باب الوضوء
٣٨٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٤٩
الصفحة ١٠ من ١٠
- ج ٢ ص ٣١٣
وتخليلُ اللحيةِ الكثيفةِ يحصلُ بكفِّ من ماء، بأنْ يضَعَهُ من تحتِها، ثمَّ يخلِّلَها بأصابعه متشبِّكةً في لحيته؛ اتِّباعًا لفعلِه ﷺ ، ولما رَوى أنسُ بن مالك أن النبيَّ ﷺ كان إذا توضَّأَ أخَذَ
ج ٢ ص ٣١٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
كفَّا من ماءٍ، فجعلَه (١) تحت حنكِه فخلَّلَ به لحيتَه، وقال: "هكذا أمَرني ربِّي" ، رواه أبو داود (٢) .
وقال في "الإقناع" (٣) : تخلَّلُ (٤) اللحيةُ عندَ غَسْلها، وإذا شاء عند مسح رأسه. نصَّ عليه.
-
وقد صحَّ أن لحيتَه الكريمةَ -شرَّفها الله تعالى- كانت كثَّةً (٥) . ويجزِئُ غسلُ ظاهرها، ويسَنُّ غسلُ باطنِها، وأن يزيدَ في ماء الوجه، وأمَّا شعرُ الوجهِ الخفيفُ فيجبُ غَسْلُهُ وما تحتَه، فالمتوضِّئ مخيَّرٌ في تخليلِ اللحيَةِ بينَ أنْ يخلِّلَها على صفة ما تقدَّم، أو يأخذَ كفًّا من ماءٍ يضعُه في جانبها، ويعركها.
-
واللحيَةُ الكثيفةُ: هي التي لا تُرَى منها البشرةُ عند المواجهةِ. وضدُّها الخفيفة، فيجبُ غسلُ ظاهرِهَا وباطنِهَا، وكذا في حكم اللحية عنفقةٌ (٦) ، وشارِبٌ، وحاجبانِ، ولحيةُ أنثى وخُنْثَى. فإنْ كان كلٌّ مِنْ هذه الشعورِ المذكورةِ كثيفًا، أجزأَ غَسلُ ظاهرِه، ويُسَنُّ تخليلُ باطنِه، كاللحيَةِ الكثيفةِ. وإن كانت هذه الشعورُ خفيفةً، وجبَ غَسْلُ ظاهرِها وباطنِها، كاللحيةِ الخفيفةِ.
- ج ٢ ص ٣١٥
وأصابعَ، وتيامنٌ،
(و) تخليلُ (أصابع) يدين ورجلين، فتخليلُ أصابعِ يديه بالتَّشبيكِ، وتخليلُ أصابعِ رجليه بخنصر يديه اليُسرى، يبدأ بخنصرِ رِجله اليُمنى إلى إبهامِها، وبإبهامِ اليُسرى إلى خِنْصرِها، فهو بخِنْصرٍ من خِنْصرٍ إلى خِنْصرٍ.
-
(وتيامنٌ) فيقدِّم اليُمنى على اليُسرى، حتى بين كفَّيْ قائمٍ من نومِ ليلٍ، وبين
قال في "الإنصاف" (١) : شعرُ غير اللحيةِ كاللحيةِ في الحكم، على الصحيحِ من المذهب، وعليه الجمهور، وجزمَ به في "الرعاية" في لحيةِ المرأةِ. وقيل: يجبُ غسلُ باطنِ ذلك كلِّه مُطْلقًا. انتهى. دنوشري مع زيادة.
-
(وتخليل أصابع) والسادسُ من سنن الوضوء: تخليلُ الأصابعِ من اليدين والرجلين، وهما آكدُ بيدٍ، وبخِنْصَر اليد اليسرى، من أسفلِ خِنْصَر الرجلِ اليمنى إلى خِنْصَر الرجلِ اليسرى؛ ليحصلَ التيامنُ في التخليل (٢) ، وقد ورد الخبر بذلك، قال المستوردُ (٣) بن شدَّاد: رأيتُ النبي ﷺ إذا توضَّأ دَلَكَ أصابعَ رجليه بخِنْصِره. رواه أبو داود (٤) . هذا إذا كانَ الماءُ يَصلُ إلى الأصابع من غير تخليلٍ، أمَّا إذا كانتِ الأصابعُ ملتفَّةً، ولا يصلُ الماء إليها إلَّا بالتخليلٍ، فحينئذٍ يجبُ، لا لذاته، بل لأداءِ الغَسْل المفروضِ؛ لأنَّ إيصالَ الماءِ إلى العضو واجبٌ.
-
(وتيامنٌ) والسابع من سنن الوضوء: تيامنٌ بينَ الأعضاءِ، كما ذكرنا حتى بين الكفَّينِ للقائمِ من نومِ الليل، وبينَ الأُذنَينِ، قاله الزركشيُّ، وقال الأزجيُّ: يمسحُهما معًا.
- ج ٢ ص ٣١٦
ودلكٌ، وأخذُ ماءٍ جديدٍ للأُذنين، وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ،
أذنين، كما قدَّمه في "الإقناع" (١) عن الزركشيِّ (٢) . وقال الأزجيُّ: يمسحهما معًا.
-
(ودَلْك) ما ينبو عنه الماء (وأخدُ ماءٍ جديدٍ) (٣) غيرِ ماءِ الرأس (للأذنين، وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ) .
-
انتهى. "إقناع" (١) .
