فصل: حكم الفتوى في مسائل الكلام

١٧ فقرة، ج ١ ص ٢١٨

  1. * لَيسَ لَهُ أَنْ يفْتِيَ فِي شَيءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلامِ مُفَصِّلًا، بَلْ يَمْنَعُ السَّائِلَ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ (١) يَقْتَصِرُوا فِيهَا عَلَى الْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ (٢) .

    ج ١ ص ٢١٨
  2. * وَأَنْ يَقُولُوا فِيهَا وَفِيمَا وَرَدَ مِنَ الآيَاتِ وَالأخْبَارِ الْمُتَشَابِهَةِ: "إِنَّ الثَّابِتَ فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كُلُّ مَا هُوَ [اللَّائِقُ فِيهَا بِاللهِ -تَعَالى-، وَبِكَمَالِهِ] (٣) ، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ، وَتَقْدِيسِهِ، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ، وَلَا تَجْسِيمٍ، وَلَا تكْيِيفٍ، وَلَا تَأْوِيل، وَلَا تَفْسِيرٍ، وَلَا تَعْطِيل، وَلَيْسَ عَلَيْنَا تَفْصِيلُ الْمُرَادِ وَتَعْيِينُهُ، وَلَيْسَ الْبَحْث عَنْهُ مِنْ شَأْنِنَا -فِي الأكثَرِ [وَالْأَشْهَرِ] (٤) -، بَلْ نَكِلُ عِلْمَ تَفْصِيلِهِ إِلَى اللهِ -تَعَالى-، وَنَصْرِفُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ قُلُوبَنَا وَألْسِنَتَنَا" .

  3. فَهَذَا وَنَحْوُهُ [هُوَ] (٥) الصَّوَابُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَهُوَ سَبِيلُ (٦) السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتبرةِ، وَأَكَابِرِ [الْفُقَهَاءِ وَ] (٧) الْعُلَمَاءِ، مِنَّا وَمنْ غَيْرِنَا.

  4. وَهُوَ أَصْوَبُ وَأَسلَمُ لِلعَامَّةِ وَأَشبَاهِهِمْ، مِمَّنْ يُدْغِلُ قَلْبَهُ بِالْخَوضِ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا بَاطِلًا مُفَصَّلًا، فَفِي إِلْزَامِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الاِعْتِقَادِ [الْبَاطِلِ] (١) بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ وَأَسلَمُ.

    ج ١ ص ٢١٩
  5. * وَإِذَا عَزَّرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ حَادَ مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّريقَةِ؛ فَقَدْ تَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- فِي تَعْزِيرِ [صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ] (٢) الَّذِي كَانَ يَسْأل عَنِ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى ذَلِكَ.

  6. وَالْمُتكَلِّمُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مُعْتَرِفُونَ بِصَحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَنهَا أَسْلَمُ لِمَنْ سَلِمَتْ لَهُ (٣) .

  7. حَتَّى الْغَزَالِيُّ -أَخِيرًا- فَإِنَّهُ قَال: "كُلُّ مَنْ يَدْعُو الْعَوَامَّ إِلَى الْخَوضِ فِي هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ، بَلْ مِنَ الْمُضِلِّينَ، وَهُوَ كَمَنْ يَدْعُو صَبِيًّا يَجْهَلُ السِّبَاحَةَ إِلَى خَوْضِ الْبَحْرِ" (٤) .

    وَقَال: "الصَّوَابُ لِلخَلْقِ إِلَّا النَّادِرَ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ (٥) فِي الإْيمَانِ الْمُرْسَلِ، وَالتَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ، وَمَا قَالهُ اللهُ [- تَعَالى-] (٦) أَوْ (٧) رَسُولُهُ [-صلى الله عليه وسلم] (٨)

  8. بِلَا بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ " (١) .

    قَال: "وَفِي الاشْتِغَالِ [بِالتَّقْوَى] (٢) شُغُلٌ شَاغِلٌ " (٣) .

