مقدمة التحقيق
٣٥ فقرة، ج ١ ص ٥
- ج ١ ص ٥
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الكفار إنما يقاتلون بشرط الحراب، كما ذهب اليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة، كما هو مبسوط في موضعه) "النبوات" ص (١٤٠) .
-
* قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر، ولذلك لا يقتل النساء، ولا الصبيان، ولا الزمنى، والعميان، ولا الرهبان الذين لا يقاتلون؛ بل نقاتل من حاربنا) "أحكام أهل الذمة" (١/ ١١٠) .
-
* وقال أيضًا: (ولم يكره أحدًا قط على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالًا لأمر ربه سبحانه ... ومن تأمل سيرة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيمًا على هدنته لم ينقض عهده) "هداية الحيارى" (١/ ١٢) .
- ج ١ ص ٧
المُقَدِّمَةُ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع هداه، وبعد:
فإننا في هذه الأيام - أيام المحن، وتعدد ضروب الفتن - نعيش صراعًا ليس كباقي الصراعات، إنه صراع الحضارات أو صراع الحياة، وإن المقلب لصفحات التواريخ والأيام ليجد أن كثيرًا من الحضارات التي حاربت الإسلام والمسلمين قامت سياسة حربها وقتالها على مبدأ الظلم والعدوان، وسفك الدماء، وقتل الأبرياء، وهتك الأعراض، فلم ترع لأحد حرمة، ولم تر لأحد حقًّا.
-
فقتلوا كل من قابلهم من المسلمين لمجرد إسلامه وإيمانه، وسفكوا دم كل أحد حتى ولو أعلن استسلامه، ولا أدل على ذلك ما قام به هولاكو الذي قتل ما يزيد على ألف ألف من البشر.
-
وفرناندو، وإيزبلا، وريتشارد الملقب بـ: (قَلْب الأسَد) ،
ج ١ ص ٨ونابليون، وستالين الذي قتل ملايين المسلمين في القوقاز، وموسوليني الفاشي الذي أراد بناء حضارته على جثث المسلمين في شمال أفريقية، وغيرهم الكثير الكثير الذين عملوا من الأعمال الإرهابية، والجرائم الفظيعة الغير الإنسانية، ما تقشعر له الجلود، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
-
بل في العصر الراهن نجد أن الحضارة الغربية، المبنية على العنصرية، والسياسة التي تدعي الديمقراطية والحرية، قد سامت البشرية وأذاقتها صنوفًا وألوانًا من العذاب، والقهر والتسلط، والبغي والعدوان، وما حادثة هيروشيما ونكازاكي عنا ببعيد، هذه الحادثة التي أقضت المضاجع، وقلَّبت المواجع، ليست فقط على من ذاق بلواها، وشاهد لأوها؛ بل على سكان الأرض أجمع إلى يومنا هذا .. وكذلك ما عملته الحضارة الغربية في فيتنام .. وما عملته في فلسطين تحت أيدي اليهود الغاصبين .. وما عملته في أفغانستان .. وما تعمله الآن في العراق من نهب الخيرات، وسلب
ج ١ ص ٩المقدرات.
-
إن الحضارة الغربية، وسياستها الحربية، ونزعتها الفكرية القتالية، لا تقوم إلا على الدماء، وقطع الأشلاء، من الضحايا الأبرياء، الذين لا حول لهم ولا قوة.
-
سياسة تقوم على القاعدة الفرعونية: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} .
-
سياسة تقوم على مصادرة العقول والحريات "فمن ليس معنا فهو ضدنا" ، فهي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
-
أما سياسة الإسلام الحربية، وتشريعاته الجهادية، وحضارته الإنسانية، فقد كانت على خلاف ما كانت حروب عليه الأعداء تمامًا.
-
فهي سياسة شعارها ودثارها السلم والمسالمة، وإذا حاربت للدفاع عن نفسها أو عن دعوتها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
ج ١ ص ١٠لله، فهي لا تقاتل إلا المقاتل، فلا تقتل من لم يقاتل من الشيوخ، والرهبان، والأجراء، والنساء، والصبيان، ونحوهم ممن لم ينصب نفسه للقتال.
-
وهي سياسة لا تقوم على الإفساد في الأرض، فلا تهدم مسكنًا، ولا تخرب عمرانًا، ولا تقطع شجرة، إلا لمصلحة يراها ولي الأمر.
