خاتمة
٢٠ فقرة، ج ٥ ص ٧٤٥
- ج ٥ ص ٧٤٥
يَقَعُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ حُدُودٍ سَمْعِيَّةٍ ظَنِّيَّةٍ١ مُفِيدَةٍ لِمَعَانٍ مُفْرَدَةٍ ٢تَصَوُّرِيَّةٍ٣. وَهِيَ حُدُودُ الأَحْكَامِ الظَّنِّيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِمَعَانٍ مُفْرَدَةٍ تَصَوُّرِيَّةٍ٤، وَذَلِكَ: لأَنَّ الأَمَارَاتِ الْمُفْضِيَةَ إلَى التَّصْدِيقَاتِ كَمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ فِيهَا، وَيُرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، كَذَلِكَ٥ الْحُدُودُ٦ السَّمْعِيَّةُ٧ يَقَعُ٨ التَّعَارُضُ٩ فِيهَا. وَيُرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.
- ج ٥ ص ٧٤٦
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " السَّمْعِيَّةَ " الْعَقْلِيَّةُ، الَّتِي هِيَ١ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّاتِ، فَإِنَّهَا٢ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً هُنَا.
-
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا. فَإِنَّهُ "يُرَجَّحُ مِنْ حُدُودٍ سَمْعِيَّةٍ: ظَنِّيَّةٍ مُفِيدٍ لِمَعَانٍ مُفْرَدَةٍ تَصَوُّرِيَّةٍ٣ صَرِيحٌ٤" لأَنَّ التَّرْجِيحَ فِي الْحُدُودِ السَّمْعِيَّةِ تَارَةً يَكُونُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، وَتَارَةً يَكُونُ٥ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى. وَتَارَةً يَكُونُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ٦ خَارِجٍ.
-
فَمِنْ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ الأَلْفَاظِ: الصَّرَاحَةُ٧، فَيُرَجَّحُ الْحَدُّ الَّذِي بِلَفْظٍ صَرِيحٍ عَلَى حَدٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، أَوْ اسْتِعَارَةٌ، أَوْ اشْتِرَاكٌ، أَوْ غَرَابَةٌ، أَوْ اضْطِرَابٌ٨.
-
وَمَحَلُّ هَذَا: إنْ قُلْنَا: إنَّ التَّجَوُّزَ وَالاسْتِعَارَةَ وَالاشْتِرَاكَ تَكُونُ فِي الْحُدُودِ، وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ.
ج ٥ ص ٧٤٧قَالَ الْكُورَانِيُّ: إلاَّ إذَا اشْتَهَرَ الْمَجَازُ، حَيْثُ١ لا يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ.
-
"وَ" مِنْ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى "أَعْرَفُ" يَعْنِي بِأَنْ يَكُونَ الْمُعَرَّفُ٢ مِنْ أَحَدِهِمَا أَعْرَفَ مِنْ الآخَرِ٣.
-
"وَ" مِنْ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى أَيْضًا "أَعَمُّ" يَعْنِي بِأَنْ٤ يَكُونَ مَدْلُولُ أَحَدِهِمَا أَعَمَّ مِنْ مَدْلُولِ الآخَرِ، فَيُرَجَّحُ الأَعَمُّ لِيَتَنَاوَلَ الأَخَصَّ ٥وَغَيْرَهُ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ٦.
-
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الأَخَصُّ لِلاتِّفَاقِ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الأَخَصُّ؛ لِتَنَاوُلِ الْحَدَّيْنِ لَهُ وَالاخْتِلافُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَدْلُولِ الأَخَصِّ. وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى٧.
- ج ٥ ص ٧٤٨
"وَ" مِنْ التَّرْجِيحِ١ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى أَيْضًا٢ "ذَاتِيٌّ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ التَّعْرِيفُ بِكَوْنِهِ ذَاتِيًّا عَلَى كَوْنِهِ عَرَضِيًّا؛ لأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالذَّاتِيِّ يُفِيدُ كُنْهَ الْحَقِيقَةِ، بِخِلافِ الْعَرَضِيِّ٣.