    وَقَال فِي "التَّفْرِقَةِ " (٤) فِي حَقِّ عَوَامِّ الْخَلْقِ: " إِنَّ الْحَقَّ فِيهِ الاتِّبَاعُ، وَالْكَفُّ عَنْ تَغْيِيرِ [الظَّوَاهِرِ] (٥) رَأْسًا، [وَالْحَذَرُ] (٦) عَنْ إِبْدَاعِ (٧) تَأْوِيلَاتٍ لَمْ تُصَرِّحْ (٨) بِهَا الصَّحَابَةُ، وَحَسْمُ بَابِ السُّؤَالِ رَأْسًا، وَالزَّجْرُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ وَالْبَحْثِ، وَاتِّبَاعِ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

    ج ١ ص ٢٢٠
  9. [الثَّانِي: ] (٩) بَيْنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ (١٠) اضْطَرَبَتْ عَقَائِدُهُمُ الْمَأْثُورَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَوْرُوثَةُ، وينْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَحْثُهُمْ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَتَرْكُهُمُ الظَّاهِرَ (١١) لِضَرُورَةِ الْبرهَانِ الْقَاطِعِ " (١٢) .

    وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "مِنَ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ إِلَى التَّأوِيلِ ظَنًّا لَا قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ فَتْحُ

    ج ١ ص ٢٢١هَذَا الْبَابِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ يُؤَدِّي إِلَى تَشْوِيشِ قُلُوبِ الْعَوَامِّ؛ بُدِّعَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكَلُّ مَا لمْ يُؤْثَرْ عَنِ السَّلَفِ ذِكْرُهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ الْمُهِمَّةِ؛ فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ يُغَيِّرُ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ " (١) .

    وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "كَلُّ مَا [لَا] (٢) يَحْتَمِلُ التَّأوِيلَ فِي نَفْسِهِ، وَتَوَاتَرَ نَقْلُهُ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَقُومَ عَلَى خِلَافِهِ بُرْهَانٌ؛ فَمُخَالفَتُهُ تَكْذِيبٌ مَحْضٌ، وَمَا (٣) تَطرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَال تَأْوِيل وَلَوْ بِمَجَازٍ (٤) بَعِيدٍ، فَإِنْ كَانَ بُرْهَانهُ قَاطِعًا؛ وَجَبَ الْقَول بِهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي إِظْهَارِهِ مَعَ الْعَوَامِّ ضَرَرٌ لِقُصُورِ أَفْهَامِهِمْ؛ فَإِظْهَارُهُ بِدْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ البرهَانُ يُفيدُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ؛ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَإِنْ عَظُمَ ضَرَرُهُ؛ فَهُوَ كفْرٌ " (٥) . وَفِيهِ اِحْتِمَالٌ.

    قَال: "وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ (٦) السَّلَفِ بِالدَّعْوَةِ بِهَذِه الْمُجَادَلَاتِ، بَلْ شَدَّدُوا الْقَوْلَ عَلَى مَنْ يَخُوضُ فِي الْكَلَامِ، ويشْتَغِلُ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ " (٧) .

    وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "الْإِيمَانُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْكَلَامِ ضَعِيفٌ، وَالْإِيمَانُ الرَّاسِخُ إِيمَانُ الْعَوَامِّ الْحَاصِلُ فِي قُلُوبِهِمْ فِي (٨) الصِّبَا بِتَوَاتُرِ السَّمَاعِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ بِقَرَائِنَ يَتَعَذَّرُ (٩)

  10. التَّعْبِيرُ عَنْهَا، ويؤَكِّدُهُ مُلَازَمَةُ الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتكلِّمِينَ يُشْعِرُ السَّامِعُ أَنَّ فِيهِ صَنْعَة (١) يَعْجِزُ عَنْهَا الْعَامِّيُّ، [لَا أنَّهُ] (٢) حَقٌّ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبُ عِنَادِهِ " (٣) .

    وَقَال شَيْخُةُ (٤) أَبو الْمَعَالِي: "يَحْرِصُ الإْمَامُ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى جَمْعِ عَامَّةِ الْخَلْقِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ " (٥) .

