فصل: معنى النسخ عند المعتزلة
٢٦ فقرة، ج ١ ص ٢٢١
- وحدّ المعتزلة النسخ بأنه:
-
الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا١.
-
ولا يصح؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، وقد أخلوا الحد عنه٢.
-
فإن قيل:
- تحديد النسخ بالرفع لا يصح لخمسة أوجه:
-
أحدها: أنه لا يخلو: إما أن يكون رفعًا لثابت، أو لما لا ثبات له،
ج ١ ص ٢٢٢فالثابت لا يمكن رفعه، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه.
-
الثاني: أن خطاب الله -تعالى- قديم، فلا يمكن رفعه.
-
الثالث: أن الله -تعالى- إنما أثبته لحسنه، فالنهي يؤدي إلى أن ينقلب الحسن قبيحًا.
-
الرابع: أن ما أمر به، إن أراد وجوده، كيف ينهى عنه، حتى يصير غير مراد؟
-
الخامس: أنه يدل على "البداء" فإنه يدل على أنه بدا له مما كان حكم به وندم عليه، وهذا محال في حق الله -تعالى-١.
- قلنا:
-
أما الأول: ففاسد؛ فإنا نقول: بل هو رفع لحكم ثابت لولاه لبقي ثابتًا، كالكسر في المكسور، والفسخ في العقود.
-
إذ١ لو قال قائل: إن الكسر إما أن يرد على معدوم أو موجود:
فالمعدوم لا حاجة إلى إعدامه، والموجود لا ينكسر٢، كان غير صحيح؛ لأن معناه: أن له من استحكام البنية ما يبقى لولا الكسر، وندرك تفرقته بين كسره، وبين انكساره بنفسه، لتناهي الخلل فيه، كما ندرك تفرقته بين فسخ الإجارة، وبين زوال حكمها: لانقضاء مدتها٣.
-
وبهذا فارق "التخصيص" "النسخ" ؛ فإن التخصيص يدل على أنه أريد باللفظ: البعض٣.
-
وأما الثاني:
فإنه يراد بالنسخ: رفع تعلق الخطاب بالمكلف، كما يزول
ج ١ ص ٢٢٤تعلقه به؛ لطريان العجز والجنون، ويعود بعودة القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير١.
-
وأما الثالث:
فينبني على التحسين والتقبيح في العقل، وهو باطل٢. وقد قيل: إن الشيء يكون حسنًا في حالة، وقبيحًا في أخرى، لكن لا يصح هذا العذر؛ لجواز النسخ قبل دخول الوقت، فيكون قد نهي عما أمر به في وقت واحد.
- والرابع:
-
ينبني على أن الأمر مشروط بالإرادة وهو غير صحيح٣.
-
وأما الخامس:
ففاسد؛ فإنهم إن أرادوا أن الله -تعالى- أباح ما حرم، ونهى عما
ج ١ ص ٢٢٥أمر به: فهو جائز؛ {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} ١، ولا تناقض كما أباح الأكل ليلًا، وحرمه نهارًا.
-
وإن أرادوا: أنه انكشف له ما لم يكن عالمًا به: فلا يلزم من النسخ، فإن الله -تعالى- يعلم أنه يأمرهم بأمر مطلق، ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم يقطع فيه التكليف بالنسخ٢.
- فإن قيل:
-
فهم مأمورون به في علم الله -تعالى- إلى وقت النسخ، أو أبدًا؟
-
إن قلتم: إلى وقت النسخ: فهو بيان مدة العبادة.
-
وإن قلتم: أبدًا، فقد تغير علمه ومعلومه.
- قلنا:
-
بل هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع للحكم، المطلق الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله البيع المطلق مفيدًا لحكمه،
ج ١ ص ٢٢٦إلى أن ينقطع بالفسخ، ولا يعلمه في نفسه قاصرًا، ويعلم أن الفسخ سيكون، فينقطع الحكم به، لا لقصوره في نفسه.