-
"مِنْ ذَا" أَيْ: يُقَدَّمُ٤ مِنْ هَذَا٥ التَّعْرِيفِ الذَّاتِيِّ مَا هُوَ "حَقِيقِيٌّ تَامٌّ، فَ" مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ "نَاقِصٌ" فَمَا هُوَ٦ "رَسْمِيٌّ كَذَلِكَ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُقَدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ الرَّسْمِيُّ التَّامُّ. فَالتَّعْرِيفُ٧ الرَّسْمِيُّ النَّاقِصُ "فَلَفْظِيٌّ" يَعْنِي: أَنَّهُ يَلِي الرَّسْمِيَّ النَّاقِصَ: التَّعْرِيفُ اللَّفْظِيُّ.
-
"وَ" يَكُونُ التَّرْجِيحُ فِي الْحُدُودِ السَّمْعِيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ أَيْضًا فَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْحَدَّيْنِ٨ "بِمُوَافَقَةِ" نَقْلٍ شَرْعِيٍّ٩، أَوْ لُغَوِيٍّ١٠ "أَوْ" بِ "مُقَارَنَةِ نَقْلٍ سَمْعِيٍّ، أَوْ لُغَوِيٍّ" عَلَى مَا لا
ج ٥ ص ٧٤٩يَكُونُ كَذَلِكَ١ "أَوْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ" عَمَلِ "الْخُلَفَاءِ" الرَّاشِدِينَ - "أَوْ" عَمَلِ "عَالِمٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ بِمُوَافَقَةِ عَمَلِ٢ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. أَوْ بِمُوَافَقَةِ عَمَلِ٣ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ، ٤أَوْ بِمُوَافَقَةِ٥ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، أَوْ بِمُوَافَقَةِ عَمَلِ عَالِمٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لِحُصُولِ الْقُوَّةِ بِذَلِكَ٦.
-
"وَ" يُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ أَيْضًا "بِكَوْنِ طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ أَسْهَلَ" مِنْ طَرِيقِ الآخَرِ "أَوْ أَظْهَرَ" مِنْ طَرِيقِ الآخَرِ٧. يَعْنِي: أَنَّ أَحَدَ التَّعْرِيفَيْنِ يُرَجَّحُ عَلَى الآخَرِ بِرُجْحَانِ طَرِيقِ اكْتِسَابِهِ، بِأَنْ يَكُونَ طَرِيقُ اكْتِسَابِهِ أَيْ٨ اكْتِسَابِ أَحَدِهِمَا قَطْعِيًّا، وَطَرِيقُ اكْتِسَابِ الآخَرِ ظَنِّيًّا، أَوْ اكْتِسَابِ أَحَدِهِمَا أَرْجَحَ مِنْ طَرِيقِ اكْتِسَابِ الآخَرِ، بِكَوْنِ طَرِيقِهِ أَسْهَلَ أَوْ٩ أَظْهَرَ، فَيُقَدَّمُ الأَسْهَلُ
ج ٥ ص ٧٥٠أَوْ الأَظْهَرُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ أَفْضَى إلَى الْمَقْصُودِ، وَأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ.
-
"وَ" يُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ أَيْضًا "بِتَقْرِيرِ حُكْمِ حَظْرٍ" عَلَى تَعْرِيفٍ مُقَرِّرٍ لِحُكْمِ إبَاحَةٍ١.
-
"أَوْ نَفْيٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ تَعْرِيفٌ مُقَرِّرٌ لِنَفْيِ حُكْمٍ٢ عَلَى تَعْرِيفٍ مُقَرِّرٍ لِلإِثْبَاتِ٣.