    وَقَال الصَّيْمَرِيُّ: "أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِهَا؛ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ خَطَّهُ بفَتْوَى فِي مَسْأَلةِ كَلَامٍ، كَالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَتِمُّ قِرَاءَةَ مِثْلِ هَذِهِ الرُّقْعَةِ " (٦) .

    ج ١ ص ٢٢٢
  11. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الامْتِنَاعَ مِنَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ عَنِ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَالْحَدِيثِ، قَال: "وَإِنَّمَا خَالفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ " (٧) .

  12. وَقِيلَ (٨) : "إِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلةُ مِمَّا يُؤْمَنُ فِي تَفْصِيلِ جَوَابِهَا مِنْ ضَرَرِ الْخَوْضِ الْمَذْكُورِ؛ جَازَ الْجَوَابُ مُفْصَّلا (٩) ، بِأَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا مُخْتَصَرًا مَفْهُومًا، فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَطْرَافٌ يَتَجَاذَبُهَا [إِلَيْهَا] (١٠) الْمُتَنَازِعُونَ، وَالسُّؤال عَنْهُ صَادِرٌ مِنْ مُسْتَرْشِدٍ خَاصٍّ

    ج ١ ص ٢٢٣مُنْقَادٍ، أَوْ مِنْ عَامَّةٍ قَلِيلَةِ التّنَازُعِ وَالْمُمَارَاةِ، وَالْمُفتِي مِمَّنْ يَنْقَادُونَ لِفُتْيَاهُ، وَنَحْوُ هَذَا ".

  13. وَعَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ يُخَرَّجُ مَا جَاءَ عَنْ [بَعْضِ] (١) السَّلَفِ مِنَ الْفَتْوَى (٢) فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَلامِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ نَادِرٌ.

  14. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ شَيءٌ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، حَتَّى إِنَّ شَيْخَ الإسْلَامِ الأنْصَارِيَّ جَمَعَ مِنْ (٣) ذَلِكَ مُجلَّدًا (٤) .

  15. وَقَدْ قَال أَحْمَدُ: "لَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ، وَلَا أَرَى الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ [-تَعَالى-] (٥) أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ [-صلى الله عليه وسلم-] (٦) " (٧) .

    وَقَال: "كُنَّا نَأْمُرُ بِالسُّكُوتِ، فَلَمَّا دُعِينَا إِلَى الْكَلَامِ تَكَلَّمْنَا " (٨) .

  16. يَعْني زَمَنَ الْمِحْنَةِ؛ لِلضَّرُورَةِ فِي دَفْعِ شُبَهِهِمْ، لَمَّا ألجِئَ إِلَى ذَلِكَ.

    وَقَال: "لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ الْجِدَال، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السُّنَّةَ" (٩) .

    ج ١ ص ٢٢٤وَقَال: "مَنِ ارْتَدَى بِالْكَلَامِ لَمْ يُفْلحْ" (١) .

    وَقَال: "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْكَلَامِ وَإِنْ ذَبُّوا عَنِ السُّنَّةِ" (٢) .

    وَقَال مَالِكٌ: "لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُجَادِلَ عَنِ السُّنَّةِ، بَلِ السُّنَّةُ أَنْ تُخْبِرَ بِهَا، فَإِنْ سُمِعَتْ مِنْكَ، وَإِلَّا سَكَتَّ" (٣) .

  17. وَإِذَا كانَ هَذَا حَال مُتكلِّمِي (٤) الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فكَيْفَ نَحْنُ وَمَنْ يَتِّبعُ الآثَارَ؟

    وَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: "النَّاسُ يَكْتبونَ أحْسَنَ مَا يَسْمَعُونَ، وَيَحْفَظُونَ أَحْسَنَ مَا يَكْتبونَ، وَيَتَحَدَّثُونَ بِأَحْسَنِ مَا يَحْفَظُونَ" (٥) .

    وَقَال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا -أَوْ إِثْمًا- أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (٦) .