-
(ودلكٌ) والثامن من سنن الوضوء: دَلْكٌ، بفتحِ الدَّال المهملةِ، مصدرُ دلكتُ الشيءَ دلكًا، من باب قَتَلَ: مَرَسْتَه بيدك، ودلكتُ النعلَ: مسحتها بالأرض، كذا في "المصباح" (٤) .
-
(وأَخدُ ماءٍ جديدٍ للأذنين) والتاسعُ من سُنَنِ الوضوء: مسحُ الأذنين بعدَ مسحِ الرأس بماء جديد، لظاهرِهما وباطنِهما، يَمْسَحُ ظاهرَهُما بإبهاميه، وباطنَهما بسبابَتَيه؛ لما رَوى عبدُ الله بن زيد أنه رأى رسولَ الله ﷺ يتوضَّأ، فأَخَذَ لأذنيه ماءً جديدًا، خلاف الذي لرأسه. رواهُ البيهقيُّ، وقال: إسنادهُ صحيح (٥) . فلو مَسحَ الأُذنين مع الرأسِ بماءِ الرأس، أجزأَهُ ذلك، ولكنَّه كير مُصِيبٍ للسنَّةِ.
-
(وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ) والعاشر من سنن الوضوء: غسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ إنْ عمَّتِ الأولى؛ لَما
ج ٢ ص ٣١٧وكُرِهَ فوقَها.
-
(وكُرِه) زيادةٌ (فوقَها) أي: الثالثة؛ لقوله ﷺ في حديثِ عَمْرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه لمَّا سُئِلَ عن الوضوء، فأَراهُ ثلاثًا ثلاثًا: "فمَنْ زادَ على هذا أو نقصَ، فقدْ أساء وتعدَّى، وظَلمَ" رواه أبو داود (١) . وتكلَّم مسلمٌ على قوله: "أو نقص" (٢) ،
رَوى معاويةُ بن قرَّة عن ابنِ عمر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دعا بماءٍ فتوضَّأَ مرَّةً مرَّة، وقال: "هذا وظيفةُ الوضوء الذي لا يَقبَل اللهُ الصلاةَ إلَّا به" ، ثمَّ دعا بماءٍ فتوضَّأ مرَّتين مرَّتين، [ثمَّ سكتَ ساعةً] (٣) ، ثم قال: "هذا وضوءٌ من توضَّأ به، كان أجرُه مرَّتين" ، ثمَّ دعا بماءٍ فتوضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هذا وضوئي ووضوءُ الأنبياءِ من قبلي" . رواه الدارقطنيُّ (٤) ، وفيه ضعف وانقطاع، واستشهدَ به الحاكم (٥) .
وقال القاضي وغيره: الأُولَى فريضةٌ، والثانية فَضيلةٌ، والثالثةُ سُنَّةٌ. وقدَّمه ابن عبيدان: قال في "المستوعب" : [وإذا قيل لك:] أيُّ موضع تُقَدَّمُ فيه الفضيلةُ على (٦) السنَّة؟ فقل: هنا. مصنف (٧) مع زيادة.
-
(وكُرِهَ فوقها) أي: وكرِه أنْ يَغسلَ المتوضئُ أعضاءَ الوضوءِ فوقَ الثلاثِ غَسلات لكلِّ عضوٍ، والمرادُ بالكراهةِ تَرْكُ الأولَى؛ لما رَوى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى رسولِ الله ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: "هكذا الوضوءُ، قمن زادَ أو نقصَ، فقد أساءَ وظلم" . رواه الإمامُ أحمد والنسائيُّ وابنُ ماجه. أي: أساءَ
ج ٢ ص ٣١٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
وأوَّله البيهقيُّ (١) على نقصانِ العُضْوِ
بالنقصِ، وظلمَ بالزيادةِ؛ لأنه جاوزَ الحدَّ. وقيل عكسُ ذلك؛ لأنَّ الظلمَ نقصانُ حقِّ الغيرِ. قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣] أي: لم تنقص.
-
ولا يُسَن الكلامُ على الوضوء، بل يُكرَه، والمراد بالكراهية تَرْكُ الأولى، فبقي من سُنَنِ الوضوءِ استقبالُ القبلة، ومجاوزةُ محلِّ الفرضِ، واستحضارُ ذِكْرِ النيَّةِ من أوَّلِ الوضوء إلى آخره، والتلفُّظُ بها سرًّا، وأنْ لا يَنْقُصَ ماءُ الوضوء عن مدِّ، كما سيأتي في باب الغسل إنْ شاءَ الله تعالى.
وقال الأُبِّيُّ (٢) : أساءَ الأدبَ الشرعيَّ، وتعدَّى ما حُدَّ لَه، وظَلَمَ في إتلافِ الماء، ووضعِه في غير محلِّه. انتهى. مصنِّف.
-
(وأَوَّلَه) أي: أوَّل النقص بنُقْصَان العضوِ عمَّا استحقَّه من الثلاث غسلات، وليس النقصُ راجعًا للوضوء، وقيل: تحرم الزيادة للخبر، وقيل: الكراهةُ لغير وسواسٍ.
قال الإمامُ أحمد: لا يزيدُ عليها إلَّا رجلٌ مبتلّى.
-
"فائدتان" : إحداهما: يُعمَلُ في عدد الغسلات بالأقلِّ، على المذهب، وقال في "النهاية" : بالأكثر.
-
الثانية: لو غَسَلَ بعضَ أعضاءِ الوضوءِ أكثرَ من بعضٍ، لم يكره على المذهب، وعنه: يُكره. انتهى. بعضُ الشراح.
- ج ٢ ص ٣١٩
فصل
واستحسنه الذهبيُّ (١) .