-
وهي سياسة تقوم على النظر في جلب المصالح ودرء المفاسد.
-
وهي سياسة تقوم على النظر في حال المسلمين من قوة وضعف - كما سيأتي - ومن تأمل القرآن والسنة، وما كان عليه مجاهدو هذه الأمة عرف ذلك حق المعرفة، والتاريخ خير شاهد.
-
ولقد كَتب في هذا الباب عدد من الكُتَّاب، لكن في الحقيقة لم أجد من فصّل في هذه المسألة تفصيلًا علميًّا دقيقًا، مقرونًا بالدليل النقلي والبرهان العقلي إلا شيخ الإسلام في قاعدته المختصرة هذه
ج ١ ص ١١في قتال الكفار.
-
فلقد ألَّف - رَحِمَهُ اللهُ - في هذا الباب مجلدًا حافلًا مستقلًا (١) ، لكن للأسف لم يقع بين أيدينا سوى المختصر منه، فقلت: ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فسارعت إلى دراسته دراسة علمية موضوعية، ومقارنته بما تيسر من مخطوطاته ونسخه، وتأصيل جمله وعباراته من كلام شيخ الإسلام نفسه في سائر ما توفر لدي من مؤلفاته ومصنفاته، وكذا مصنفات تلميذه، صفي فؤاده، ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى.
-
وإننا حينما نخرج هذه الرسالة المختصرة وأمثالها، لنوضح بجلاء للمسلمين وللعالم الغربي المستغفل إعلاميًا، مفاهيم الجهاد الشرعية، وأساليبه الحضارية، التي قام عليها الإسلام، وأسَّس عليها دُوَلَه، والتي من بينها دولة الإسلام والمسلمين، ومهوى
ج ١ ص ١٢أفئدة العالمين، بلاد الحرمين الشريفين "المملكة العربية السعودية" .
-
بل إن في هذه الرسالة المختصرة أبلغ رد على من يتهم هذه الدولة المباركة، أو دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية، أو دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإرهاب أو الحض عليه، وما عقيدة وثقافة ابن عبد الوهاب إلا صورة أخرى لعقيدة وثقافة ابن تيمية، يعرف ذلك كل من له أدنى علم وفهم.
-
وكون بعض من شباب المسلمين قد سلكوا مسالك البغي والعدوان، فلا يعني أننا نحمّل الآخرين جريرتهم ووزرهم، وقد علَّمنا الإسلام ألا تزر وازرة وزر أخرى.
-
كما أرجو من الله تعالى أن يخرج بأسباب هذه الرسالة المختصرة كثيرًا من شباب الأمة ممن غرق في وحل الفكر المتطرف الذي يستحل دماء الأبرياء، مدعيًا أن ذلك هو منهج سيد الأنبياء! ! .
-
وأن يصحح بأسبابها كثيرًا من المفاهيم المغلوطة عن منهج شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب تجاه قتال الكفار،
ج ١ ص ١٣وتحريم قتلهم بمجرد كفرهم.
-
وفي الختام أشكر الله تعالى المان بكل خير، ثم أشكر كل من ساعدني على دراسة هذه الرسالة المختصرة وتحقيقها، وأخص منهم جميع الأخوة الذين منحوني - على كثرة شواغلهم - جزءًا كبيرًا من وقتهم لقراءة هذه الرسالة المختصرة، وإبداء ما عليها من ملحوظات.
-
فأرجو من الله أن أكون قد وفقت فيما توصلت إليه من دراسة ونظر حولها، وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون جهدًا من مقل، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه برئيان، والحمد لله رب العالمين.
-
وكتبه
د/ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد
رياض نجد ٢١/ ٦/ ١٤٢٤ هـ
[email protected]
- ج ١ ص ١٥
القسم الأول
دراسة الكتاب، وتشتمل على الآتي:
* تمهيد.
-
* أسباب دراسة الرسالة المختصرة.
-
* تحقيق نسبة الرسالة المختصرة إلى شيخ الإسلام.
-
* تحقيق صحة الرسالة المختصرة، وأنها منقولة عن أصل شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الكفار.
-
* مراد شيخ الإسلام في هذه الرسالة المختصرة.
-
* عنوان الرسالة المختصرة.
-
* النسخ الخطية للرسالة المختصرة.
-
* منهجي في الدراسة.
-
* منهجي في التحقيق.
-
* نماذج مصورة للنسخ الخطية.