على الحق دليل مطلوب.
-
واختلف فيه عن أبي حنيفة والشافعي.
-
وزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي٢.
-
وفَرَضَ ٣ الكلام في طرفين.
- أحدهما: مسألة فيها نص فينظر:
-
فإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد- في طلبه: فهو مخطئ آثم؛ لتقصيره.
-
وإن لم يكن مقدورًا عليه لبعد المسافة، وتأخير المبلّغ: فليس بحكم في حقه.
-
بدليل أن الله- تعالى- لما أمر جبريل أن يخبر محمدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بتحويل القبلة إلى الكعبة، فصلَّى قبل إخبار جبريل إياه لم يكن مخطئًا٤.
-
ولما بُلِّغ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-وأهل قباء يصلون إلى بيت المقدس لم
ج ٢ ص ٣٤٩يبلغهم: لم يكونوا مخطئين.
-
ولو بلغ أهل قباء فاستمر أهل مكة على الصلاة إلى أن بلغهم: لم يكونوا مخطئين.
-
وإذا ثبت هذا فيما فيه نصُّ: ففيما لا نصَّ فيه أولى.
-
ولا يخلو: إما أن تكون الإصابة ممكنة، أو محالًا. ولا تكليف بالمحال. ومن أمر بممكن، فتركه، أثم وعصى؛ إذ يستحيل أن يكون مأمورًا ولم يعص ولم يأثم بالمخالفة؛ لمناقضة ذلك للإيجاب.
-
وزعم: أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل مصنف.
-
ثم قال١: الظنيات لا دليل فيها؛ فإن الأمارات الظنية ليست أدلة لأعيانها، بل تختلف بالإضافات من دليل يفيد الظن لزيد، ولا يفيده لعمرو، مع إحاطته به.
-
بل ربما يفيد الظن لشخص واحد في حالة دون حالة.
-
بل قد يقوم في حق شخص واحد في حالة واحدة دليلان متعارضان، ولا يتصور في القطعية تعارض.
-
ولذلك ذهب أبو بكر الصديق – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إلى التسوية في العطاء، وعمر إلى التفضيل٢، وكل واحد منهما كشف لصاحبه دليله وأطلعه عليه، فغلب على ظن كل واحد منهما ما صار إليه، وكان مغلّبًا
ج ٢ ص ٣٥٠على ظنه دون صاحبه؛ لاختلاف أحوالهما.
-
فمن خُلِقَ خِلْقَتُهما١ يميل ميلهما، ويصير إلى ما صارا إليه في الاختلاف، ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسة يوجب اختلاف الظنون.
-
فمن مارس الكلام: ناسب طبعه أنواعًا من الأدلة يتحرك بها ظنه، لا يناسب ذلك طبع من مارس الفقه.
-
ومن غلب عليه الغضب: مالت نفسه إلى ما فيه "شهامة وانتقام" ٢.
-
ومن رقَّ طبعه: مال إلى الرفق والمساهلة.
-
بخلاف أدلة العقول؛ فإنها لا تختلف.
-
وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الإثم غير محطوط في الفروع٣، بل فيها حقّ معين٤ عليه دليل قاطع؛ لأن العقل قاطع بالنفي الأصلي، إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع.
-
وإنما استقام لهم هذا؛ لإنكارهم القياس وخبر الواحد.
-
وبما أنكروا الحكم بالعموم والظاهر٥.
-
وزعم الجاحظ٦: أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر، فعجز عن درك الحقِّ: فهو معذور غير آثم.
ج ٢ ص ٣٥١وقال عبيد الله بن الحسن العنبري١: كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع جميعًا.
-
وهذه كلها أقاويل باطلة.
-
أما الذي ذهب إليه الجاحظ:
فباطل يقينًا، وكفر بالله- تعالى- وردٌّ عليه وعلى رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإنا نعلم – قطعًا – أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتِّباعه، وذمهم على إصرارهم.
-
ونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم.
-
ونعلم: أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة، اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا، ولم يعرفوا معجزة الرسول وصدقه.
- والآيات الدالّة في القرآن على هذا كثيرة:
-
كقوله تعالى: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} ٢، {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ٣، {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} ٤، {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} ٥، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
ج ٢ ص ٣٥٢مُهْتَدُونَ} ١، {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِه ِ ... } ٢.
-
وفي الجملة: ذم المكذبين لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-مما لا ينحصر في الكتاب والسنة.
-
وقول العنبري: "كل مجتهد مصيب" .
-
إن أراد: أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه: فهو كقول الجاحظ.
-
وإن أراد: أن ما اعتقده فهو على اعتقاده: فمحال؛ إذ كيف يكون قِدَمُ العالم وحدوثه حقًّا، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه وهذه أمور ذاتية، لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها؟!.
-
فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية٣:
فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها، وجعلها تابعة للمعتقدات.
-
وقد قيل: إنما أراد٤ اختلاف المسلمين.