-
"أَوْ دَرْءِ حَدٍّ" يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ تَعْرِيفٌ مُقَرِّرٌ لِدَرْءِ حَدٍّ، بِأَنْ يَلْزَمَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ دَرْءُ الْحَدِّ، عَلَى مَا لا يَكُونُ كَذَلِكَ٤.
-
"أَوْ ثُبُوتِ٥ عِتْقٍ، أَوْ" ثُبُوتِ٦ "طَلاقٍ وَنَحْوِهِ" يَعْنِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ بِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ ثُبُوتُ عِتْقٍ أَوْ طَلاقٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا لا يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِذَلِكَ٧ قَالَهُ
ج ٥ ص ٧٥١ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ١. ثُمَّ قَالَ: فَالتَّرْجِيحُ٢ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحُجَجِ.
-
"وَضَابِطُ التَّرْجِيحِ" يَعْنِي الْقَاعِدَةَ الْكُلِّيَّةَ فِي التَّرْجِيحِ "أَنَّهُ مَتَى اقْتَرَنَ بِأَحَدِ" دَلِيلَيْنِ "مُتَعَارِضَيْنِ أَمْرٌ نَقْلِيٌّ" كَآيَةٍ أَوْ خَبَرٍ "أَوْ" أَمْرٍ "اصْطِلاحِيٍّ" كَعُرْفٍ أَوْ عَادَةٍ "عَامٌّ" ذَلِكَ الأَمْرُ٣ "أَوْ خَاصٌّ، أَوْ" اقْتَرَنَ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ "قَرِينَةٌ عَقْلِيَّةٌ، أَوْ" قَرِينَةٌ٤ "لَفْظِيَّةٌ، أَوْ" قَرِينَةٌ "حَالِيَّةٌ، وَأَفَادَ" ذَلِكَ الاقْتِرَانُ "زِيَادَةَ ظَنٍّ: رُجِّحَ بِهِ" لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ رُجْحَانَ الدَّلِيلِ هُوَ بِالزِّيَادَةِ٥ فِي قُوَّتِهِ أَوْ٦ ظَنِّ إفَادَتِهِ٧ الْمَدْلُولَ، وَذَلِكَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لا يَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ٨ مَدَارِكُهُ٩.
- ج ٥ ص ٧٥٢
"وَتَفَاصِيلُهُ" أَيْ: تَفَاصِيلُ التَّرْجِيحِ "لا تَنْحَصِرُ" وَذَلِكَ: لأَنَّ مُثَارَاتِ الظُّنُونِ الَّتِي بِهَا الرُّجْحَانُ وَالتَّرْجِيحُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. فَحَصْرُهَا بَعِيدٌ١؛ لأَنَّك٢ إذَا اعْتَبَرْت التَّرْجِيحَاتِ فِي الدَّلائِلِ مِنْ جِهَةِ مَا يَقَعُ فِي الْمُرَكَّبَاتِ مِنْ نَفْسِ الدَّلائِلِ وَمُقَدَّمَاتِهَا، وَفِي الْحُدُودِ مِنْ جِهَةِ مَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الْحُدُودِ مِنْ مُفْرَدَاتِهَا، ثُمَّ رَكَّبْت بَعْضَهَا مَعَ بَعْضٍ حَصَلَ أُمُورٌ لا تَكَادُ تَنْحَصِرُ٣.
-
وهذا آخر ما يسرّ٤ الله سبحانه وتعالى باختصاره٥ من "التحرير" مع ما ضم إليه، وهو شيء يسير، ولم يعر بحمد الله من أثواب الفائدة بتعريته٦ عن الإطالة والإعادة، ومع اعترافي
ج ٥ ص ٧٥٣بالعجز، جعلني الله ومن نظر إليه بعين التغاضي١ – إذ ما من أحد غير من عصمه الله يسلم - من صالحي٢ أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى المسوؤل أن٣ يوفقنا لكل عمل٤ جميل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم٥.
- ج ٥ ص ٧٥٤
..................................................................................................