فصل: تقسيم القياس ياعتبار قوته وضعفه
٦٩ فقرة، ج ٥ ص ٢٠٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ٥ ص ٢٠٧
...
-
"فصل"
-
يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ١.
-
فَـ "مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ" كَقِيَاسِ الأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ٢ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ ... " الْحَدِيثَ٣ "فَإِنَّا نَقْطَعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ الذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ فِيهِ.
- ج ٥ ص ٢٠٨
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ" نَقْطَعُ١ أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي مَعْنَاهُ.
-
وَمِثْلُهُ قِيَاسُ الصَّبِيَّةِ عَلَى الصَّبِيِّ فِي حَدِيثِ "مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ٢ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ" فَإِنَّا نَقْطَعُ أَيْضًا بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ الذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ.
-
"أَوْ نُصَّ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى عِلَّتِهِ "أَوْ أُجْمِعَ عَلَى عِلَّتِهِ" وَتَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُمَا.
-
"فَـ" هُوَ٣ فِي٤ الصُّوَرِ الثَّلاثِ "قِيَاسٌ جَلِيٌّ" .
-
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ وَلَمْ تَكُنْ عِلَّتُهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا، ٥أَوْ لَمْ تَكُنْ٦ مُجْمَعًا عَلَيْهَا "فَخَفِيٌّ" ؛ لأَنَّ احْتِمَالَ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ فِيهِ قَوِيٌّ.
-
وَذَلِكَ كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ فِي وُجُوبِ
ج ٥ ص ٢٠٩الْقِصَاصِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ فِي الْمُثْقَلِ١.
-
"وَ" يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ أَيْضًا "بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ" إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ: قِيَاسُ عِلَّةٍ، وَقِيَاسُ دَلالَةٍ، وَقِيَاسٌ فِي مَعْنَى الأَصْلِ٢.
-
ثُمَّ "إنْ صُرِّحَ فِيهِ٣" أَيْ فِي الْقِيَاسِ "بِهَا" أَيْ بِالْعِلَّةِ، بِأَنْ كَانَ الْقِيَاسُ بِذِكْرِ الْجَامِعِ٤ وَكَانَ الْجَامِعُ هُوَ الْعِلَّةَ "فَ" هُوَ "قِيَاسُ عِلَّةٍ" كَقَوْلِنَا فِي الْمُثَقَّلِ: قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوَانٌ، فَيَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْجَارِحِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْجَامِعُ وَصْفًا لازِمًا مِنْ لَوَازِمِ الْعِلَّةِ وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِنْ جُمِعَ فِيهِ" أَيْ فِي الْقِيَاسِ "بِمَا يُلازِمُهَا" أَيْ الْعِلَّةِ كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائِحَةِ الْفَائِحَةِ الْمُلازِمَةِ لِلشِّدَّةِ
ج ٥ ص ٢١٠الْمُطْرِبَةِ؛ لأَنَّ الرَّائِحَةَ لَيْسَتْ نَفْسَ الْعِلَّةِ.
-
أَوْ جُمِعَ فِي الْقِيَاسِ بِأَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْعِلَّةِ، كَقَوْلِنَا١ فِي الْمُثْقَلِ: قَتْلٌ أَثِمَ بِهِ فَاعِلُهُ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَتْلٌ فَوَجَبَ٢ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْجَارِحِ، فَالإِثْمُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْعِلَّةِ٣ لا نَفْسُهَا.
-
أَوْ جُمِعَ فِي الْقِيَاسِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي قَطْعِ الأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ: قَطْعٌ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ وُجُوبُهُ كَوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، فَوُجُوبُ الدِّيَةِ لَيْسَ عَيْنَ عِلَّةِ الْقِصَاصِ، بَلْ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهَا.
-
وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ "أَوْ٤ بِأَحَدِ مُوجِبِهَا٥" يَعْنِي: أَوْ جُمِعَ فِي الْقِيَاسِ٦ بِأَحَدِ مُوجِبَيْ الْعِلَّةِ "فِي الأَصْلِ" الْمَقِيسِ عَلَيْهِ "لِمُلازَمَةِ الآخَرِ، فَـ" هُوَ "قِيَاسُ دَلالَةٍ" .
-
وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَمَا جُمِعَ بِنَفْيِ الْفَارِقِ" كَإِلْحَاقِ الْبَوْلِ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ يَصُبُّهُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ بِالْبَوْلِ فِيهِ٧ "فَ" هُوَ "قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الأَصْلِ" .
- ج ٥ ص ٢١١
وَمَثَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ١ مَا يَكُونُ الْجَامِعُ فِيهِ بِلازِمِ الْعِلَّةِ: بِقِيَاسِ قَطْعِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ٢ عَلَى قَتْلِهِمْ بِالْوَاحِدِ، بِوَاسِطَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ. فَإِنَّ الْجَامِعَ - الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ - لازِمُ٣ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ، وَهِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ أَحَدُ مُوجِبَيْ الْعِلَّةِ، الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُوجِبِهَا الآخَرِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ.
-
"ويجوز التعبد بالقياس" في الشرعيات "عقلا" عند الأئمة الأربعة٤ وغيرهم، خلافا للشيعة، وجماعة من معتزلة بغداد.
قال البرماوي: ومنهم من منعه عقلا. فقيل: لأنه قبيح في نفسه فيحرم. وقيل: لأنه يجب على الشارع أن يستنصح لعباده
ج ٥ ص ٢١٢وينص لهم على الأحكام كلها، وهذا على رأي المعتزلة المعلوم فساده.
-
وأوجب التعبد به القاضي و١أبو الخطاب والقفال وأبو الحسين٢ ٣البصري.
-
ومعنى التعبد به٤ عقلا: أنه يجوز أن يقول الشارع: إذا ثبت حكم في صورة، ٥ووجد في صورة٥ أخرى مشاركة للصورة الأولى ٦في وصف٦، وغلب على ظنكم أن هذا الحكم في الصورة الأولى معلل بذلك الوصف، فقيسوا الصورة الثانية على الأولى.
-
استدل للمذهب الأول الصحيح بأنه٧ لا يمتنع٨ عقلا أن يقول الشارع: حرمت الخمر لإسكارها، فقيسوا عليها ما في معناها؛ لأن هذا يتضمن دفع٩ ضرر مظنون، وهو واجب
ج ٥ ص ٢١٣عقلا، فالقياس واجب عقلا، والوجوب١، يستلزم الجواز.
وقال المخالف: العقل يمنع من وقوع ما فيه٢ خطأ؛ لأنه٣ محذور.
-
رد٤: منع احتياطا لا إحالة٥، ثم لا منع٦ مع ظن الصواب، بدليل العموم وخبر٧ الواحد والشهادة.
-
"و" على القول بالجواز "وقع شرعا" عند المعظم٨ من أصحابنا٨ وغيرهم٩.
-
ومنعه داود وابنه والقاشاني١٠
ج ٥ ص ٢١٤والنهرواني١ وبعض أصحابنا وجمع، وهو رواية عن أحمد رحمه الله. وحملها القاضي وابن عقيل على قياس خالف نصا. وابن رجب على٢ من لم يبحث عن الدليل، أو لم يحصل شروطه.
- ج ٥ ص ٢١٥
"و" على الأول "وقوعه بدليل السمع قطعي" عند القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل، وعليه الأكثر.
-
وفي كلامهم أيضا: أنه ظني.
-
"وهو" أي القياس "حجة" ١ عند الأكثر من أصحابنا٢ وغيرهم٣.
-
وقد احتج القاضي وغيره على العمل بالقياس بقول أحمد رحمه الله: لا يستغني أحد عن القياس، وقوله في رواية الميموني٤: سألت الشافعي عنه، فقال: ضرورة، وأعجبه ذلك.
-
وذكر ابن حامد عن بعض أصحابنا: أنه٥ ليس بحجة،
ج ٥ ص ٢١٦لقول أحمد في رواية الميموني: يجتنب المتكلم هذين١ الأصلين: المجمل، والقياس.
-
وحمله القاضي وابن عقيل على قياس عارضه٢ سنة.
قال ابن رجب: فتنازع أصحابنا في معناه. فقال بعض المتقدمين والمتأخرين: هذا يدل على المنع من٣ استعمال القياس في الأحكام الشرعية بالكلية. وأكثر أصحابنا لم يثبتوا عن أحمد في العمل بالقياس خلافا، كابن٤ أبي موسى، والقاضي، وابن عقيل، وغيرهم، وهو الصواب. انتهى.
-
واستدل لكونه حجة - وهو الصحيح - بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} ٥. والاعتبار: اختبار شيء بغيره وانتقال من شيء إلى غيره والنظر في شيء ليعرف به آخر من جنسه.
-
فإن قيل: هو الاتعاظ٦ لسياق الآية.
-
رد: بأنه مطلق.
- ج ٥ ص ٢١٧
فإن قيل: الدال على الكلي لا يدل على الجزئي.
-
رد: بلى.
-
ثم مراد الشارع: القياس الشرعي؛ لأن خطابه غالبا بالأمر الشرعي.
-
وفي كلام أصحابنا وغيرهم: عام لجواز الاستثناء، ثم متحقق فيه؛ لأن المتعظ بغيره منتقل من العلم بغيره إلى نفسه. فالمراد قدر مشترك، وسبق في الأمر ظهور صيغة " افعل " في الطلب.
-
واحتج القاضي وأبو الخطاب وغيرهما بقوله صلى الله عليه وسلم "إذا اجتهد الحاكم فأصاب١ فله أجران. وإن أخطأ فله أجر" رواه مسلم٢.
-
واحتج أصحابنا أيضا وغيرهم٣ بإجماع الصحابة.
قال بعض أصحابنا والآمدي٤ وغيرهم: هو أقوى الحجج.